أخر تحديث : الثلاثاء 28 يناير 2014 - 6:32 مساءً

وحدة الفكر العربي أساس نهضتنا

ذ. مصطفى الطريبق | بتاريخ 28 يناير, 2014 | قراءة

قد يخطئ خطأ فظيعا من يعتقد أن الفكر ليس له وطن، وأن الفكر الحقيقي هو ذلك المتحرر من الانتماء إلى وطنه، والواقع أن الفكر لا يكون فكرا حقيقيا، إلا إذا كان مرتبطا بالأرض وبالوطن، وإلا فأي معنى لفكر الكندي، والغزالي وابن تيمية، وعبد القادر الجرجاني وغيرهم إن لم يكن فكرا عربيا، ففكر هؤلاء في الحقيقة لا يعبر عنهم فقط، وإنما يعبر عن عبقرية أمة عظيمة هي الأمة العربية، ومن هنا ينبغي الانطلاق إلى الإيمان بوحدة الفكر العربي، أي أن نعمل ونبذل كل جهودنا ليصبح فكرا مشتركا، وذلك ما دام يجمعنا دين واحد هو الإسلام الحنيف، وما دامت تلاقي بين ألسننا لغة واحدة هي اللغة العربية، وما دامت همومنا واحدة، ومطامحنا واحدة.

إننا جميعا كعرب، وكأمة عربية واحدة، من الماء إلى الماء، نشكو قوة الغرب الضاغطة، وتآمره ضدنا، ووضعنا أمامه، وغلبته الفكرية والاقتصادية والتكنولوجية كما نشكو تذبذبنا وضعفنا، وانتشار عدة مظاهر سلبية، ومن جملة هذه المظاهر مظهر الأمية التي لم نضع لحد الآن خطة ممنهجة واضحة كفيلة بالقضاء عليها، أو على الأصح كفيلة بالتقليص منها، ولن تكون هناك وسيلة كفيلة بذلك، ما دمنا لم نعمل على إحداث وزارة خاصة بمحاربة الأمية أو مجلس أعلى لشؤون ومشاكل الأمية أو مجمع عربي مكون من أعضاء دائمين، ومشاركين، ومشرفين، وملاحظين للبحث في مشكل الأمية، وبعد الأمية يأتي مظهر آخر وهو الفقر الذي أصبح غولا مفترسا تثير أنيابه الدامية الخوف والهلع، وعلى الرغم من حدته، وقساوته، وانتشاره بيننا، فإنه يبقى لغزا محيرا، إذ كيف يكون العرب أمة غنية لها بترولها الذي يجلب العملة الصعبة ويسيل لعاب الشركات الكبرى، ولها أرصدتها وعائداتها وأرباحها، وشعوبها فقيرة؟ لعل ذلك يرجع إلى أسباب رئيسية وهي أننا لا نعرف كيف نوزع ثروتنا، ولا نعرف كيف نستثمر أموالنا داخل أوطاننا العربية، فلذلك نتركها في الأبناك الأجنبية ليستفيد منها غيرنا ويوظفها في مصالحه ونبقى نحن محرومين منها، وهذه طامة كبرى يجب الوقوف عندها، كما يجب البحث عن الحلول التي يمكن بواسطتها تغيير هذا الوضع، ولن يتغير إلا بتوحيد الجهود، واتخاذ العلم رفيقا والتكنولوجيا سلاحا، على أساس خدمة الجماهير وتنوير أفكارها ومصارحتها بالحقائق، ونشر الديمقراطية أمامها، وتوزيع الثروة بين صفوفها، وترك مظاهر التبذير والإسراف وصرف المال العام بدون مسوغ، ونبذ التعالي والاستعلاء واحتقار الأفراد، وعلى ذكر الديمقراطية، يجب الإيمان بأنها المناخ الحقيقي الذي تلذ بفصله الحياة، وهي الوسيلة الناجعة لتقدم الشعوب وتحقيق رفاهيتها، لأن الديمقراطية عدل، والعدل أساس ودعامة الحياة، وقد نجد فيما بيننا عقولا متحجرة تعتقد عكس ما نقول وترى أن في الديمقراطية فوضى وجنوحا وانحرافا، ولكنه اعتقاد خاطئ، لأن منع الديموقراطية معناه انتشار الإرهاب والتسلط واستعمال الشطط، وفي هذا قمع للشعوب، والقمع يعلم الخوف، والخوف يورث روح الانهزام، والانهزامي لا يرجى منه خير، لأنه غالبا ما يكون منافقا والمنافق يضر ولا ينفع، والأوطان ليست في حاجة إلى خائفين ومنافقين، وإنما هي في حاجة إلى جريئين ومدافعين عنها ومعلنين آراءهم جهارا وعلانية ومثل هؤلاء لا نحصل عليهم، ولا نكونهم لا تحت سماء الحرية وفي مناخ الديمقراطية.

إن نجاح الأمة العربية، يكمن في اتحاد صفوفها وتوحيد فكرها، لأنه فكر أصيل له جذوره العميقة، تزكيه اللغة العربية، ويسمو به الدين الإسلامي الحنيف، والعرب بفكرهم الصحيح والأصيل، يشكلون خطرا على الاستعمار، وقد عرف ذلك وأدركه فصار ينادي بالعولمة، ولو تأملنا، لوجدنا أن العولمة معناها الكونية، أي أنه يريد منا أن نتبع فكرا كونيا ونتخلى عن فكرنا العربي، وهذا ما يعد خطرا سيؤدي بالأمة العربية إلى متاهات لا حدود لها، فالأمة العربية ليس في صالحها الانتماء إلى العولمة، أو إلى الفكر الكوني، وإنما هي في حاجة إلى التشبث بفكرها والدفاع عنه وفرضه على الآخرين لأنه فكر غني، وله كل المقومات والأسس الكفيلة بنجاحه في مواجهة كل التحديات.

لقد آن الأوان لندرك أننا أمة يجب أن تكون، وأن لنا مكانتنا، ولنا شعوبنا العظيمة التي يجب الإيمان بقدراتها، ويجب أن نفتح لها المجال للإبداع وإظهار الملكات والنبوغ وتحقيق فرص الطموح وعلينا أن ننطلق للبناء في صف موحد يتصدى ويواجه كل من يحاول إضعافنا وإشعارنا بالنقص، مع العلم أننا أقوياء بكل شيء، أقوياء بتاريخنا وبفكرنا، ويكفي أن نذكر أن أكثر المرافق العلمية، والمؤسسات الفكرية في أمريكا وأوروبا يسيرها علماء عرب، وكل هذا بسبب سياسة الاستلاب التي تمارس علينا من طرف الاستعمار، والمسؤولون العرب هم الذين يتحملون ذنب ذلك، لأنهم لا يعنون بعلمائنا ومفكرينا ولا يوفرون لهم الحياة المنشودة، ولذلك فإنهم يرحلون بعيدين عنا وحدانا وزرافات مما يشكل ظاهرة خطيرة للاستلاب الفكري والاستنزاف المعرفي بالنسبة لنا، وأمام هذه الظاهرة يجب أن نقف ونحاول البحث عن الوسائل التي يمكن بواسطتها القضاء عليها، ولن يتم لنا القضاء عليها إلا باعتبار الكفاءات العلمية وتقدير العلماء وتوسيع مجال الحرية الفكرية بشرط أن تكون حرية تهدف إلى البناء واحترام المقدسات وحقوق الآخرين، مع التحلي بالموضوعية لأجل غاية وعدم التشهير بالأفراد لأجل غاية في نفس يعقوب، مع تشجيع البحث العلمي وتشريف أهله.

إننا كأمة عربية يجب أن نتساءل مع أنفسنا لماذا كنا متقدمين ثم أصبحنا متأخرين؟ ولماذا نوصف من طرف غيرنا بأننا متخلفون؟ وهل نحن متخلفون حقا؟ ولعل الجواب الصحيح هو أننا كنا فعلا متقدمين وكنا أساتذة للعالم وكنا أقوياء، وكنا عظماء، فما إن توفي الرسول صلى الله عليه وسلم سنة 632م حتى ترك الجزيرة العربية موحدة، وما أن جاءت سنة 635 حتى كانت بيزنطة منهزمة، وبعد ذلك بسنتين كانت دولة الفرس قد هدت كلها، وجاء عام 642م لتكون مصر قد فتحت، ولم يحقق العرب هذه الانتصارات إلا بسماحتهم التي ورثوها عن الدين الإسلامي وعملوا بها، ويشهد بذلك الملك البطل “كيروس” الذي قال: “إن هؤلاء المنتصرين لا يأتون كمخربين” وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أننا كنا متقدمين، ولكنا تأخرنا بسبب ظروف قاهرة، وأهم عامل في تأخرنا الاستعمار الظالم، فقد تسلط علينا وجاء لتمزيقنا وتفقيرنا واستنزافنا، فدخول الاستعمار هو الذي أخرنا وأبعدنا عن جوهر الدين بما عمل على نشره وتشجيعه من مظاهر الدجل والشعوذة، ولكن المخلصين لم يستسلموا له، فحاربوه حتى خرج ملوما مدحورا، ولكنه لم يخرج إلا عسكريا، أما فكريا فهو واقف لنا بالمرصاد، وإذا كنا قد بذلنا جهودا كبيرة لإخراج الاستعمار العسكري، فيجب أن نضاعف الجهود لمواجهة الاستعمار الفكري، ولن نتغلب عليه إلا بوحدة فكرنا، وإشاعة الديمقراطية بين أفراد شعوبنا، وإعداد الدراسات المستقبلية وحمل مشعل الحرية والعودة إلى الدين الإسلامي في أصفى منابعه مع الاعتزاز بلغتنا وحمايتها من كل هجمة حاقدة والإيمان الجازم بأن وحدة الفكر العربي أساس نهضتنا.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع