أخر تحديث : السبت 25 يناير 2014 - 12:29 مساءً

إضاءات حول مشروع قانون رقم 13-31 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات

جلال الحمدوني | بتاريخ 25 يناير, 2014 | قراءة

يعود مرة أخرى مشروع القانون رقم 13-31 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات للواجهة، فقد عرض في الاجتماع الأسبوعي الأخير لمجلس الحكومة يوم الخميس 23 يناير 2014، وهذا المشروع تم إعداده منذ ما يقارب السنتين من قبل الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالوظيفة العمومية وتحديث الإدارة، ولقي مقاومة من قبل المعارضة التي ارتأت أن لها الأسبقية في إعداده لكون مجال القانون هو من اختصاص المؤسسة التشريعية، ومن جهتها تسوغ الحكومة مبررات من قبيل أن مشروع القانون هذا يدخل ضمن أولويات الحكومة في المجال التشريعي، في إطار ما يعرف بالمخطط التشريعي. غير أن الحكومة حسمت موقفها وأعدت المشروع رغم تقدم فرق من المعارضة بمقترحات قوانين حول الموضوع.

ومما لا يدع مجالا للشك، وبغض النظر عن السجالات السياسية بين الأغلبية والمعارضة، فالقانون الذي ينظم حق الحصول على المعلومات موضوعه على درجة كبيرة من الأهمية، غير أن النقاش العمومي المواكب له لا يرقى لمستوى أهمية وتأثير هذا القانون على الأفراد الذاتيين والمعنويين، وعلى مناخ الاستثمار في البلاد. وقد تم تأجيل الحسم في مشروع القانون هذا من قبل مجلس الحكومة المنعقد أخيرا، ليُوكَلَ للجنة بين وزارية مواصلة مدارسة المشروع وتقديم نتائج أشغالها في غضون شهر أمام المجلس. ومن المنتظر أن يُقدم بعدئد أمام البرلمان لمناقشته وإدخال التعديلات التي يراها المُشَرع مناسبة، وبعد ذلك يمر لمرحلة التصويت عليه.

ولابد لنا في هذا الإطار الرجوع قليلا للوراء ونتذكر معا حيثيات المناظرة الوطنية حول الحق في الوصول إلى المعلومة التي نظمت شهر يونيو من السنة الماضية، إذ طغى عليها ما يشبه الحرب الكلامية بين رئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة، أمام العشرات ممن حضروا الجلسة الافتتاحية.
ويجدر بنا التذكير- للإنصاف- بأن حق الوصول أو الولوج إلى المعلومات من المطالب التي نادت بها هيئات حقوقية وصحفية، ومنظمات المجتمع المدني وفعاليات تهتم بالدفاع عن حقوق الإنسان، وترسيخ الشفافية، ومحاربة الفساد والرشوة، وتخليق الحياة العامة، منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي.
وعلى الصعيد الدولي، ساهم انتشار منظومة حقوق الإنسان عالميا في حث جميع الدول على احترام تلك الحقوق، والتي من ضمنها حق كل إنسان في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها دونما اعتبار للحدود، وأقرت أكثر من 90 دولة عبر العالم تشريعات تسمح للجميع بالولوج إلى الوثائق والمعلومات، وخصص المنتظم الدولي يوم 28 شتنبر من كل سنة يوما عالميا للحق في الحصول على المعلومات.

وتكريسا لمسار طويل من النضال حول تثبيت حقوق الإنسان ومراعاة طبيعتها الكونية، تم إقرار مجموعة مستجدة من الحقوق والحريات الأساسية دستوريا في وثيقة 2011، ومنها حق الحصول على المعلومات، فالفصل 27 ينص على ما يلي:  » للمواطنات والمواطنين حق الحصول على المعلومات، الموجودة في حوزة الإدارة العمومية، والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام.
لا يمكن تقييد الحق في المعلومة إلا بمقتضى القانون، بهدف حماية كل ما يتعلق بالدفاع الوطني، وحماية أمن الدولة الداخلي والخارجي، والحياة الخاصة للأفراد، وكذا الوقاية من المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور، وحماية مصادر المعلومات والمجالات التي يحددها القانون بدقة  .«
وينسجم تكريس هذا الحق، “حق الحصول على المعلومات” ، دستوريا مع التزام المغرب بملائمة تشريعاته وقوانينه مع المعاهدات والمواثيق الدولية التي وقع عليها، خاصة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
ويمثل ضمان حق المواطنين في الحصول على المعلومات، وتسهيل الولوج لخدمات المرافق الإدارية أداة قوية لمكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية والنزاهة، ويساهم في ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمساءلة والمحاسبة.

وبالرجوع لمشروع القانون رقم 13-31 المنشور في موقع الأمانة العامة للحكومة، في خانة “النصوص الموزعة على أعضاء الحكومة”، ومن خلال القراءة الأولية يتبين أنه من حيث الشكل يحتوي على تقديم، ثم ديباجة، وثمانية أبواب تضم سبعة وثلاثين مادة، وأربعة ملاحق. أما من حيث المضمون فنقتصر على تسجيل بعض الملاحظات على المشروع تجنبا للإطالة. فالديباجة تذكر بالأساس المرجعي لحق الحصول على المعلومات من خلال الإحالة على النص الدستوري )الفصل 27 من الدستور( ، وكذا المواثيق الدولية ذات الصلة )المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوف الإنسان- المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية- المادة 10 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد(.أما فيما يتعلق بباقي الأبواب فتوزعت بين التعريف بمدلولات المصطلحات الواردة في المشروع والقصد منها، وهي للإشارة قد تم تحجيمها إلى ثلاثة فقط وهي؛ المعلومات المراد الحصول عليها، الهيئات المعنية بتنفيذ أحكام هذا القانون، والشخص المكلف بتلقي طلبات الحصول على المعلومات وتسليمها. وتم إغفال شرح بعض المفاهيم الواردة في المشروع )الحد الأقصى للمعلومات، توفير المعلومات بالقدر الكافي، الميزانية المفتوحة بما فيها ميزانية المواطن، استشارة الغير قبل تسليم المعلومات،…(، وهو ما قد يفتح الباب لتأويلات متضاربة واجتهادات قد تعصف بهذا الحق، بحسب السلطة التقديرية للشخص المكلف، أو الهيئة المعنية التي بحوزتها المعلومات.
الباب الثالث خصص لتدابير النشر الاستباقي للمعلومات، فالمادة 7 تنص على:”يجب على الهيئات المعنية نشر الحد الأقصى من المعلومات التي بحوزتها وغير المشمولة بالاستثناء، في وقتها وبواسطة جميع وسائل النشر المتاحة،..” ، فهذه المادة يَلُفها الغموض بإقحام عبارة “الحد الاقصى للمعلومات”، إذ كيف يتم معرفة هذا الحد الأقصى أين يبدأ وأين ينتهي، مادامت المادة المذكورة تشترط أن تكون هذه المعلومات “غير مشمولة بالاستثناء”، فكان الأجدى الاستغناء عن تلك العبارة لتستقيم الغاية من إقرار هذا الحق دستوريا، ونفس الأمر ينطبق على توقيت النشر، فاستعمال عبارة “في وقتها” جاءت عامة وغير دقيقة، هل نشر المعلومات يتم في اليوم الموالي، أم بعد شهر..، وهنا قد تضيع حقوق الغير الذي يكون في أمس الحاجة للمعلومة وفي مدة زمنية مستعجلة.
وخُصص الباب الرابع لمسطرة الحصول على المعلومات، أما الباب الخامس فتعرض للاستثناءات الوارة على هذا الحق، كما أفرد الباب السادس لهيكلة ومهام الجنة الوطنية لضمان حق الحصول على المعلومات، أمام الباب السابع فخصص للعقوبات، وهي عقوبات مالية عبارة عن غرامات وليست عقوبات سالبة للحرية، أما الفصل الثامن فخصص لمقتضيات مشتركة.
وفيما يتعلق بالاستثناءات الواردة في الباب الخامس )المادة 17( خاصة تلك المتعلقة بالمعلومات التي يؤدي الكشف عنها إلى إلحاق ضرر بقدرة الدولة على تدبير السياسة النقدية والاقتصادية والمالية، وبإلحاق الضرر بسياسة عمومية قيد الدرس، وهنا نتساءل عن موقع المواطن في صناعة القرار الاقتصادي والمالي، وأين هي المقاربة التشاركية التي جاءت بها المقتضيات الدستورية فيما يتعلق بإعداد السياسيات العمومية ؟.
إن هذا التقييد المشار إليه يشكل إخفاقا للفلسفة التي جاء بها دستور 2011، ليس فقط فيما يتعلق بتنزيل الفصل 27، بل العديد من الفصول المتعلقة بتوسيع مجال الحقوق والحريات، والمنسجمة مع التزام المغرب بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا.

إن الحق في الوصول إلى المعلومة يشبهه بعض الباحثين ب”أكسجين الديمقراطية”، فالدول التي تتبنى الديمقراطية كمبدأ وممارسة، تنهجها في جميع مفاصل الدولة ابتداء من أصغر مرفق عمومي إلى أكبر مؤسسة في البلاد، كما أن حق الحصول على المعلومة يعتبر آلية من آليات الديمقراطية التشاركية التي تجعل المواطن يشارك في الحياة العامة.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع