أخر تحديث : السبت 1 فبراير 2014 - 2:54 صباحًا

رْخِيصَة بْتْعْلِيمَة

جميلة البوطي | بتاريخ 1 فبراير, 2014 | قراءة

التقيت بها صدفة اثناء عقيقة ابنة احدى معلمات بناتي , فسالتني بعد تعارفنا بفترة وجيزة و هي الفرنسية القادمة من باريس “بلاد الجن و الملائكة “عن سبب عدم لبسي لباسا تقليديا كباقي السيدات في الحفل . فاجبتها باني لست في مزاج جيد يسمح لي بان احمل ذالك الثقل , و كل تبعاته من اكسسوارات الخ… و فضلت ان ابقى مرتاحة و على سجيتي . تقبلت جوابي بدون اقتناع , و هي التي ستطير فرحا بقفطانها الفضفاض و الذي لا يناسب قامتها الضئيلة بتاتا .

تحدثنا كثيرا و رقصنا سويا . و كانت تبذل قصارى جهدها لتتعلم بعض الحركات و الالتوائات , و هي تحدق باعجاب و دهشة بكل من يرقص داخل “الحلبة ” علما انها لن تصل الى مستواهن فقد يلزمها ذالك شهورا لتعلم تلك الحركات المؤداة بمهارة بحكم الممارسة المستديمة لها و في كل المناسبات من قبل صاحباتها.

حان موعد الشاي و تقديم الحلويات على الحاضرات . فجلست ماريا بجانبي .اخذنا نصيبنا من الحلويات المتنوعة و الجميلة .فقمت بوضعها في الكيس الورقي و لفها جيدا , و وضعتها داخل حقيبتي اليدوية امام نظرات الصديقة الفرنسية . و بعد ذالك اخدت مروحتي اليدوية , و شرعت في تهوية نفسي لشدة الحر داخل الغرفة .

حملقت في ماريا و سالتني و هي تقضم قطع الحلوى :” جميلة لماذا احتفظت بالحلوى !! الن تاكليها !! ” ثم اضافت بفرنسيتها الجميلة :”اخاف ان يستهزا بي احدهم !! هل ما فعلته يعد عيبا بالنسبة اليكم ! “
طمانتها :”لا يا صديقتي ربما سيبدو لك هذا غريبا , و يثير التساؤل. لكن بالنسبة لنا هو تقليد نحرص عليه فنحن تعودنا منذ الصغر على ان ننتظر امهاتنا و ابائنا الى ان يعودوا من الحفلات فقط لنستولي على تلك اللفافة الورقية المليئة بقطع من الحلوى و نلتهمها و نحن فرحات بتناولها ايما فرح !!

شرحت لها بان بناتي لن ياكلن الكثير منها لانهن لا يحبن الحلوى المحضرة بعجينة اللوز, قائلات انها بنفس النكهة و نفس المذاق , اضافة الى تلك العجينة التي تلفها و تفقد اللوز حلاوته . و هن يفضلن اكثر الحلوى المحضرة بالشوكولا و الزبدة الطرية مثلي . و اردفت قائلة و موضحة كما لو كنت في القسم اشرح و بالتفصيل الممل:” اننا كامهات و كاباء نريد ان نقول لابنائنا بطريقة شاعرية و حنونة انه و لو اننا كنا وسط حفل بهيج , و كنا منسجمين مع الاغاني و الشطحات و الردحات  الا اننا لم ننساكم و لن ننساكم و لو بهاته الهدية البسيطة .
اقتربت ماريا من اذني بحنان لاسمعها بفعل الضجيج السائد في الصالة و قالت لي :” c’est chaleureux Jamila, tu choies bien tes filles “

حمدت الله على كوني لم اتطوع لاضيف مسالة حنان بعض الامهات الزائد عن حده حين يقمن باخد قطع من الخبز و يعملن على حشوها عن بكرة ابيها باللحم . و ذالك درءا للفضيحة و لعدم تشويه سمعتنا مع الاخوة الفرنسيين .
صراحة و في الكثير من المرات عندما اودع بناتي و انا متجهة الى حضور احدى المناسبات اسمع صوتا ينادي :”واجيبلنا ماما شوية ديال الدجاج فطريف ديال الخبز ..” من طرف عاشقة الدجاج المحضر في المناسبات في بيتنا لكني اجيبها بصرامة :”حتى يضربني السلك عاد ندير هاذ الفضيحة..”

لكن ولاصدقكم القول و انا اتناول ما لذ و طاب في كل المناسبات التي احضرها , اتذكر بناتي و اتمنى لو كن معي , علما اني من الامهات اللاتي لا يصحبن معهن ابنائهن , فانا وريثة امي في هذه الممارسة المتميزة .
فعندما كنا نحتج احيانا و نرغب في مرافقتها الى الحفلات كان ابي رحمه الله يقول لنا:” اذا كنتن ترغبن في الزواج , و لا تردن متابعة دراستكن فاذهبن الى الحفلات .هل ترضين لانفسكن هذه الاهانة كما لو ان لسان حال امكن يقول” ها بناتي شي عريس على الله “

كنا طبعا نجيب بالرفض و العجيب فقد كنا نقتنع بسهولة او ربما لانه لم يكن باليد حيلة غير الانصياع لاوامر ابي. ناهيك عن ان قمة العيب انذاك ان يعرف ان فتاة ترغب في الزواج, او تصرح بذالك الامر علنا . فانا لا زلت اذكر كم من المرات دعت لي احدى القريبات او الزائرات لبيتنا بالزواج , و انا اجهز المائدة و كنت ماهرة بشهادة الجميع , و كنت من فرط خجلي المرضي من امي اتظاهر بالانفعال و اجيب “الله ينجيني … انا غادي نكمل قرايتي و نخدم “.
الحاصول بيني و بينكم الحمد لله ان الله لم يستجب لدعائي , و تزوجت في الوقت المناسب… 

او تدرون ما هو بيت القصيد من وراء كتابتي لهاته السطور, هو ان الفت انتباهكم الى مسالة ضرورة تبني الحيطة و الحذر و انتن وسط المناسبات . فقد حصل و انا في اتم الانسجام مع الشابة الباريسية و منساقة للحديث الشيق معها غفلت عن حقيبتي اليدوية , و لهذا تعرضت لعملية نصب و احتيال قامت بها احدى السيدات سامحها الله , و انا اتحدث و اضحك “هجرتولي ” بحيث احسست بايدي تفتش حقيبتي بخفة و مهارة . نظرت اليها و انا مصعوقة سالتها :”ماذا تفعلين !!” انسلت من القرب مني كالافعى … تفقدت فورا حقيبتي الصغيرة وسط ذهول صديقاتي فلم اجد مئة درهم الوحيدة و التي كنت انوي ان اضعها على المولودة عند نهاية الحفل …ارادت المعلمات ان يخضعن السارقة الى المحاكمة و التفتيش و خاصة و اني علمت بعد ذالك ان هذه الاخيرة لها باع طويل في السرقة و اغلب المعلمات اكتوين بنارها و الله اعلم… الا اني رفضت لاني اولا لم ارغب في ان اعيق سير الحفل البهيج فالمبلغ و الحمد لله لا يستحق ..ثانيا و رغم سرقتها لي بصورة فاضحة و امام الشهود لم ارغب في ان اشمت فيها الحضور الكريم و المتميز . الا اني اقتربت منها عندما التقينا عند الباب و انا اغلي كقدرة ماء على النار و قلت لها بصوت واثق و مستفز :” :”رْخِيصَة بْتْعْلِيمَة مْلّلي مَدِيتِيشِي الذْهَبْ و البُورْطَابل اللي كانو فالصاك رَاهْ دِّيتِي غِيرْ خْلاك الحبيبة ” …فنظرت الي و هي يكاد ان يغمى عليها من تعجبها من ردة فعلي… و اشاحت بوجهها عني و تذكرت ابي حين يقول “اللِّي غْلْبْ يْعْفّْ ” …

اقترضت مئة درهم اخرى من عند احدى الصديقات و وضعتها على المولودة امام رفض الام المضيفة و غضبها و خجلها الشديدين , لكني حاولت لم الموضوع و تقزيمه حتى لا اثير ضجة فهذه هي الضريبة التي كان علي تاديتها عن مجاملتي” لماريا” الفرنسية , و شرحي لها كل صغيرة و كبيرة بخصوص حفل العقيقة او السبوع في المغرب .

اردت بنية صادقة ان اعمق من درجة الصداقة و المحبة مع فرنسا الشقيقة الا ان “الاخوة العرب” اصروا على ان يخذلوني مرة اخرى و ان يجعلوني اندم على صفاء نيتي و سلامة قلبي و مكوثي في هذا الوطن رغم كل شيئ..
اليكم الخبر الجديد غدا ساغادر و انا مصرة “بلا ما ترغبوني ارجوكم” فلا جدوى من ذالك

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع