أخر تحديث : الجمعة 7 فبراير 2014 - 12:00 صباحًا

حديقة و تاريخ

بنت القصر الكبير | بتاريخ 7 فبراير, 2014 | قراءة

أنا بنت القصر الكبير من عشاق المدينة القديمة تعجبني أزقتها الضيقة ، الهادئة أحيانا و الملتهبة أحيانا أخرى، أمر يوميا منها بلباسي العادي و حتى و أنا بكامل أناقتي ، هاربة من فوضى الشارع، من الأعين الجاثمة فوق كراسي المقاهي ، و بضائع تنط فوق الأرصفة تكاد تقذف  بالمارة إلى أحضان السيارات و الدراجات مما يزيدني حبا في المدينة العتيقة ، سريعة الاستئناس ، حتى أولادي أحبوها من خلالي تعرفوا عليها  مني دربا دربا منزلا منزلا، فهي ذاكرتي التي يجب أن أعلمها لأبنائي على غرار برنامج ذاكرة المدن، أشير لهم على المنزل الكبير الذي ولدت به في درب القصبة و أين كنت و أين كنا نتسامر بالليل و نحكي الحكايات، فيضحكون بينهم لأنني أحكي هذا لهم للمرة المليون.

أحبوا معي صاحب الاسفنج في سوق الصغير الشاب الطيب الأخرس الذي سيستفهم منك بالإشارة عن الكمية المطلوبة ابتسامته المميزة التي لا تفارقه وهو يأخذ النقود و يعطيك “الزلاك” الساخن.

قبالة مول الاسفنج تقبع حديقة عبد السلام عامر التي لا أتمالك فكري من الانشغال بها يوميا كلما مررت بجانبها ، أحس بروحه ترفرف فوقها و إن كان جسده يرقد بالدار البيضاء ، أسأل نفسي هل هذه الحديقة الصغيرة التي بناها شباب الحي هي كل ما استحق هذا الفنان العملاق الذي اخترقت ألحانه الرائعة حدود العالم العربي “راحلة، الشاطئ، القمر الأحمر…” و مازالت قصائده ترهف السمع و تذكي الوجدان ومفخرة للعطاء القصري ، هل هذا كل ما استحقه منا ؟ أو بالأحرى من وزارة الثقافة و المجلس البلدي؟

ألا نغار من ناس الكنانة وهم يحتفون بمبدعيهم حتى يجعلوا منهم أبطالا و أساطير تلهمنا فنتكلم عن فنانيهم و ننسى فنانينا ، نمدح مبدعيهم و ننسى مبدعينا ، نستدعيهم للمهرجانات و ننسى أصحاب الدار؟
ونحن كمغاربة نفتخر بكون محمد بن عبد الوهاب يحتفظ بأسطوانة القمر الأمر بخزانته، و كأن خزانة محمد عبد الوهاب أثمن من أبدية ألحان عبد السلام عامر؟ أم أن مطرب الحي لا يطرب.

فيا حبذا لو فكرنا في مبدعينا الحاضرين و الغائبين لأن من لا ماضي له لا مستقبل ينتظره، نم مستريحا يا عبد السلام نم بسلام فصيتك و حسك عامر في الوجدان، عامر في سماء العالم و حديقتك المتواضعة (أقول المتواضعة جدا) قرب الجامع الأعظم تشهد بعظمتك و انسانيتك ، و قربك من سيدي ميمون يغسل همومنا و يرطب أحزاننا ، فحجاج سيدي ميمون من جميع أنحاء المغرب يحطون الرحال أمام حديقتك يقرأون اسمك و يعرفون أنك ابن هذه المدينة المعطاءة ، و مصلى الجامع الأعظم يقرأون الفاتحة عليك.

رحلت و ما رحلت عن الفانية فأنغامك باقية ، راحلتك الخالدة ترحل بالتهميش عن مدينتنا حتى نبلغ برائعتك “الشاطئ” شاطئ الأمان و الخلود.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع