أخر تحديث : الإثنين 10 مارس 2014 - 9:02 مساءً

التمسوا المعاذير لسائر خلق الله

بدرالدين الخمالي | بتاريخ 10 مارس, 2014 | قراءة

من بين أخلاق المتصوفة الصميمة والسليمة النابعة من فضيلة التصفية والصفاء و التحلية بمكارم الأخلاق هو حسن الظن بالله في جميع الأوقات و الأحوال و إحسان الظن بالناس وحملهم على حسن نياتهم و عدم الإسراع في الاتهام والإدانة والشك و سوء الظن بهم و التأليب عليهم و عدم التسرع في الحكم على الناس من خلال تصرفاتهم الفردية فقط والاعتماد على الظاهر بشكل مطلق في تقرير الانطباعات و عدم الإسراع في الحكم على الأحداث من ظاهرها فقط فربما لم تكن الصورة التي نتلقاها سوى خدعة ماكرة من خدع الواقع التي لا تغني أبدا عن الباطن ولا تغني أبدا عن الوصول الى الحقيقة والسر المكنون في الأعماق …ذلك السر الذي لا يطلع عليه إلا الله عز وجل.

ويبدو هذا جليا في قصة سيدنا موسى مع سيدنا الخضر عليهما السلام التي يقدمها الله عز وجل في محكم آياته للدلالة على العلم الباطن اللدني الذي يخفى على الكثير من أهل الظاهر وهي القصة التي يستند إليها الصوفية في تأصيل علم الباطن وشرعيته .

التماس المعاذير للناس خلق قويم من أخلاق الصوفية و سلوك رفيع لذوي النفوس السليمة الصافية فليس كل الناس تعلم وتعي وتفهم على نفس القدر ونفس المنزلة وبنفس الميكنيزمات و ليس كل الناس على نفس الدرجة من العلم ولا الإيمان ولا كل الناس يمتلكون نفس الأوضاع الاجتماعية والصحية والنفسية و لا البيئات السليمة والراقية للتربية والتعلم والانضباط و ليس كل الناس سواسية في العقول و الأفهام فقد خلقنا الله متساويين في الصفة الإنسانية مختلفين في الطباع والتربية و الأذواق والمدارك مختلفين على أساس الرحمة الربانية الجامعة التي تجبر الضعف والانكسار الإنساني و تقيم عوج النفوس وتوجب الافتقار الدائم إلى الله والاحتياج الدائم لعونه ومدده في الدنيا و الآخرة .

أن يخطا الإنسان و تزل قدمه أمر محتمل و وارد كنتيجة طبيعة للتكوين الإنساني لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كل بن ادم خطاء وخير الخطائين التوابون ) و يحكى كذلك أن سيدنا عيسى عليه السلام عندما أتى جمع من بني إسرائيل وهم يقبضون على زانية من اجل ان يقيم عليها حد الرجم نظر إليهم قائلا من كان منكم بلا ذنب فليرجمها بحجر .

لقد انتبه العلماء الجنائيون متأخرين إلى هذا المبدأ فتم تقريره كركن أساسي لفهم طبيعة الجريمة وهو الدافع ( الركن المعنوي ) الذي بدون تحديده وضبطه لا تصدر الأحكام الجنائية و لا يستطيع القاضي الحكم بشكل واضح على النوازل التي تعرض عليه لأنه هو العامل الأهم في تفريد العقاب وفي تقرير الإدانة من عدمها فالسبب والدافع الإجرامي يلعب دورا كبيرا ومهما وخطيرا في تحديد طبيعة الفعل الجرمي و أبعاده الحقيقة أو نفيها بشكل تام عنه كما في حالة القوة القاهرة والدفاع الشرعي و حالة الضرورة .
حيث إن العذر القانوني هنا يتحول إلى عامل لإسقاط المتابعة الجنائية ونفي التهمة عن الفاعل الجنائي بعد عملية التكييف التي تستند على حقيقة الفعل و فهم السبب الدافع إلى ارتكابه وفقا للمعايير الجنائية.

كما ان التماس المعذرة يفرض على القاضي اللجوء إلى ظروف التخفيف و الحد الأدنى للعقوبة رعيا للعوامل الشخصية والواقعية التي ساهمت في ارتكاب الجرم و الإقدام عليه كما في حالة القاصر او المجنون أو المريض النفسي أو مرتكب الجريمة لأول مرة .
بل إن طبيعة الفهم الإنساني تقتضي البحث العميق عن الأسباب الظاهرة و الباطنة حتى إذا ظهرت و بانت انتفت الأوهام والتأويلات الوقتية والسماعية ( إذا ظهر السبب بطل العجب).

وحتى ظهور السبب فان حسن الظن باق …نسال الله أن يهدينا وجميع المسلمين الى الصراط المستقيم و ينجينا من كل هم وشر .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع