أخر تحديث : الأربعاء 19 فبراير 2014 - 11:43 مساءً

كلنا فدائيون

بنت القصر الكبير | بتاريخ 19 فبراير, 2014 | قراءة


قرأت في أحد المواقع على الشبكة العنكبوتية عن خبر بيع سينما المنصور، استوقفني الخبر، أهاج ذكرياتي الدفينة و أثار سخطي و استيائي لماذا سينما المنصور كذلك؟
هل ستتحول هي الأخرى إلى أرينا 2 أم أثينا 2 لماذا تجتاح هذه المنابر الفنية و الثقافية من طرف حديثي النعمة لتتحول إلى مراتع للتسلية و الربح السريع؟

أيقظ هذا الخبر ذكرياتي الجميلة ، ذكريات السبعينيات حيث كانت سينما المنصور مركزا اشعاعيا لروائع الفن السابع. من منا لم يقف في الطابور ساعات ليشتري تذكرة الدخول أو يشتريها من السوق السوداء حتى يشاهد فيلما مع عائلته بكل شوقٍ و احترام من منا لم يتمتع بمشاهدة التحفة الفنية الوصايا العشر les dix commandements   و كانت غذاءً لروحه و لثقافته الدينية و الدنيوية
من منا لم ينتظر روائع العقاد ، و عمر المختار، و الرسالة، و روائع يوسف شهين الأرض و المصير؟

كل هذه الذكريات مفعمة بعبق الأصالة و الحضارة و لكن أكثر ما رسخ في ذاكرتي و أثر في وجداني هو أسبوع الفيلم الفلسطيني بأفلامه المميزة ، كلنا فدائيون ، فدائيون حتى النصر … هذه الأفلام أحدثت ثورة في تفكيري و أثرت في مساري و شخصيتي، ذهبت يومها لمشاهدة فيلم كلنا فدائيون برفقة أخي و أختي ، كانت سينما المنصور مملوءة عن آخرها ، الكل منبهر ببطولات الشعب الفلسطيني و نضاله الباسل ضد الكيان الصهيوني ، شاهدنا روعة العمليات الفدائية بالنفس و النفيس لا يهابون الموت و يزرعون الرعب و الجنون في العدو الغاشم ، كان الفيلم يظهر وحشية الإسرائيليين الذين يفتكون بالفدائيين و يعذبونهم نساءً و رجالا .
و من أصعب اللقطات التي لم أنساها حتى هذا الوقت هي اقتلاع أظافر الأسرى لكي يعترفوا على أسماء و أماكن الفدائيين ، و لكن بدون جدوى فقد كان نضالهم حتى أخر رمق.

خرجنا من السينما و قلوبنا الصغيرة ترتجف و دموعنا تحكي حزننا الذي تجاوز السن و تجاوز الحدود ، وفي صباح الغد و أنا ذاهبة إلى المدرسة مدرسة لالة فاطمة الأندلسية ، مررت بمنزل امرأة عجوز يهودية كانت تسكن قرب المدرسة، لم أكن قبل مشاهدة الفيلم أشعر نحوها  بأي شعور غريب غير أنها جارتنا، ولكن ذلك الصباح نظرت إلى المنزل بحقد و غضب ، و بدون تفكير التقطت بيدي البريئة حجرة من الأرض وقذفت بكل قوتي زجاج النافذة و انطلقت منتشية أركض نحو مدرستي و كأنني انتقمت للشعب الفلسطيني، و في الغد فعلت نفس الشيء و كذا في اليوم الذي يليه، لكن في اليوم الخامس وجدت العجوز في انتظاري ما أن رفعت الحجر لأقذفه على الباب حتى وجدت العجوز تطل من النافذة و هي تصرخ غاضبة “وجدتك أيتها الخبيثة سوف أشتكيك لأهلك” نظرت إليها بحقد و قلت لها “افعلي ما شئتي”

رجعت إلى المنزل و جلست و كأن شيئا لم يحدث فجأة ً طرق الباب فطلبت مني أمي أن أرى من الطارق، فتحت الباب لأجد العجوز و الشرر يتطاير من عينيها ، تنظر إلي بغضب شديد و تتأمل مظاهر الخوف الظاهرة على محياي.
خرجت أمي سلمت على العجوز و طلبت منها الدخول لأن أمي في هذه الحالات لا تريد أن يُسمع أمام باب بيتنا أي شجار و بالتالي تتجنب إثارة انتباه المارة و الجيران.
دخلت المرأة و أخذت تحكي لأمي عن معاناتها أمام أحجاري المرعبة و كيف أذقتها المُر في خمسة أيام حتى ضبطتني، شدتني أمي من شعري صارخة لماذا فعلت هذا؟
قالت أمي: هذه المرأة مغربية مثلنا لا علاقة لا بهؤلاء المجرمون في فلسطين و هي جارتنا و النبي (صلعم) كان يعامل اليهود معاملة حسنة، أخذت أمي العصا و بدأت تضربني أمام العجوز الشاكية التي تحولت بقدرة قادر من مشتكية إلى مدافعة عني تستعطف أمي كي تسامحني.
في هذه السن الصغيرة عرفت الفرق بين الصهيونية و اليهودية و كان هذا درسا مهما في حياتي بفضل هذه المَعلمة التي كانت في يوم من الأيام منبرا و مدرسة لجيل بأكمله لا ندري الآن مصيرها.

كلنا فدائيون من أجل الحفاظ على قيمنا ، كلنا فدائيون من أجل الحفاظ على تراثنا من أيدي هواة جمع المال و طمس المعالم الحضارية، أقول مرة أخرى أين المجلس البلدي أين وزارة الثقافة أين أنا أين أنت و نحن من التتار القادم أمام لا مبالاة الجميع

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع