أخر تحديث : الأربعاء 19 نوفمبر 2014 - 8:32 مساءً

المراقبة المستمرة بالابتدائي : بعبع يرهق الآباء والتلاميذ

ذ. محمد الشلوشي | بتاريخ 19 نوفمبر, 2014 | قراءة

10448760_1557783364452935_5653381703192233824_n

بعد أسابيع قليلة فقط من الدراسة ،وجد تلاميذ بلدي أنفسهم أمام أشكال متعددة من المراقبة المستمرة ،فالمعلمات والمعلمون مطالبون بتعبئة نقط المتعلمين في منظومة مسار وفق جدولة زمنية صارمة ،مع الاحتفاظ بالأثر المادي للنقطة الممنوحة لتكون حجة للأستاذ أمام الهيئات الادارية ،تقويم مفرط للمعارف لا يتناسب اطلاقا وشكل مدرسة المستقبل التي ينادي بها الجميع والتي عنوانها التفتح والعطاء والإبداع ،فكيف يستقيم تربويا أن يتم اخضاع أطفال في عمر الزهور ما بين سن السادسة والعاشرة الى حوالي عشرين مراقبة مستمرة ما بين الكتابية والشفهية والضمنية في ظرف أسبوع أو أسبوعين لاستخراج نقط جميع مكونات المواد المدَرسة مع ما يصاحب ذلك من جهد وتوتر وضغط نفسي على التلاميذ والآباء ،مرارة لن يحس بها أكثر إلا من أوكل اليه تقويم تلميذ بالكاد يتلمس خطواته الأولى في المدرسة في الخط والنقل والإملاء والتعبير الشفهي وفهم المقروء والتربية الفنية والرياضة و …أو في تقييمه للمكونات التسع للغة الفرنسية مثلا بالنسبة للمستويات العليا للابتدائي ؟؟ما يفتح لدى الطفل بابا مبكرا للفشل الدراسي وضعف الثقة بالنفس وبناء صورة مهزوزة للذات غير قادرة على النجاح مع كل نقطة غير مشجعة،وتوثيقها بهذا الشكل العددي المخيف والمكشوف يولد أشكالا مختلفة من الإحباط والدونية أمام الزملاء والأسرة ليكون مدخلا مباشرا للعنف المدرسي والأسري والمجتمعي يكبر وتزداد خطورته مع توالي سنوات التمدرس ،والأخطر من هذا غرس بذور هرمية مبكرة في نفوس المتعلمين المتوسطين والضعاف مقارنة مع المتفوقين وما يعنيه ذلك من استبطان طبقية مجتمعية بغيضة يجب القطع معها لبناء مجتمع أفضل.فغرض المدرسة اليوم ليس فرز نخبة صغيرة لا تتجاوز أصابع اليد في كل فصل تعليمي وترتيب البقية الى متوسطين وفاشلين ،وإنما اعطاء الفرصة لانطلاق كل المتعلمين في الحياة بنفس الامكانيات والقدرات ،وتدريبهم على القراءة والكتابة والحساب والتحدث بشكل سليم كمهارات أولية وأساسية واعطائهم فرصا تتفتح فيه ابداعاتهم ومهاراتهم لتثمر في التعليمين الاعدادي والثانوي ،فمدرسة النقط العددية وترتيب التلاميذ وتصنيفهم وبث روح المنافسة والمبارزة بينهم لم يعد لها مبرر في مدرسة الغذ ،والمستقبل لمدرسة الابداع والتعاون والأجيال السليمة من كل أشكال العنف المادي والمعنوي . وحساب بسيط لنسبة تكرار النقطة 5 في 180 مليون نقطة الممسوكة حتى الان ببرنامج مسار الابتدائي مؤشر جد دال على هشاشة نظام التقويم المغربي ودليل فاضح لاختباء الاساتذة في خانة التقويم الرمادية اما لامبالاة او تهربا من المسؤولية أو احتيالا ،ما يطرح سؤالا جديا حول جدوى الاستمرار في العمل بمقاربة المراقبة المستمرة بالتعليم الابتدائي ،فشعار التتبع عن قرب الذي رفعته الوزارة لمعرفة الجوانب المرتبطة بالتلميذ قد يساعد في  ضبط حياته المدرسية والمعطيات الخاصة به ،لكنه لن يكون أمينا بتاتا في رصد تطور مستوى التحصيل لديه في ظل المعطيات الراهنة .

لقد أطلقت قبل سنة من الان ومن هذا المنبر الاعلامي نداء أنيقا أسميته ” نداء من أجل حذف التنقيط في المدرسة الابتدائية ” وانتظرت أن يحرك بعض المياه في بركة تعليمنا الاسنة ،وأن يكون مدخلا لتغيير أدوار مدرسة المستقبل بالمغرب ومحورا لندوات اذاعية وتلفزية لمناقشة أبعاد الفكرة ومردوديتها المباشرة على النشء ومقارنتها بتجارب دول غربية وخليجية وامكانية تفعيلها كليا أو جزئيا ،لكن كثافة المتدخلين المركزيين في قطاع التقويم المدرسي وترديد نغمة المشاورات المكثفة لهيئة التدريس سواء بالنسبة لوزارة التربية الوطنية او المجلس الاعلى للتعليم تجعل الافكار الجديرة بالتأمل تضيع بين أطنان المقترحات، والحال الصريح أنه لم يعد مناسبا اليوم الاستمرار في تبني النظام التقويمي المعمول به منذ ستين سنة ولو بعد إلباسه جلباب ” مسار” البراق ،بعدما حوّل براءة الصغار وشغفهم بالمدرسة وأنشطتها المتعددة إلى مجرد نقط متراكمة تخنق طموح الطفل واهتماماته ، وتلاحق تعثراته ورسوبه المتكرر في كل مراقبة مستمرة وتسجلها،وترصد بدقة إخفاقاته دون منحه فرصة لتصحيح ومعالجة أخطائه وتجاوزها ،ولم يعد اليوم مقبولا أخلاقيا وتربويا أن نسلم طفلا صغيرا نهاية كل دورة تعليمية ورقة نتائج كلها معدلات متزاحمة عبارة عن أعداد عشرية يصعب عليه فك ألغازها ومدلولاتها ، واذ أعيد التأكيد على نجاعة مقترحي وايماني بقدرته على تشكيل أجيال جديدة تؤمن بقيم التعاون والتكافل ،واعتباره المدخل السليم لتغيير بنية وذهنية المجتمع المغربي وتخليصها من مظاهر شتى من انحدار القيم فإنني أورد بعض الاجراءات التفعيلية له والتي قد تساهم في ولادة جديدة للمدرسة المغربية :

–  حذف كل أشكال التقويم بشتى أنواعه في المستوى الأول والثاني والثالث ابتدائي لتكسب المدرسة صفة جاذبة للمتعلم وفضاء لتصريف طاقات الطفل وابداعاته وحاجته للتعلم باللعب والحوار،وتتيح له تطوير كفاياته دون أي ضغط وفق وتيرته الخاصة بعيدا عن كل أشكال الترهيب النفسي والاجتماعي،وفي الخزانة التربوية المغربية رصيد هائل من بيذاغوجيات نشيطة تفي بالغرض .
–  الاقتصار في المستويات الرابع والخامس والسادس على المراقبة المستمرة في المواد الأساسية فقط : اللغة العربية ، اللغة الفرنسية ، الرياضيات في ثلاث مناسبات فقط للتخفيف : نهاية دجنبر ومارس وبداية يونيو ،وعوض النقطة العددية تمنح للتلاميذ تقديرات مجالية ثلاثية فقط حتى لا يكون التفييء حادا : حسن ،متوسط ،ناقص وذلك لإبقاء جذوة الاجتهاد والحماس مشتعلة بين التلاميذ . ولا يكرر التلميذ السنة إلا اذا حصل على تقديرين ناقصين من ثلاث ،بينما تمنح له فرصة استدراكية بداية شتنبر في حالة تقدير ناقص واحد ،ولن يكون هذا طبعا مبررا لإهمال باقي المكونات التعليمية : تربية فنية ،اسلاميات ،اجتماعيات ،تربية بدنية ،نشاط علمي من طرف الأساتذة على اعتبار ان الطفل لن يمتحن فيها ،فلمثل هذا التهاون وجد التفتيش التربوي وسلطة المدير التربوية في الحرص على تقديمها بالشكل المطلوب والمرغوب فيه من التلاميذ لكونها مواد محببة تتجلى في أنشطتها حب الناشئة للمدرسة وفضائها .
–  في نهاية كل دورة يكون الاستاذ ملزما بابداء ملاحظات دقيقة من بنك مرفق ب “مسار” يحدد التعثرات المسجلة طيلة فترة التعلم ،ليتم علاجها في فترة الدعم وحتى يتسنى لوالديه في العطل معرفة الخلل والنقص ومعالجته سريعا ،البنك ضروري وذلك حتى لا تصبح الملاحظات مجرد جمل عائمة وغير معبرة ،وهذا لن يتطلب سوى تعديلات تقنية بسيطة في منظومة مسار .
–  لقد ثبت عمليا أن أسابيع الدعم والتثبيت والتي تستهلك 48 يوما دراسيا طول السنة في المدرسة المغربية لا جدوى منها ،هي فقط أيام للتراخي التعليمي وتكسير وتيرة التعلم دون أن تكون قاطرة حقيقية لإصلاح أعطاب التعلمات ،لعدم وجود خطة وطنية محكمة لتدبير أسابيع الدعم وتقييم نتائجها سواء للأستاذ أو التلميذ حتى الان ،ولتجاوز هذا الخلل أقترح الغاء هذه الأسابيع نهائيا في الدورة الأولى التي تعتبر فترة تسنيد وتراكب متتال وسريع للتعلمات ،واعتماد تقطيع جديد للسنة الدراسية تنتهي بموجبه الدورة الأولى في نهاية دجنبر كما هو معمول به دوليا في جل دول المعمور،على ان يتيح طول مدة الدورة الثانية برمجة ثلاثة اسابيع متتابعة كل سنة قبيل عطلة الربيع للدعم التربوي الخاص وفق بيذاغوجية فارقية صرفية ،حيث يتم تمرير أنشطة داعمة دقيقة وفق حاجاته انطلاقا من البنك السابق طيلة أيام أسابيع الدعم ،وهكذا سنحصل على ملف واضح للدعم واضح المخرجات لكل متعلم .وسيحدث هذا تغييرا كليا في عدد الوحدات المدَرسة حيث سيستفيد التلميذ من ثلاث وحدات في الدورة الأولى وخمس وحدات في الدورة الثانية تتخللها فترة دعم وازنة .
فهل ستجد هذه الاقتراحات طريقها للتنفيذ ؟

 

 

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع