أخر تحديث : الأربعاء 19 نوفمبر 2014 - 12:39 صباحًا

التمدن … وما ينبغي للبلدية الحديثة أن تعرفه

ذ. حسن إدريسي | بتاريخ 7 مارس, 2014 | قراءة

أشير إلى أن الشطر الثاني من العنوان ليس من عندي، بل جاء مرتبطا بتقرير صدر عن البنك الدولي السنة الماضية تحت عنوان :
Rapport: Planning, Connecting and Financing Now: Priorities for City Leaders أوجز فيه بشكل عام رهانات التمدن وأثرها على التنمية المستدامة لمدينة اليوم، وعندما يتحدث البنك الدولي فهو يعني ما يقول، حيث بطبيعة الحال لا أثر في توصيفه لمدن من قبيل مدننا … المسخ، المتبدونة رويدا رويدا، الغارقة في عشوائيتها وقمامتها، وصرفها المالي غير المسؤول، وبدون هدف، حتى إذا ما فكر مدبروها في تمة مخطط، فهو أي مخطط، مفتقر إلى ربه، ليس له في الغنى والإثراء شيء، يدور فيه المسير المحلي حول نفسه، ويعود في الأخير إلى قواعده غير سالم ، حيث لا تنسيق ولا انخراط قطاعي أو تعاون دولتي حول المناهج والاستراتيجية، عليه أن يبدع وحده، ويقاتل وحده مع مكتبه في الدراسة، فلا ناظم ولا منظوم، فالبلدية تشرق، والقطاعات الأخرى تغرب أو بالأحرى تغرد خارج السرب، ولا من يعطي للتنمية بعدها المحلي أولا لتنتظم المدن في بوثقتها السفلى أي من القاعدة ليسهل ويتم فعلها في التنمية الوطنية بوجه عام ، وكيف للمرء أن ينجح في بناء من الأعلى … ؟

وأمر طبيعي أن يتجاهل هذا البنك المتغول، الذي لا ينطق سوى بالمال، والمال أساس وجوده وتنظيره للمدينة الجديدة، المخطط لها بكفاءة ووفقا لمعايير الوقت، زمن التنمية المستدامة، المدينة المرتبطة بالشبكة،Connecté ،المدينة التي لها التمويل والقادرة عليه، المدينة المتشبعة بأصول، وأولويات المدينة الرائدة، كما اختزل ذلك البنك الدولي في جملته البليغة هذه … والبنك الدولي، مؤسسة احترافية كما تعلمون، لا تنطق عن الهوى، وهي الممولة الأولى لأيتها تنمية مستدامة، وأن اختلال أي شرط في مدينة اليوم سينعكس لا شك على مؤسستنا العتيدة، وقد تفشل في استرداد بيدها اليسرى ما دفعته باليد اليمنى …

لذا فالمدينة بهذا المفهوم الجديد، هي التي تنطلق ومنذ البداية بنوعية خاصة من المدبرين … نوعية المستشار … المسؤول، الملم بقدرات جماعته، العارف بأصول التنمية المستدامة والتمدن الإيكولوجي الذي يوازي تلقائيا وبشكل متوازي ما بين الرهانات التي يفرضها الاجتماعي والاقتصادي والبيئي والثقافي، في تفاعلهم مع عينة خاصة من السكان تنصهر بدورها في أشكال خاصة من التنظيم وقواعد من العمل البلدي السهل ممثلا في نقل سلس وانسيابي دون عراقيل حضرية، وكفاءة ملحوظة في تدبير الطاقة، واستغلال أمثل للموارد الطبيعية والمتجددة، إنها فقط المدن أو في أحيان أخرى … الأحياء الإيكولوجية التي تعرف كيف تدبر آثار النماء وانعكاسه بشكل يسمح لها بأداء ديونها الإيكولوجية وترتيب جكامتها الرشيدة عبر ديمقراطية تشاركية تهدف في الأول إلى إقرار l’autarcie énergitique الاكتفاء الطاقي في ظل عالم اصطلح عليه ب écovillage … القرية البيئية.

وعندما نتكلم عن المدينة الجديدة، نعرف أننا بصدد الحديث عن أيهم مدبر أومسير، إنه بدون مواراة، المستشار البلدي المسؤول، العارف بقيم الحكامة المحلية، ورهانات التمدن، من سكن ونقل ومناطق خضرا وفرص شغل وبنى تحتية وسهولة ارتياد الخدمات الأساسية، القادر على إيقاف التأثيرات السلبية للتمدن والتغييرات المناخية على محيطه البيئي … وهي أمور لا زالت في نشأتها الأولى عندنا، في انتظار أن تمنح مدننا الجميلة، بجمال ناسها وطبيعتها العذراء غير المستغلة، شرعية الإفصاح عن نفسها والانخراط في تنمية مستدامة نراها من بعيد عند أصحابها … ولا نملك قدرة الفعل فيها.

فكم يلزمنا من وقت للإنخراط في تقرير من هذا النوع، وهل لدينا ولحدود الآن سياسة إعداد وطني، تدمج العمل البلدي المحلي … مع ما هو وطني ؟ ونحن نرى أن هذا الإعداد غيب في أكثر من تشكيلة حكومية، ونزعت منه حتى الحقيبة السياسية التي كانت له ؟
بل حتى مجرد الحديث عن … سياسة المدينة، ومأسسة ذلك وإلحاقه بالإسكان … ألا يعتبر ضرب من ترك الحابل على الغارب، وترك البلدية أو المدينة أحرى … لقدرها وتحميل مستشارها المنهك أصلا، بالبحث عن أبجديات النظافة والفعل الإيكولوجي … وغير المتكافي حتى مع أساسيات الخدمات الأولى الضعيفة أصلا أو تكاد … لأحيائه في غيبة ما هو مندمج ومستدام ؟ والتمويل ؟ بترخيصاته الخاصة أو بترخيصاته في البرامج التي تتفضل بها الوزارة الوصية… هل هو كفيل بجعل البلديات قادرة على رفع التحدي والانصهار في أيتها تنمية مستدامة ؟ وفي زمن يتحتم عليك إيجاد، وفي وضعنا المغربي، على الأقل 5 أو 6 ملايين درهم … ليمكنك الحديث مع أصغر إن لم أقل أتفهها شركة نظافة حضرية ؟

ثم، الارتباط بالشبكة connecting هذا الذي يتحدث عنه البنك الدولي، ويقصد به انخراط البلدية الكلي في عالم المعرفة الرقمية ببناها التحتية، وأليافها البصرية، التي تسمح بالتخابر بين البلديات فيما بينها وبينها وبين الوطن ، في وقت تغيب عندنا المعلومة الجغرافية والتاريخية، ومجرد ربط بسيط فرضته تطبيقة المنظومة المندمجة للمصاريف، جعلت غالبية بلدياتنا حتى لا أقول جماعاتنا القروية، تتيه وتعيش الدوخة الكبرى … ما بين انتظارات العون الجماعي … وأجره الذي أصبح في علم الغيب مع مطلع كل شهر؟
أليس الأجدى بنا أن نعمل على عنصرنا البشري أولا وأخيرا، حتى لا نتيه ونضيع فرصة التنمية التي تليق بنا، ونترك ما هو متمدن بمفهوم البنك الدولي … لأصحابه، في مونريال وسان فراسيسكو وشنغهاي وسول وطوكيو…

والحذر ثم الحذر حتى لا نقع تحت وطأة الاستدانة القصوى … ونحن نطارد سراب البنك الدولي في التنمية، لنبقي أرجلنا في الأرض، ولا نبالغ في البحث عن تمويلات فلكية، فيقع لنا ما وقع مؤخرا للشقيقة ليما عاصمة أختنا البيرو، حيث اقترضت لهذا الغرض 70 مليون دولار، لتجد المسكينة نفسها مضطرة لإمضاء عقد ضمان طويل الأمد ب 32 مليون دولار آخر، وتنتظر وكالات دولية للتنقيط لتمنحها ما يسمى نقطة الاعتماد une note de crédit وما بين غياب الشفافية وندرة المستثمر الخاص، تضيع التنمية ويضيع كل شيء،
فأي تنمية نريد، وعلى أي رهان للتمدن … سنراهن ؟ وبأي مستشار، مسؤول ومتمكن سنعمل … ؟
قل … كلها عملات، لوجه واحد، نادرة …

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع