أخر تحديث : الأربعاء 12 مارس 2014 - 3:34 صباحًا

انتخابات خارج الضوابط

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 12 مارس, 2014 | قراءة

اقترب موعد الانتخابات الجماعية (يونيو 1983)، فتضاعف مؤشر التواصل الاجتماعي والنفاق السياسي، وحشدت الألسن والحناجر، ونشطت حركة السماسرة في بورصة التزكية، ودبت في المجتمع حركة المد والجزر، والاستقطاب والردة من هذا الحزب إلى ذاك، وارتفعت حدة التنافس بين الوصوليين والبرجماتيين في استمالة الناخبين المفترضين من الفقراء والمحتاجين، فسوق الانتخابات هذه السنة ينذر بقوة التجاذب والمضاربة في السلع البشرية، وفوضى الأسعار في غياب صحوة الضمير، وتواطؤ مراقب العملية الانتخابية، وحكم التباري في ميدان اللعبة السياسية والديمقراطية.

كان أحد شباب المدينة لا يعير للانتخابات اهتماما، ولا ينخرط في هذا الذي يسمونه “اللعبة السياسية”، يكتفي بالفرجة من أعلى المنصة، ويمنح صوته للأفضل والأجدر من المرشحين حسب معاييره الشخصية، لأنه لا يدين بالولاء السياسي لأي حزب، ولا تقيده صكوك الغفران والانتماء السياسي، كما أنه لم يكن معارضا لأي حزب وطني، فقد كان من دعاة العدالة الاجتماعية، والديمقراطية السياسية، ولم يكن مناضلا بالمفهوم الاستهلاكي للكلمة، ورغم ذلك كان رفاقه يصنفونه ضمن خانة التقدميين.

بعد انتهاء الفترة الصباحية من التدريس – في إعدادية المنصور الذهبي بالقصر الكبير- فاتح الأستاذ محمد سعدون، أستاذ مادة الرياضيات، وأحد أقطاب حزب الاتحاد الاشتراكي زميله في المهنة حول العملية الانتخابية، وموقفه الشخصي من الديمقراطية المحلية، وعن إمكانية انخراطه في المشهد السياسي, والمساهمة في تقويم بعض انحرافاته، فكان جواب الفتى الصمت، والدهشة، وأسئلة تتناسل بين النفس والحلق، دون الإفصاح أو الإجابة عنها، كيف يقترح علي الصديق الأستاذ سعدون الترشح للانتخابات باسم الاتحاد الاشتراكي؟، هذا الحزب الذي يعد بمدينة القصر الكبير قلعة للنضال، ومدرسة للتربية على المواطنة، والتضحية من أجل الديمقراطية، والدفاع عن حقوق المواطنين، ولا يقبل طلب الانتماء إليه إلا من الذين قضوا في صفوفه زهاء عشر سنوات بصفتهم متعاطفين نشيطين، وخارج هذه الضوابط يطلب أحد أطره الكبرى مني الانخراط في دواليبه السياسية، هذه التزكية قد تفقد توازن الآخر من فرط الفرح، وترقصه طربا، لكن في هذه الحالة الاستثنائية فقدت وقعها السحري، وجاذبيتها الإغرائية، فلم تحرك في هذا الأستاذ النزوع إلى قبول الاقتراح قولا أو إشارة.

افترق الصديقان على غير اتفاق أو رفض، وفي اليوم الموالي كان الأستاذ محمد سعدون أكثر إصرارا وإلحاحا على إقناع صديقه بالترشح لهذه الانتخابات، لاسيما وأنه أخبر أعضاء المكتب المحلي فرحبوا بالاقتراح، وصادقوا على التزكية، وفي لحظة تأرجح الرجل فيها بين القبول والتردد وافق صديقه على رغبته ما دامت حظيت بالإجماع، أخذ الأستاذ يتأهب لخوض غمار التجربة، ويتعلم أبجدية العملية الانتخابية، وقواعد الدعاية، اجتمعت لجنة الترشيحات مرات عديدة، وحسب معايير سياسية، وضوابط حزبية، ارتأت اللجنة أن ترشح الأستاذ الوافد الجديد في الدائرة الثانية بدل السابعة التي تشبث بها، ورغم إلحاحه أن يكون مرشحا عن الدائرة 7 التي يقطن بها، كان قرار اللجنة هو الأرجح.

لست أنت من يفرض شروطه على حزب عتيد كالاتحاد الاشتراكي، -يخاطب نفسه-، ألم يكفيك أن شرفوك بهذه التزكية؟،ومنحوك شارة المناضل وأنت لم تدخل الميدان بعد؟، ولم تحمل قرطاسا ولا قلما؟، أهو غرور طارئ أم مجرد جهل بالأمور؟، فسكان الحي وخاصة الدائرة 7 قد علموا بأنني مرشح فوق العادة، وباركوا هذا الترشيح، فالحملة الانتخابية قد بدأت قبل الأوان، وقبل أن تدق طبول الداخلية، وفي قراءة أولية، بل لنقل سطحية فطرية ظهرت عدة مؤشرات إيجابية لصالح هذا المغامر الجديد، الذي قد ينتزع الدائرة من مخالب مرشح يمارس هواية شراء الذمم خارج سلطة القانون، وضوابط العملية الانتخابية.

قدم الأستاذ طلب ترشيحه في الدائرة 7 بصفته غير منتمي، إرضاء لرغبة كثير من أصدقائه ومعارفه، وفرصة ليعيش تجربة غير مسبوقة، وقد كون صحبة صديقه عبد السلام دمير المرشح هو الآخر غير المنتمي بحي السلام ائتلافا ثنائيا، وذلك من أجل التغلب على بعض المشاكل المادية والتنظيمية، لنترك الأستاذ دمير يكتسح دائرته بشعبيته الكبيرة، ولنعد إلى الدائرة 7 بحي الأندلس، حيث التنافس أشد، والصراع أكبر، 11 مرشحا: أساتذة، ومستخدمون، وتجار، وموظفون، منتمون ولا منتمون، خليط غير متجانس، فقد كان مرشح الاتحاد الاشتراكي كثيرا ما يصطدم مع مرشح الشكارة ويتخاصمان، وكان الأستاذ يتدخل لإصلاح ذات البين، ويحاول إقناعهما بضرورة الالتزام بقواعد اللعبة، وأخلاقية التنافس، واحترام حرية الاختلاف، لكن دون جدوى، هذا تحركه قوة شعبية حزبية ملتزمة، وذاك تسانده محفظة سخر نقودها لملء بطون المساكين والفقراء، وأنا والآخرون نتنافس ونحاول كسب الرهان، مع احتفاظنا على الود والاحترام، ونقود حملة نظيفة ترجح أحدنا على مرشح الحزب العتيد، أو على المرشح صاحب الشكارة العنيد.

كل المؤشرات الظاهرية ترشح الأستاذ م.م للفوز بمقعد الدائرة 7، فقد كان سكان الدائرة ينظمون من أجله تجمعات في منازلهم على حسابهم الخاص، ويدعون الأستاذ للقاء مع سكان الحي، وفي كل تلك التجمعات كان يلقى الترحيب والتأييد، 15 يوما كاملة قد مرت، مخزون الكلام والخطابة والصبر كاد أن ينفذ، والأقدام أصابها العياء والكلل، والحملة أشرفت على النهاية، لم يعد الوقت يسمح بالتهاون والاستراحة، بعد سويعات فقط سيصبح المسموح به ممنوعا، وأوراق الدعاية التي تروج للوعود والمشاريع ستكون بعد قليل عبئا بلا معنى ولا دلالة، فكل المرشحين يتخلصون من المتبقى من تلك المناشير، فقد قاموا بالواجب وزيادة، غدا في الساعة الثامنة صباحا ستنطلق عملية التصويت، لتنتهي في السادسة من نفس اليوم.

صباح يوم الجمعة حوالي السادسة صباحا كان مرشحان من الدائرة 7 يتبادلان أطراف الحديث، وينتظران انطلاق عملية الاقتراع، وفي هذا الصباح كان عشرات من النساء والرجال، والعجزة والشيوخ يتزاحمون أمام مكتب التصويت، هم بالتأكيد من زبناء جليسي بالمقهى، صاحب الشكارة، لقد التحقت لجنة الإشراف على الانتخابات، وحضر ممثلو المرشحين، وفي مقدمتهم ممثل الأستاذ م.م الصديق عبد الكريم البرودي، وكنا من حين لآخر نمر بعيدا عن المكتب نسترق النظر دون أن نثير الانتباه خوفا من اتهامنا بممارسة الدعاية خارج حدودها الزمنية، وخارج الضوابط التنظيمية.

قبل أن يودعني جليسي المرشح، وقبل أن يلتحق بمنزله لاستقبال مناصريه من أجل مكافأتهم، وأداء ما تبقى في ذمته من الأتاوة سألني عن عدد الأصوات التي يمكن أن أحصل عليها، فقلت له: ليست لي فكرة، وليست لي تجربة في الميدان تؤهلني لمثل هذا التوقع والتخمين، فقال لي: إذا لم تتجاوز 200 صوت والله لن تفوز، سيكون هو الفائز، لكونه اشترى مائتي صوت، دون أن يحس بأدنى حرج، ذهب صاحب الشكارة إلى منزله ليفي “بوعوده”، وبقيت الأستاذ وحيدا يغازل طيف الأمل، ويحتسب أصوات مناصريه الذين واعدوه بالدعم والمساندة، والذين يتجوزون 500، إذن فالنجاح مضمون، وبدل أن يطل على مكتب التصويت ليتفقد حركية الناخبين أبحر خلف الممكن واللاممكن من الحقيقة والواقع، وسبق ظله إلى قصر البلدية، وتأرجح موقفه بين أن ينضم إلى مرشحي الاتحاد الاشتراكي الذي شرفه بالتزكية، وبين أن يبادر إلى تكوين ائتلاف بين المرشحين الناجحين من اللامنتمين ومن باقي الأحزاب، لتكوين الأغلبية، مرة يجلس يمين رئيس المجلس البلدي، وثارة يقول: لماذا لا أكون أنا الرئيس؟

أذن المؤذن لصلاة الظهر، فانتشل الموذن من أحلام اليقظة، وأعاده إلى أرض الواقع، كان الجو حارا، الشيء الذي حدا بكثير من الناخبين تأجيل عملية التصويت إلى ما وراء العصر، وقبيل انتهاء وقت التصويت توافد عدد كبير من الناخبين، وأمام الازدحام توارى الحاج والحاجة، والأستاذ والأستاذة، وفلان وفلانة، كلهم تخلوا عن واجبهم الوطني، وأخلفوا وعودهم اتجاه مرشحيهم، أما قبل الزوال فكانت العملية في صالح مرشح الشكارة، الذي أدى لزبنائه فاتورة الدعم والولاء.

خرج الأستاذ منهزما من حلبة السباق الانتخابي، ومستفيدا من هذه التجربة السياسية الوحيدة في مساره السياسي القصير جدا، وأتيحت له فرصة الجولان في جغرافية المجتمع، وتفاعل مع نبض الشارع وتموجاته، واستنتج أن المجتمع لا زال يعاني من الأمية السياسية، وأن الفقر والأمية عدوان للعمليات الانتخابية، يفرزان مرشحين جماعيين ونوابا في البرلمان في وضعية شرود، يساهمون في تشويه المشهد السياسي ببلادنا، ويعطلون عجلة الديمقراطية.

القصر الكبير في 6 مارس 2014
مع تحيات ذ محمد الموذن

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع