أخر تحديث : الأحد 16 فبراير 2014 - 9:15 مساءً

“التواصل السياسي” و”الدعاية السياسية ” بين القَبول والإعراض

جلال الحمدوني | بتاريخ 16 فبراير, 2014 | قراءة

على سبيل التقديم، لا بد من القول أنني لا أدعي السبق في معالجة موضوع كهذا، فقد سبقني إليه كثيرون. ونظريا يتقاطع فيه صنفان من العلوم؛ مجال علوم الإعلام والتواصل، ومجال العلوم السياسية. وتجنبا للغوص في التناول البحثي الصرف للموضوع، وحتى لا أثقل على القارئ الكريم، فهذا المقال هو مساهمة متواضعة في إثراء نقاش جاد ورصين حول استخدام بعض من آليات الممارسة السياسية في مشهدنا السياسي، ومن بينها “التواصل السياسي” و”الدعاية السياسية”، وهما يدخلان في إطار الحراك السياسي الذي نعيشه ونحن على مشارف استحقاقات انتخابية قادمة. ولتكون المعالجة في هذا المقام تفاعلية ولا تتجه إلى انتقاد سلوكات سياسية وكفى، فغايتنا التمييز بين الوسيلتين واستبيانهما، وحتى لا يتحول استعمال “التواصل السياسي” إلى مجرد “علاقات عامة” أو إشهار للساسة، وهو ما بات يعرف حديثا ب”الماركتينغ السياسي”.

ولعلنا نجزم منذ البداية أن لا أحد ينكر مشروعية استخدام “التواصل السياسي” من قبل سياسيينا، لكن مع مراعاة المكان والتوقيت المناسب، فكما يقال “لكل مقام مقال”. كما تجب الإشارة إلى أن”الدعاية” بمفهومها التسويقي هي جزء من الكل، الذي هو”التواصل”، وهناك شعرة رفيعة فاصلة بينهما، وتوظيفهما يتطلب الكثير من الحرص والحذر حتى لا ينقلب أحدهما وبالا على مستعمله.

ولا بأس هنا من التذكير بمفهوم “التواصل السياسي”، فهو أولا وأخيرا مرتبط بالسياسة وبالفضاء العمومي، وهو لا يخرج عن الإطار العام للتواصل، والذي هو حالة من الفهم المتبادل بين طرفين أو أكثر، ويكون في جانب من دفة التواصل “مرسل” وعلى الجانب الآخر “مرسل إليه”، ويتبادلان الإرسال والاستقبال باستعمال وسائط متنوعة لفظية وغير لفظية هي “قناة الاتصال”. ويفترض كذلك في التواصل الفعال أن يتضمن”رسالة مبثوثة” واضحة خالية من شوائب تشوش على العملية التواصلية. وتبعا لذلك يمكن القول أن “التواصل السياسي” هو كل تواصل موضوعه السياسة.

أما بالنسبة “للدعاية السياسية” فهي إحدى وسائل”التواصل السياسي”في محطة من المحطات السياسية، وتحديدا ما تكون في فترات الحملات الانتخابية أو الاستشارات الشعبية، فهي عملية دعائية للتأثير في اتجاهات وآراء الناس، باستخدام معلومات، وحقائق أو حتى أكاذيب لتشكيل رأي عام مؤيد أو معارض. 

وهناك تساؤلات كثيرة لا يجاب عنها بمجرد بسط للمفاهيم، إذ لماذا يلقى “التواصل السياسي” قبولا لدى عامة المتلقين، في حين تصطدم “الدعاية السياسية” بالرفض واعتبارها تسويقا لبضاعة سياسية كاسدة؟. 

وعلى خطى استكشاف ورصد بعض من ملامح “التواصل السياسي” نسجل أن قنواته متنوعة بدءا من الصحيفة إلى التلفزيون وصولا إلى الوسائط الجديدة للتواصل، لكن الملاحظ هو أن أغلب الساسة اتجهوا نحو استثمار الفضاءات الجديدة للتواصل خاصة “فيس بوك” و”يوتوب”، وأن اتجاهاتهم انصبت على تسويق صورهم الشخصية وتنقلهم وترحالهم، فيما غابت مواقفهم وكتاباتهم حول القضايا التي تشغل بال المواطنين، وانحصرت الخطط والمشاريع المستقبلية وتحسين الخدمات الاجتماعية التي يلمسها المواطن في الشارع والمدرسة والسوق ومحيطه، ومعيشه عامة، انحصرت في زاوية “الدعاية السياسية” لا أقل ولا أكثر. كما غاب تبادل الحوار الندي بين طرفي التواصل مما جعل الرسائل المتضمنة في هذا التواصل ذات اتجاه أحادي.

وفي مرحلة سياسية يتم توصيفها بأنها “مرحلة ما بعد الربيع العربي”، وقعت تحولات عميقة في مستوى الوعي السياسي لدى المواطنين. وعرفت عزوف كثيرين عن خوض غمار السياسة، دون أن يمنع السياسيين من الافتتان بها. ومرد هذا العزوف – في الغالب الأعم- إلى الرداءة في “التواصل السياسي” لدى عدد من القيادات الحزبية، خاصة تحت قبة البرلمان، فالكثير من خطابات هؤلاء تنحو منحى”صراع الديكة”. ويتحول الصراع من صراع مواقف وقناعات، إلى صراع شخصي، ومن معارضة السياسات إلى معارضة من أجل المعارضة.

ولا تخطئ عين كل متتبع للشأن العام ببلادنا أن المشهد السياسي تحول إلى مسرح فسيح، ولم تعد أدوار القيادة واعتلاء منصات الخطابة قاصرة على “زعماء السياسية”، أو “القيادات التاريخية”، بل التحق بهؤلاء وأولئك حتى من كانوا إلى عهد قريب لا تتجاوز مشاركتهم الأدوار الثانوية، ونحن لا ننكر عليهم ذلك، فهو حق مشروع لهم، ما دامت الغايات والأهداف والوسائل مشروعة. والأكيد أن توفق هؤلاء يكمن في الاستثمار الأمثل “للتواصل السياسي” الناجع، واجتناب التوظيف المجاني “للدعاية السياسية” وتنزيلها في غير محلها.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع