أخر تحديث : الجمعة 6 مارس 2015 - 7:16 مساءً

تأصيل الأنواع وتصنيفها في النقد العربي الحدي

د. مصطفى الغرافي | بتاريخ 6 مارس, 2015 | قراءة

GHARRAFI

لقد جاء اهتمام النقد العربي الحديث بمباحث الأجناس متأخرا نسبيا، ويرجع ذلك إلى البواعث الإيديولوجية، التي وجهت عناية المعاصرين إلى الإكباب على التراث فحصا وتنقيبا، يحدوهم في ذلك طموح إلى إبراز سمات الحداثة في هذا التراث إثباتا لأسبقية العرب إلى الكشوفات الأدبية والنقدية دفعا لتهمة التأخر عن الغرب. أما البداية الفعلية للاهتمام بمباحث الأجناس فلم تنطلق، عربيا، إلا في الثمانينات لتبدأ في التنامي منذ ذلك الحين، حتى استوت في السنوات الأخيرة في دراسات متخصصة محضها أصحابها لفحص قضايا الأجناس من وجهة أنظار متغايرة. وقد رأينا أن نصرف بعض جهدنا في هذا البحث إلى فحص المسألة الأنواعية في المنجز النقدي لباحثين ثلاثة من المغرب العربي (عبد الفتاح كيليطو – سعيد يقطين – فرج بن رمضان) في سعي لاستخلاص معالم الدرس الأنواعي في النقد العربي الحديث.
1-عبد الفتاح كيليطو: النص الأدبي وقواعد النوع
لعلي لست مغاليا إذا اعتبرت أعمال الناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو مفصلا هاما في الدراسات النقدية الحديثة، التي اهتمت بمجال نقد الموروث السردي استنادا إلى المنهجيات الحديثة، فقد بذل كيليطو جهدا في هذا المجال خصيبا منذ أعماله الأولى التي كتبها بالفرنسية، ثم ما لبثت أن ظهرت بالعربية تباعا في وقت متقارب خلال العقود الأربعة الأخيرة مثل “الكتابة والتناسخ: مفهوم المؤلف في الثقافة العربية” و”المقامات – دراسة في السرد والأنساق” و”العين والإبرة، دراسة في ألف ليلة وليلة”. بعد ذلك توجه كيليطو إلى الكتابة بالعربية، فظهرت له جملة أعمال أكب فيها على فحص ودراسة بعض الجوانب الجزئية المتصلة بقضايا السرديات، التي تفرغ لها كيليطو فشكلت مشروع عمره الذي خصه بكل وقته وجهده. ويمكن التمثيل لدراسات كيليطو التي انشغلت بجوانب جزئية من الموروث السردي بـ “الأدب والغرابة”. وإلى جانب ذلك اختص كيليطو السرد العربي بمعالجات على نحو كلي كما هي الحال في كتابيه: “الغائب: دراسة في مقامة للحريري” و”الحكاية والتأويل: دراسة في السرد العربي”.
وفي جميع هذه الدراسات كانت المسألة الأجناسية حاضرة، إذ غالبا ما كان كيليطو يعمد إلى بحث الضوابط الأجناسية للأعمال التي عني بدرسها[
– يشكل الدرس الأنواعي ملمحا في أعمال كيليطو ظاهرا. يقول أبلاغ عبد الجليل في كتابه “شعرية النص النثري، مقاربة نقدية تحليلية لمقامات الحريري، شركة النشر والتوزيع، المدارس، البيضاء، ط 1، 2002،”(ص: 147): ” يعتبر هاجس تحديد النوعية حاضرا بشكل لافت للنظر في بحث الأستاذ كيليطو، ذلك أن هذه النوعية لا تتحدد لديه في البحث عن السمات المشتركة بين نصوص ذات جذور ثقافية مختلفة فقط ، وإنما كذلك بعقد مقارنات تحليلية نصية بين نصوص تقترب شكليا من المتن المقامي”.]. غير أن تتبع هذه الدراسات للوقوف على تصور كيليطو لقضية الأجناس أمر يطول لتوزعها في مواضع من مؤلفاته متفرقة، لكل ذلك رأينا أن نقتصر على الدراسة الموجزة التي ضمنها فصلا من كتابه “الأدب والغرابة”، وهو الفصل الذي وسمه كيليطو بـ “تصنيف الأنواع”[ – عبد الفتاح كيليطو: الأدب والغرابة، دار الطليعة، بيروت، ط 1-1982، ص: 21. ].
في سياق دراسته لغرابة النص الأدبي وعلاقته بالجنس الذي يندرج ضمنه رأى كيليطو أن تحديد مفهوم النص قد يكون مفيدا لتحقيق هذا المقصد، ومن هنا قدم تصوره لـ “النص” باعتباره “تنظيما لغويا فريدا”[ – نفسه، ص: 14. ]، يتميز من “اللانص” بكونه ذا “مدلول ثقافي”[ – نفسه، ص 14.]، حيث الكلام، من منظور كيليطو، “لا يصير نصا إلا داخل ثقافة معينة”[ – نفسه، ص: 13.]؛ أي أنه لا يمنح صفة “نص” إلا من منظور “ثقافة معينة”، بما يفيد أن الكلام الذي توافرت له خصائص “النصية” فاعتبر “نصا”، من منظور ثقافة معينة، قد لا يعتبر كذلك في ثقافة أخرى تنظر إليه بوصفه “لا نصا”.
وبذلك يكون “النص” عند كيليطو إنما يتحدد في مقابل “اللانص”، فإذا كان النص يتميز بكونه “ليس له تنظيم ولا مدلول ثقافي”، ومن ثم “لا يفسر ولا يعلم ولا يحظى بأي اهتمام”[ – نفسه، ص: 15.]، فإن “النص” يتميز بأنه تنظيم له مدلول ثقافي وأدبي، وهو ما يمكنه من أن يدخل في علاقة مع “الخطاب الأدبي” ليحقق من خلال هذه العلاقة “نمطا” داخل ذلك الخطاب، حيث النص الذي يطغى عليه المنحى التعليمي مثلا، تهيمن فيه صيغة “الأمر والنهي”. وهو ما ينقل هذه النصوص إلى أجناس تمثل “الموعظة” و”الحكمة” و”خطبة الجمعة”[ – نفسه، ص: 17.]. إن هذه الصيغ المتميزة هي التي وسمت الحكم والأمثال، فيما يرى كيليطو، بسمات خاصة فرقتها عما “ليس نصا”، ومن ثم سميت “نصوصا”[ – نفسه، ص: 14.]. وبالرغم من هذه الفروق الموجودة بين هذه الأنواع، فقد لحظ كيليطو أن نفس القاعدة تعمل فيها جميعا[ – نفسه، ص: 17.].
إن هذه التحديدات التي يسوق كيليطو بغية تمييز “النص” من “اللانص” لتدفعنا إلى التساؤل عن علاقة النص بالجنس الذي يرتقي إليه.
إن الجنس الأدبي عبارة عن محددات سابقة على النص؛ أي بنيات نصية مجردة. أما النص فهو بنيات نصية منجزة تتحقق فيها ومن خلالها البنيات المجردة، وبذلك تكون العلاقة بين النص والجنس أن الأول تحقيق للأخير وتكوين له، ويتم ذلك عندما تشترك مجموعة من النصوص في نفس السمات الجوهرية، التي تؤشر على ارتقائها إلى جنس أدبي بعينه، سواء كان هذا الجنس موجودا أو محتملا أو مفترضا. يقول كيليطو:
“النوع يتكون عندما تشترك مجموعة من النصوص في إبراز نفس العناصر”[ – نفسه، ص: 21.]، مما يعني أن ظهور مفهوم النوع الأدبي يقتضي تعددا في النصوص، شريطة أن يقوم هذا التعدد النصي على التواتر والتكرار؛ أي أن مكونات نصية بعينها تظهر في جميع النصوص المندرجة تحت نفس الجنس، وهو ما يتضح معه أن مفهوم النوع عند كيليطو مؤسس على مفهوم “تقاليد القراءة” أو “أفق الانتظار” الذي قال به ياوس مستلهما جادمير، حيث إن قراءة نصوص تشترك في نفس المكونات تخلق لدى القارئ “توقعات” يقرأ في ضوئها جميع النصوص التي تنتمي لنفس النوع، فإذا صادف القارئ نصا لا يخضع لنفس التحديدات، فإن أفق انتظاره يخيب وينكسر، فيدرك أنه أمام نوع جديد مباين لما تعود عليه، وهو ما يقتضيه اعتماد إستراتيجية في التلقي جديدة توائم النوع الجديد.
إن القارئ لا يشعر أنه قد خرج من نوع إلى آخر إلا في اللحظة التي يواجه بعناصر جديدة تلقي به خارج حدود “التقاليد” التي كرستها سلسلة التلقيات التي خضع لها النوع. وكذا الآفاق المتعاقبة عليه تاريخيا. ولكن ما هي هذه العناصر التي تستطيع، بتوافرها في النص، أن تجعله مندرجا في نوع محدد، فإذا غابت أدرج في غيره؟.
لقد جعل كيليطو هذه العناصر صنفين: عناصر أساس وعناصر ثانوية، ويقوم التمييز بينهما، عنده، على أساس أن العناصر الثانوية يمكن للنص أن يتجاوزها من دون أن يتضرر انتماؤه النوعي. أما العناصر الأساس فإن النص لا يمكن أن يتجاوزها من دون أن تتأثر نسبته إلى النوع، لأن عدم احترامه للعناصر الأساس في النوع يخرجه من دائرة النوع ليدرجه في دائرة نوع آخر، وفي حال انتهاك النص لعناصر الجنس الأساس بشكل مطلق، فإن ذلك يؤدي إلى ظهور نوع جديد.
تقودنا هذه المراجعات، التي يقدم كيليطو لقضية الأنواع الأدبية، إلى تقرير مبدأين أساسين تقوم عليهما الأنواع: يتمثل المبدأ الأول في الاستناد إلى تكرار عناصر بعينها (العناصر الأساس باصطلاح كيليطو) في مجموعة من النصوص لترتيبها في أجناس وأنواع. أما المبدأ الثاني فيتمثل في تحول الأنواع عند انتهاك العناصر المعتبرة جوهرية في النوع، حيث إن خرقها أو تعديلها يفضي إلى ظهور أنواع جديدة.
إن خصائص النوع، فيما يرى كيليطو، لا تتحدد إلا من خلال تعارضها مع الخصائص المعتمدة في أنواع أخرى، ويشبه كيليطو مبدأ التعارض الذي تقوم عليه الأنواع بالعلامة اللغوية عند سوسير، ليستخلص أن “النوع يتحدد قبل كل شيء بما ليس واردا في الأنواع الأخرى”[ – نفسه، ص: 22.]. وهو ما يقتضي الدارس، الذي يروم دراسة نوع مفرد، أن يأخذ بعين الاعتبار المقومات الأنواعية في الأجناس الأخرى، لأن “دراسة نوع تكون في نفس الوقت دراسة للأنواع المجاورة”[ – نفسه، ص: 22.].
وبعد أن أشار كيليطو إلى تقسيم الكلام عند القدامى إلى نظم ونثر قدم مقترحه الخاص لتصنيف الأنواع استنادا إلى “تحليل علاقة المتكلم بالخطاب”، حيث رأى أن الأنماط الخطابية لا تتعدى أربعة هي[ – نفسه، ص: 25.]:
1/ المتكلم يتحدث باسمه: الرسائل، والخطب، والعديد من الأنواع الشعرية التقليدية.
2/ المتكلم يروي لغيره: الحديث، وكتب الأخبار.
3/ المتكلم ينسب خطابا لغيره.
4/ المتكلم ينسب لغيره خطابا يكون هو منشئه.
لعل ما يثير انتباهنا في هذا التصنيف استناده إلى مرتكز أساس هو “علاقة المتكلم بالمخاطب” أكثر من استناده إلى علاقة المتكلم بالخطاب، أما فيما يخص الصيغة التي يعتمدها كل نمط خطابي فإننا نلحظ أن الصيغ الأربع التي قررها كيليطو ليست خالصة تماما، وهو ما أشار إليه كيليطو نفسه عندما لحظ تداخل الصيغ في قول امرئ القيس مثلا:
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة فقالت لك الويلات إنك مرجلي
فقد سجل كيليطو أن “هذا البيت يتضمن نمطين من الخطاب: كلام الشاعر من الصنف الأول، أما كلام حبيبته فإنه من الصنف الثاني (إن كان الأمر يتعلق برواية) أو من الصنف الرابع (إن كان الأمر يتعلق بنسبة)”[ – نفسه، ص: 25.]. كما يمكننا أن نضيف ملحظا على هذا التصنيف آخر مؤداه أن الصيغة لا تكون دائما ملائمة للجنس، ويمكن التمثيل لذلك بالرسالة، فالصيغة التي يفترض اعتمادها في هذا الجنس، حسب كيليطو، هي الأولى لأن المتكلم يتحدث، في هذا الجنس، باسمه وهو ما لا يتحقق دائما، فلسنا نعدم بعض الرسائل الذي يتوارى فيه منشئه تماما، كما هي الحال في الرسائل التي يتولى المنشئ كتابتها نيابة عن السلطان مثلا.
إن كيليطو لا يقدم، في هذا المقترح، تصنيفا للنصوص. ويبدو أن هذا الأمر لم يكن من مشاغله في هذه الدراسة، التي سعى من خلالها إلى تقديم مبادئ عامة من شأنها أن تسعف من يتصدى لتصنيف النصوص في تحقيق مسعاه.
ومما يؤكد انشغال كيليطو أساسا بالسعي إلى استخلاص المبادئ العامة ما وجدناه عنده من محاولة لاختزال الأنماط الخطابية الأربعة بعد تحليلها إلى نمطين رئيسيين هما:
I/ الخطاب الشخصي
II/ الخطاب المروي
وهذا النمط من الخطاب يتفرع عنده إلى:
1- بدون نسبة
2- بنسبة:
أ/ صحيحة
ب/ زائفة
ج/ خيالية
وقد اتخذ كيليطو من مقامات الهمذاني حقلا تطبيقيا لاختبار هذه العلائق، ليخلص في النهاية إلى اعتبار المقامات مندرجة في “الخطاب المروي بنسبة خيالية”[ – نفسه، ص: 28.].
بالرغم من الجهد الخصيب الذي بذله الباحث لتدقيق مفهوم النوع، فقد بقي هذا المفهوم ملتبسا وغير دقيق. وهو أمر يمكن أن يرتد إلى توسيع كيليطو مفهوم النوع بحيث شمل، في تشغيله، الخطب والرسائل والقصة والمقامة والمثل والموعظة والحكمة والسير والتراجم والأخبار والشرح والحديث والحكايات والروايات البوليسية، فكل هذه المخاطبات عنده أنواع. وهو ما يتعذر معه تحديد الأسس الخاصة بكل نوع على حدة، كما يؤدي إلى تداخل الأنواع بشكل يصعب معه التمييز بينها بدقة. فالحكمة مثلا عند كيليطو نوع مستقل وقائم بذاته، وذلك أمر يحتاج تقريره إلى مراجعة وتمحيص لترسيم الحدود بين الحكمة في شعر زهير والحكمة في كليلة ودمنة مثلا، وقل الشيء نفسه عن الموعظة التي يعتبرها كيليطو نوعا، في حين نجدها تتحول إلى صفة موضوعية في العديد من الأنواع الأدبية الأخرى مثل الخطبة والخبر وكتب الحديث والمقامة والمقام.
إن فحص تصور كيليطو لمفهوم الجنس الأدبي ليكشف عن موقف متشدد، حيث جميع النصوص، فيما يقرر كيليطو، مندرج بالضرورة ضمن جنس محدد، وليس هناك من نص يمكنه الإفلات من قبضة الجنس. وليس يخفى ما ينطوي عليه هذا التصور من شطط، إذ يتجاهل حقيقة بدهية لا نخالها تخفى على الباحث، وهي أنه ليس جميع النصوص خاضع لسلطة الجنس، فقد بقي العديد منها متعاليا لا يقبل الانصياع لضوابط التجنيس والتصنيف، كما هي الحال بالنسبة للقرآن الكريم، الذي مثل في السياق العربي نصا لغويا يتجاوز، بلاغيا، سائر التجليات اللفظية التي أنتجتها “العربي”، وقد شكل بذلك حالة متميزة ومفردة في تاريخ الأجناس الأدبية، فلا هو بالشعر ولا هو بالنثر ولكنه “قرآن” باصطلاح العميد[ -طه حسين: من حديث الشعر والنثر، دار المعارف بمصر ط 10 (د.ت)، ، ص: 25.].
وقد ذهب كيليطو بعيدا في تكريس سلطة الجنس الأدبي، إذ يرى أن المبدع يفقد حريته تماما أمام قواعد النوع التي يخضع لها خضوعا مطلقا من دون أن تكون لديه إمكانية التعديل في مقتضياته أو تغييرها. وهو صريح قوله:
“إن أنواع الحكاية كثيرة وهناك أنواع تفرض تسلسلا معينا يكون على القائم بالسرد أن يحترمه […] فالمعروف أن منشئي المقامات احترموا بصفة عامة التسلسل الثابت للأفعال السردية كما وضعه الهمذاني، وهنا لابد من الإشارة إلى أن تحقيق الإمكانية النهائية الذي قلنا بأنه المجال الوحيد، الذي تظهر فيه حرية القائم بالسرد، يكون بدوره مقيدا بالنوع، بحيث تنعدم تماما حرية الاختيار”[ – عبد الفتاح كيليطو: الأدب والغرابة، ص: 35.].
إذا كان المبدع يخضع لمقتضيات النوع ويتقيد بعناصره الأساس، فإن خضوعه ليس مطلقا ولكنه امتثال جزئي لقواعد النوع الجوهرية. فالمبدع دائما يصارع القيود التي يفرضها النوع، في مسعى لتعديلها بما يوائم نصه من جهة، ويساير التطور الأدبي من جهة مقابلة. وكيليطو نفسه يقرر، كما سبق التنويه، أن النوع لا يتضرر إذا اقتصر التعديل على العناصر الثانوية فيه.
2-سعيد يقطين: النص الأدبي ومشكلة التصنيف
من الدراسات الهامة التي وقفت من قضية الأجناس الأدبية وقفة جادة، دراسة سعيد يقطين، الذي نخصص هذا الحيز للتعريف بجهده الأبرز في هذا المجال من خلال دراسته الموسومة بـ “الكلام والخبر”، التي يمكن اعتبارها تكملة للدراسة التي كان يقطين أنجزها عن كتاب “الإمتاع والمؤانسة” لأبي حيان التوحيدي[ – سعيد يقطين: المجلس، الكلام، الخطاب، بصدد ليالي أبي حيان التوحيدي، ضمن السرد العربي، المفاهيم والتجليات، رؤية للنشر والتوزيع، 2006، ص: 146. ].
لقد جاءت دراسة يقطين رائدة في بابها، فخطت بالتصورات النقدية العربية خطوات متقدمة في القضايا المتصلة بنظرية الأجناس الأدبية، فقد كشف في هذه الدراسة عن وعي متطور بالإشكالات العميقة المطروحة على بساط البحث في أنواع الكلام العربي تجنيسا وتصنيفا.
ولهذا الاعتبار يمكن النظر إلى الاجتهادات التي بلورها يقطين بوصفها مقترحات جادة يمكن اتخاذها، بعد تطويرها، أساسا لإرساء معايير تصنيفية تستجيب لخصوصية أجناس الأدب العربي.
ومما يساعد على بلوغ هذا المقصد العزيز أن يقطين يظهر وعيا متقدما وهو يخوض في قضايا تجنيس النصوص الثراثية وتصنيفها، فقد استشعر، شأن العديد من المحدثين، أن المعايير التصنيفية المعتمدة في نظرية الأجناس الغربية قاصرة عن استيعاب التجليات النصية المختلفة التي يزخر بها التراث العربي. وانطلاقا من هذا الوعي، الذي تحصل للباحث، سعى إلى إنجاز تركيب عبر الإفادة من التصورات التي تتيحها نظرية الأجناس الغربية، بعد تطويعها بما يتلاءم وخصوصية الأدب العربي.
ونظرا للتنوع الذي يسم هذه الانتاجات فقد استشعر يقطين أنه سيكون من الصعوبة بمكان تصنيفها اعتمادا على أنموذج أجناسي جاهز، ولذلك رأى أنه من الأنسب استحداث معايير تصنيفية تراعي الطبيعة الخاصة لهذه النصوص، مع قدرتها، في نفس الآن، على استيعاب جميع التجليات اللفظية شفوية وكتابية.
لقد بنى يقطين تصوره لمسألة الأجناس الأدبية على أطروحة أساس شكلت عصب كتابه مؤداها بناء نظرية عامة للكلام العربي انطلاقا من المزاوجة بين المأثور العربي واجتهادات الغرب. ويتبين من فحص الكتاب مدى الجهد الخصيب الذي بذله الدارس إسهاما منه في التأسيس لنظرية أجناسية، تستوعب شساعة وخصوصية المادة النصية التراثية ذات الطبيعة المخصوصة والمقاصد المتباينة. وقد أفاد الباحث في صوغ مقترحاته، في هذا المجال، من الاجتهادات الباهرة التي راكمتها نظرية الأجناس في الغرب، بعدما وفق إلى تطويعها بما يستجيب لطموحه في تطوير نظرية أجناسية تراعي الخصوصية المحلية للموروث العربي، حيث تلطف يقطين في تحقيق مسماه بالتفاعل الإيجابي والخلاق بين المرجعية العربية والغربية من أجل تأصيل تصورات اجتهادية تنشد الإبداع بدل الارتهان إلى التقليد. يقول:
“إن تجديد علاقتنا بالمرجعية العربية أو الغربية يجب أن يتأسس على قاعدة الحوار العميق؛ أي التفاعل الإيجابي الذي ينشد التأصيل والإبداع بدون أية عقدة ثقافية أو حضارية”[ – سعيد يقطين: الكلام والخبر، ص: 171.].
يتخذ الباحث من “الكلام” العربي باعتباره “الجنس الجامع” الذي أدرج تحته القدماء جميع الممارسات اللفظية، التي أبدعها “العربي” منطلقا للتفكير في مختلف التجليات النصية التي يتحقق من خلالها “الكلام”. وقد اقتضاه ذلك التوقف عند الاجتهادات التي بلورها القدماء، من أجل بناء تصور متكامل لأجناس الكلام العربي وأنواعه وأنماطه، فانتدب الباحث الفصل الرابع من كتابه للنهوض بهذا المسعى، حيث أداره على فحص قضية “النص والجنس في الكلام العربي”. ففي هذا الفصل قدم الباحث مقترحه الخاص بتجنيس الكلام العربي استنادا إلى إجراءات ثلاثة رئيسة هي: المبادئ، والمقولات، والتجليات.
يقصد بالمبادئ “الكليات العامة المجردة والمتعالية على الزمان والمكان”[ – سعيد يقطين: الكلام والخبر، ص: 181.]، وتتميز بأنها موجودة دائما وإن اختلفت طرائق إدراكها. ونظرا لتعدد هذه المبادئ فقد رأى الباحث أن يكتفي بالتوقف عند ثلاثة منها بدت له مفيدة بالنسبة للإشكال الذي يخوض فيه:
يتصل المبدأ الأول: بـ “الثبات”، وهو الذي يحدد العناصر الجوهرية التي نميز بوساطتها ماهية الشيء من غيرها.
والثاني متعلق: بـ”التحول”، وهو مبدأ كلي مثل الأول، وإن تميز عنه بكونه غير متصل بالعناصر الجوهرية المتصفة بالثبات، ولكنه متصل بالصفات البنيوية القابلة للتحول.
أما المبدأ الثالث: فله علاقة بـ “التغير” لاتصاله بالظواهر، التي تتعرض للتغير بفعل عوامل محددة زمنية أو تاريخية من شأنها أن تنقل الظاهرة من وضع إلى وضع.
لقد تمكن الباحث باعتماد هذه المبادئ الثلاثة الكلية والمترابطة من ترصد العناصر المختلفة التي تدخل في تشكيل متصور “الكلام”، حيث نظر إليه في ذاته من خلال عناصره البنيوية، وإلى جانب ذلك درس الكلام في علاقاته وصيروراته، في مسعى لترصد تفاعلاته مع غيره.
إن هذه المبادئ العامة التي يشغل يقطين عبارة عن أدوات إجرائية حاول الباحث من خلالها رصد المستويات المختلفة للكلام، ومن هنا حرص الباحث في اصطفائه لهذه المبادئ أن تكون قادرة على ضبط مستويات الكلام الثلاثة. ويقتضيها النهوض بهذه المهمة التوفر على كفاية إجرائية عالية، تقدرها على الإحاطة، في الكلام، بالثابت الجوهري، والبنيوي المتحول، والمتغير العرضي.
وفي مسعى للتخفيف من طغيان التجريد الذي وسم هذه المبادئ الكلية الثلاثة، عمد الباحث إلى استدعاء مفهوم إجرائي آخر هو “المقولات”، الذي رآه ناجعا بالنسبة للمقصد الذي ينشد، والمتمثل في تدقيق المراتب الثلاثة التي مفصل إليها الكلام لتمييز بعضها من بعض. ويقصد بالمقولات “مختلف التصورات والمفاهيم التي نستعملها لرصد الظواهر ووصفها”[ – سعيد يقطين، الكلام والخبر، ص: 182. ].
ولما كانت هذه التصورات والمفاهيم مرتبطة بتمثلاتنا للأشياء، فإن المقولات تكون “متحولة”، لأن طرائق تمثل الأشياء مختلفة حسب الأعمار والبيئات. وبهذا الاعتبار تكون التصورات المتصلة بالأجناس عند العرب مختلفة عن تلك التي تبلورت في الغرب.
إن “المقولات” مشغلة، عند الباحث، في علاقة بـ”المبادئ” التي سبق له تقريرها، حيث يجعل كل “مقولة” مرتبطة بـ”مبدأ” من المبادئ الثلاثة، فجاءت “المقولات” مثل “المبادئ” ثلاثة: ثابتة ومتحولة ومتغيرة. ويحددها يقطين على النحو التالي:
1- المقولات الثابتة: تضطلع بالنظر إلى الكلام في ذاته لتحديد العناصر الثابتة فيه التي تجعل منه “أجناسا”.
2- المقولات المتحولة: ترصد الصفات البنيوية المتحولة في الأجناس والتي تجعلها متفرعة إلى “أنواع”.
3- المقولات المتغيرة: تمكن من رصد مختلف الصيرورات التي تتعرض لها الأنواع في تطورها التاريخي، فتدمغ كل نوع بسمات فارقة تجعله موزعا إلى “أنماط”.
لقد تمكن الباحث بهذا الربط بين المبادئ والمقولات من ضبط المعايير العامة المتحكمة في “تصنيف الأجناس”. فاعتماد هذه المعايير يقدر الدارس الأدبي على تمييز مختلف التجليات الخطابية باعتبار تعالقاتها وتفاعلاتها. إن فاعلية هذا الإجراء التصنيفي ماثلة في قدرته على رصد الثابت (الأجناس) والمتحول (الأنواع) والمتغير (الأنماط).
وقد صاغ الباحث هذه المفاهيم الثلاثة الأساس الناتجة عن ربط “المبادئ” بـ “المقولات” في الجدول التالي:

24

وقد لحظ الباحث أن هذه الخطاطة تبقى مغرقة في التجريد ما لم يتم ربطها بالتحققات النصية الملموسة، وهو ما هفا إلى تحقيقه تفاديا للانتقادات التي توجه عادة لكل بحث في “الأجناس” لا يصدر عن مشغل الربط بين “الجنسية” و”النصية” إذ يعتبر، في هذه الحال، مجرد بنيات تجريدية متعالية عن التحققات النصية المنجزة، التي اصطلح عليها يقطين بـ “التجليات”. وتعني، عنده، التحققات النصية الملموسة التي يتم بوساطتها “ربط المجرد بالملموس”[ – سعيد يقطين: الكلام والخبر، ص: 185.]، وتتفرع التجليات هي الأخرى إلى ثابتة ومتحولة ومتغيرة.
استقدم الباحث مفهوم “معمارية النص” من الناقد الفرنسي جيرار جونيت ليحدد من خلاله التجليات الثابتة، باعتبارها مجموعة من المقولات العامة أو المتعالية، التي تحدد “الجنس” الذي يندرج ضمنه “النص”. أما “التجليات المتحولة” فمقصود بها، عند الباحث، تلك المتصلة بـ “التناص” بمختلف صوره وأشكاله، لأن تفاعل النص مع غيره من النصوص يدمغه بسمات فارقة تجعله متميزا من غيره من النصوص الأخرى، التي يتداخل معها، سواء على مستوى الجنس أو النوع أو النمط، في حين يقصد بـ “التجليات المتغيرة جميع أنواع التفاعل النصي التي حددها جيرار جونيت (المناص، والتعلق النصي، والميتانص).
لقد تدرج الباحث، في تحديده لمراتب الكلام، من العام (المبادئ) مرورا بالخاص(المقولات) وصولا إلى الأخص (التجليات)، فجاءت صورتها على الشكل التالي:
23

لقد ساق الباحث هذه المقدمات بوصفها مداخل نظرية تفيده فيما يروم من تأسيس لنظرية أجناسية قادرة على استيعاب مختلف التجليات النصية، التي تزخر بها المكتبة التراثية العربية.
وقد تقصد يقطين من بسط القول في هذه المقدمات ضبط المعايير التصنيفية الدقيقة الكفيلة بتمييز الأدب، وتفريعه إلى أجناس وأنواع وأنماط، التفريع الذي شكل مشغلا رئيسا لصاحب هذه الدراسة، فبعد أن قرر هذه التصورات والمفهومات النظرية، سعى الباحث إلى تطبيقها على الكلام العربي معتمدا “الصيغة”، بمفهومها عند جونيت، معيارا للتمييز بين أجناس الكلام العربي وتحديد تصنيفاته. وقد استطاع الباحث، باعتماد الصيغة معيارا ضابطا في تصنيف الكلام، من تحديد جنسين كبيرين في الكلام العربي، هما “القول” و “الخبر”، ويتم التمييز بينهما باعتبار الصيغة والزمن ووضع المتكلم والمخاطب في علاقتهما بالكلام: فصيغة الأول: (قال)، وهو متصل بالزمن الحاضر ويتعلق بما هو قيد الوقوع، والعلاقة بين القائل والقول والمخاطب علاقة اتصال مباشرة، ويتحقق في أنواع مثل المحاورات والخطب. أما الخبر فصيغته (أخبر) ويتصل غالبا بالزمن الماضي (ما وقع)، والعلاقة بين المخبر والإخبار والمخاطب علاقة انفصال، لأن المخبر يعلم مخاطبه بما وقع بطريق غير مباشرة، حتى وإن كان صاحب الكلام، لأن إنجاز الكلام يتم على مسافة تفصل المتخاطبين، وهو ما يتحقق في أنواع الحكايات والتواريخ والأخبار. غير أن أقسام الكلام تصبح ثلاثة بعد أن يعمد الباحث إلى تعويض “القول” بـ “الحديث”، ويضيف إلى هذين الجنسين (الخبر والحديث) جنسا ثالثا هو (الشعر)، الذي يتميز باعتماد مكونات خاصة، تجعله يقترب من الخبر حينا ومن الحديث حينا آخر. وبهذا الإجراء تصبح الأجناس، في مقترح الباحث، ثلاثة رئيسة، هي: الخبر والحديث والشعر. وتتميز هذه الأجناس بقدرتها على استيعاب جميع التجليات النصية المعروفة في كلام العرب، بفضل ما توافر لها من خصائص ذاتية، جعلت منها أجناسا متعالية على الزمان والمكان.
ومن أجل التمييز بين الأنواع استند يقطين إلى مفهوم “النمط”، الذي يقترب عنده مما دعاه القدماء “صفات الكلام”. وهو ما يميزها من الأجناس والأنواع التي تتصل بالكلام ذاته. وقد انحصرت الأنماط، عند الباحث، هي الأخرى في ثلاثة:
1- الأنماط الثابتة: تتعلق بالتجربة الإنسانية، ويقسمها باعتبار علاقتها بالواقع إلى ثلاثة:
أ/ الأليف – الواقعي.
ب/ الغريب – التخييلي.
ج/ العجيب – التخيلي.
2- الأنماط المتحولة: تتصل بالمقاصد التي رسمها المتكلم لخطابه؛ أي الأثر الذي يروم إحداثه في مخاطبيه، وتتوزع هذه المقاصد ما بين مواضع الجد ( التعرف والتدبر) الذي يمثل له بـ”قصص الزهاد والصالحين”، ومواضع الهزل (الضحك والمفاكهة) كما هي الحال في “أخبار الحمقى والمغفلين”.
3- الأنماط المتغيرة: لا ترتبط بتجربة إنسانية ولا يقصد منها إلى تحقيق أثر أو وظيفة. يتعلق الأمر هنا بالأداة المستعملة لتمثيل التجربة أو تحقيق الوظيفة. إنه الأسلوب المستخدم في النص أو لغته، والأسلوب لا يعدو أن يكون ساميا أو منحطا أو مختلطا.
لقد جاءت اجتهادات سعيد يقطين رائدة في سعيها إلى التأسيس لمعايير تصنيفية دقيقة، قادرة على استيعاب مختلف التجليات النصية التي حفل بها المتن التراثي، حيث انطلق من “الكلام” الذي اعتبره “جنسا جامعا”، فنظر إليه في ذاته (الأجناس)، وفي صفاته (الأنواع)، وفي علاقاته (الأنماط)، في محاولة لتحقيق المقصد العزيز الذي هفا إليه: بناء تصور متكامل لدراسة الكلام العربي عبر مقولات إجرائية ثلاث هي:
“المبادئ” و”المقولات” و”التجليات”، حيث ربط كل واحدة منها بقسم من أقسام الكلام، فوصل المبادئ بالجنس، ووصل المقولات بالنوع، ووصل التجليات بالأنماط. وباعتماد “الصيغة” تمكن الباحث من حصر الأجناس في ثلاثة هي الخبر والحديث والشعر.
وبذلك يكون الباحث قد فتح آفاقا جديدة للتفكير في قضية تجنيس النصوص التراثية وتصنيفها، انطلاقا من تصورات حديثة ومتطورة تستلهم نظرية الأجناس الأدبية كما تبلورت في الغرب، وتراعي خصوصية المتن التراثي العربي. وتتمثل أهمية الجهد الذي بذله الباحث من خلال تنظيراته وتطبيقاته، في الوعي العميق الذي تحصل لديه بأن التقسيمات التي ورثها الغرب عن اليونان وشكلت عماد نظريته في “الأجناس”، غير مسعفة في الوفاء بمطالب تجنيس الخطابات العربية وتصنيفها. ومن هنا اعتمد الباحث على “منطق” الأجناس كما استخلصه من المادة النصية التراثية. كما يحسب للباحث استئناسه بالمرجعية العربية في تحديد المفهومات الأجناسية وضبط مجالات استعمالها.
وبالرغم من متانة الأسس التي أقام عليها الباحث تصوره، فإن تعقد القضية المطروحة على بساط البحث، وتشعب مباحثها واتساع مداها، جعل عددا من آرائه قابلا للمراجعة والتدقيق. ولعل المأخذ الأهم على مقاربته متعلق بالمنطلقات النظرية والاختيارات المنهجية التي أثرت حتما فيما توصل إليه من مواقف وما استخلص من نتائج. فقد تأرجح عمل الباحث، من الناحية النظرية، بين مناهج غربية عدة حاول التوليف بينها، متقصدا الإفادة من إيجابياتها واطراح النقائص. وهو ما عرض عمله لشوائب التذبذب والتناقض، ونمثل لذلك بتشغيل الباحث “الصيغة” بمفهومها عند السرديين، فقد انتهى من ذلك إلى حصر الأجناس في ثلاثة هي الشعر والحديث والخبر، بل إنه يجزم أن “كل كلام العرب يدخل بهذا الشكل أو ذاك ضمن هذا الجنس أو ذاك”[ – سعيد يقطين: الكلام والخبر، ص:193].
وهي نتيجة توصل إليها يقطين من حصره لصيغ الكلام في صيغتين اثنتين هما “القول” و”الإخبار”، ونرى أن الفوارق التي أقامها الباحث بين الصيغتين تحتاج إلى مزيد مراجعة وتدقيق، لأنها ليست واضحة بالقدر الكافي الذي يسوغ تعميمها في تطبيقات أخرى تبحث “السرد العربي” الذي ينظر له يقطين.
ومن المفاهيم التي تحتاج كذلك إلى ضبط مفهوم “النمط”، الذي شاب تشغليه في الدراسة بعض غموض وتناقض، فقد ألحقه الباحث بكل من “الجنس” و”النوع” وجعل علاقته بهما مختلفة، لكنه لا يذكر من أمر هذه العلاقة المخصوصة التي تجمع النمط بالجنس والنوع سوى أنها “من طبيعة أخرى”[ – نفسه، ص: 198.].
وإذا كان الباحث يعتبر “التغير” سمة ملازمة للنمط، فإننا لا نرى من مسوغ بعد ذلك لتفريع الأنماط إلى ثابتة ومتحولة ومتغيرة، اللهم الهوس التقنيني الذي استبد بعقل الباحث وجعله يصر على إخضاع تصوره، وكذلك فروع هذا التصور إلى تقسيم ثلاثي الأبعاد لا يحيد عنه مهما كلف الأمر بحثه من شوائب ومآزق منهجية، حدت – ولا شك- من فعالية مقترحاته التنظيرية.
ومن الناحية المنهجية، نرى أنه من الجرأة والطرافة بمكان أن يسعى الباحث إلى إرساء “نظرية عامة للكلام العربي” في فصلين من دراسة وحيدة متوجهة أصلا إلى بحث جنس أدبي مخصوص هو “السيرة الشعبية”.
ومن مظاهر القصور المنهجي في هذه الدراسة أن الباحث لا يحدد المفهومات التي يشغل مثل الجنس والنوع بما هما وإنما اعتمد تجليات هذين المفهومين في كتب الأدب والبلاغة والنقد، كما طارد تجليات المفهومين في المصنفات الجامعة لما شعر به من حاجة إلى ضرورة اعتبار “النصوص” في ضبط المفاهيم، وهو ما جعل الباحث مترددا بين مصنفات مختلفة ونصوص متباينة، لا نظن أحدا يستطيع الزعم أن بمكنته تحصيل ما فيها جميعا في فصل أو حتى في دراسة متخصصة، إن لم يعمد منهجيا إلى اجتباء ما يوافق تصوره وإقصاء ما عداه. وبالجملة، فإن هذه المؤاخذات لا تؤثر على جدية العمل وجرأة ما استخلص من نتائج.
3-فرج بن رمضان: الأدب العربي ونظرية الأجناس
أنجز الباحث التونسي فرج بن رمضان دراسة جادة ورصينة عن “الأدب العربي القديم ونظرية الأجناس– القصص”[ – فرج بن رمضان:الأدب العربي القديم ونظرية الأجناس، القصص، دار محمد علي الحامي، صفاقس، تونس، ط 1 – 2001.]، وفيها يستأنف الباحث ما كان قد بدأه في دراسات سابقة اختصت جنس السرد في السياق العربي بالمراجعة والتقويم، صنيعه في دراسة له شهيرة موسومة بـ “محاولة في تحديد وضع القصص في الأدب العربي القديم”[ – فرج بن رمضان: محاولة في تحديد وضع القصص في الأدب العربي القديم، حوليات الجامعة التونسية، ع 32-1991، ص: 241]، وهي الدراسة التي رصد فيها “هامشية” القصص في الأدب العربي، فبحث أسبابه وتقصي مظاهره.
وقد قدم الباحث في هذه الدراسة مقترحا تصنيفيا لأنواع القصص استنادا إلى صلتها بما يسميه “منظومة الأشكال المؤسسة”. وفي هذا التصنيف يزاوج فرج بن رمضان بين التاريخ والإيديولوجيا منطلقا من فكر جدلي يرى في “الصراع” المحرك الأساس للتاريخ، وتساوقا مع هذا التمشي نظر الباحث في أنواع القصص من زاوية تطورها ومواكبتها لمفهوم الأدب في مسار تحوله، فاستخلص من تدبره تاريخ هذه الأنواع، من منظور جدلي تاريخي، أن الأدب العربي القديم توزعته ثنائيتان متقابلتان، طرفها الأول “السلطة” وتمثلها “منظومة الأشكال المؤسسة”، وطرفها الثاني “المعارضة” وتمثلها أنواع من القصص عرف بـ “القصص الشعبي”، الذي ظل إنتاجه وتداوله يتمان على هامش الدرس النقدي والبلاغي العربي.
وقد انتهى الباحث من فحصه العلاقة بين الأنواع التي تنتجها “المعارضة”، وتلك التي تنتجها “السلطة”، إلى رصد حركتين اثنتين جسدتا هذه الصلة:
“1 – حركة أولى تتنزل خارج منظومة الأشكال المؤسسة، وهذه الحركة هي المسؤولة عن ظهور ألوان قصصية متنوعة، مما يدخل في باب القصص الشعبي (قصص بطولي، وقصص ديني، وقصص غرامي)، وفي هذا المستوى أيضا تتنزل المدونة القصصية الفصيحة، التي تحفل بها أنواع من التأليف التي لا تدخل تحت طائلة التصنيف الأدبي الرسمي ككتب الأخبار والنوادر […].
2 – حركة ثانية تقع داخل منظومة الأشكال المؤسسة في دائرة التفكير النقدي. إن هذه الحركة قد جعلت القصص “يتسلل عبر مسالك التصنيف الرسمي وينتزع مشروعية حضوره من داخل البنية الرسمية”[ – نفسه ص: 275. ].
وإذا كان لابد من صراع ومواجهة بين أشكال الأدب الرسمي والمعارض، فإن هذه المواجهة كانت تنتهي دائما، فيما يقرر الباحث، “باحتواء” أشكال الأدب التي تنتج في حضن السلطة، للأشكال التي تنتج في دائرة المعارضة أو لأجزاء منها على الأقل.
لقد صدر فرج بن رمضان في دراسته للقصص العربي القديم في ضوء نظرية الأجناس عن موقف طائفة من الباحثين العرب، رأت أن “الأجناس مبحث شائك متشعب، متداخل الأبواب”، بالنظر إلى “تعدد وجهات النظر المتأتي أولا وأساسا من تعدد ضروب المعرفة الأدبية ذات الصلة به: النقد، الإنشائية، تاريخ الأدب، الأدب المقارن”[ – فرج بن رمضان: الأدب العربي القديم ونظرية الأجناس، ص: 11.].
لكن إقرار الباحث بالصعاب التي تواجه تطبيق نظرية الأجناس على الأدب العربي القديم لم يمنعه من الحماس لهذا الضرب من الدرس بالنظر إلى الفائدة الجلى، في تقدير الباحث، التي يمكن أن تعود على هذا الأدب من محاولة فهمه استنادا إلى مقررات نظرية الأجناس، ومن ثم وقر في نفسه أنه أصبح من المهم “التأكيد على القيمة القصوى للجنس الأدبي كمفهوم مركزي في تأسيس المعرفة الأدبية، وكأداة في رصد وفهم الواقع الأدبي بشتى قطاعاته وظواهره وقضاياه”[ – نفسه، ص: 8.].
قسم الباحث دراسته إلى قسمين، اختص الأول بإشكالية المقاربة الأجناسية لنصوص الأدب العربي القديم، فيما عني في الثاني بأصول الأجناس القصصية ومكانتها في نظام أجناس الأدب العربي القديم.
مدار القسم الأول على سعي اقتنع الباحث بجداوه وإمكان تحقيقه، فوضع له غرضا الوصول إلى “نظرية عربية” للأجناس الأدبية. وقد عين الباحث مقصوده بصفة “عربية” التي ألحقها بنظرية الأجناس فهي لا تعني، عنده، “نظرية فريدة من نوعها أصلا وفرعا، وجملة وتفصيلا، بدعوى خصوصية لا تدرك إلا على أنها ضديد للكونية”[ -نفسه، ص: 15.]. إن هذا الفهم من شأنه أن يوقعنا، كما تفطن لذلك الباحث، في “مفارقة”، إذ نستبدل المركزية العربية بالمركزية الغربية، وفي ذلك تجاهل للبعد الكوني الذي وسم “الأجناسية”.
انطلاقا من هذا الفهم للخصوصية والكونية في نظرية الأجناس، صدع الباحث بأن “النظرية الأجناسية العربية المطلوبة، في تقديري، ليست عربية إلا من قبل أن العنصر الفاعل والحاسم فيها هو المفكر العربي أولا، ثم من قبل أن المدونة أو الموضوع الذي تشتغل عليه أو يشتغل عليه الفكر بواسطتها هو الأدب العربي”[ – نفسه، ص: 15.].
غير أن إقامة نظرية “عربية” للأجناس الأدبية ليس متاحا في يسر لمن يحاوله إلا إذا أفاد، في تصور الباحث، من المنجزات التي راكمتها نظرية الأجناس في الغرب، بعد تطويعها بما يتلاءم وخصوصية الأدب العربي. ويكون ذلك، في مقترح الباحث، “بفك الارتباط المبدئي بين نظرية الأجناس والمدونة الأدبية التي استمدت منها، أو أقيمت على دراستها في الغرب قديما وحديثا، حتى يتيسر تطويعها للتطبيق على الأدب العربي في اتجاه متحرر، بالتالي، من هاجس المطابقة مع التعبيرة الغربية من جهة، وقابل في الوقت نفسه، من جهة أخرى، لرصد وتمثل وتفسير مختلف مظاهر “الخصوصية” في الأدب العربي القديم”[ – نفسه، ص: 14.] .
في القسم الثاني من الدراسة يقدم فرج بن رمضان مقترحا تصنيفيا تنتظم بمقتضاه أجناس القصص العربي القديم في “مسالك”، باصطلاح الباحث، حصرها في ثلاثة، قاصدا من ذلك مختلف المسارات وشتى الآليات التي خضعت لها الأجناس القصصية في رحلة تشكلها بما يسلم، في المحصلة، إلى تكوين خطاطة تصنيفية عامة لأجناس القصص.
المسلك الأول: يتصل بـ “أجناس قصصية ناشئة من خطابات غير أدبية”[ – نفسه، ص: 63.]. وقد اختص ابن رمضان هذا المسلك بضبط نشأة أجناس أدبية عبر مختلف عمليات التحويل في بنية الملفوظ، وما يواكبها أو يترتب عليها من انتقال في مقام التلفظ والتداول من مجال الخطابات “اللا أدبية” إلى مجال الأدب. وقد أدرج الباحث ضمن هذا المسلك:
أ- جنس الخبر الأدبي: انحدر إلى مجال الأدب من ميداني الحديث الديني والخبر التاريخي.
ب- جنس الكرامة الصوفية: جاء إلى الأدب بطريق التحول عن مصادر غير أدبية مثل معجزات الأنبياء والمتحققة نصيا في “السيرة” بالنسبة إلى الرسول (ص)، وفي “القرآن” وما اشتق منه وتولد عنه من “تفاسير”، ثم “القصص الديني” الذي يعود لتراث الأمم السابقة على الإسلام.
ج- جنس النادرة: تناول ابن رمضان هذا الجنس في صيغته الجاحظية منجزة نصيا ومنظرا لها من خلال كتاب يعتبره مؤسسا لجنس النادرة في الأدب العربي هو “البخلاء”. ويدرج ابن رمضان النادرة ضمن مجال الأخبار متابعا في ذلك محمد القاضي. وتأسيسا على ذلك قرر الباحث أنه يجري على جنس النادرة، من حيث النشأة والتحول، ما يجري على الخبر، وإن كان الأمر لا يسلم لابن رمضان باليسر الذي يطمئن إليه، فقد سجل تحفظه على هذا الوصل بين النادرة والخبر لما رأى في النادرة من مقومات عديدة تكفي لاعتبارها جنسا قائم الذات.
– المسلك الثاني: حاول فيه ابن رمضان ضبط نشأة بعض الأجناس القصصية في السياق العربي بفعل الترجمة وتأثير الآداب غير العربية، وقد مثل الباحث لهذا المسلك بالحكاية المثلية وأنموذجها “كليلة ودمنة”، الذي اعتبره ابن رمضان نصا تأسيسيا لهذا الجنس في الأدب العربي، كما أدرج ضمن هذا المسلك “ألف ليلة وليلة” و”الحكاية العجيبة”.
– المسلك الثالث: اختصه الباحث بتحديد نشأة الأجناس القصصية عبر شتى صيغ التفاعل والتحاور بين الأجناس الأدبية العربية عامة، صادرا في ذلك عن تصور يرى أن الأجناس تشتق من الأجناس، وأنه ليس ثمة أصل للأجناس إلا الأجناس، ويدخل في هذا المسلك:
أ- قصص أصول الأمثال التي أعاد الباحث النظر في تسميتها، فرأى أنها ليست من “الأصول” في شيء وإنما هي، عنده، “فروع” منحدرة من نواة-أم هي نصوص الأمثال.
ب- قصص تنبثق من الشعر على وجه التعليل والتفسير وبالعكس، إذ يمكن للقصص أن تتحول إلى علة أو مصدر يتولد منه الشعر.
ج- الرسالة القصصية: تسمية جامعة يطلقها الباحث على صنف من الرسائل مخصوص، ينبثق فيه “القصصي” من “الرسائلي”، ويمثل له بـ”رسالة الغفران” للمعري و”التوابع والزوابع” لابن شهيد و”حي بن يقطان” لابن طفيل.
لقد شكلت نشأة الأجناس القصصية وتحولاتها في الأدب العربي القديم “نقطة البحث” في دراسة فرج بن رمضان، الذي أفاد في بحث هذه القضية من تنظيرات نقاد غربيين لامعين مثل تودوروف، الذي اقتبس منه فكرة التناسب بين نظام الأجناس والإيديولوجيا السائدة لتفسير نظام الأجناس في الأدب العربي[- نفسه ص: 52.]، وميخائيل باختين الذي أخذ عنه عديد آراء وتصورات يخص منشأ الأجناس وتحولاتها[ – نفسه، ص: 37.]، كما أفاد الباحث من المناهج النقدية الحديثة من إنشائية وأسلوبية وبنيوية. ولعل نظرية التلقي أن تكون المثال الأظهر على ذلك فقد استلهمها الباحث عند حديثه مثلا عن مقامات القص العربي القديم التي توزعت عنده إلى:
أ- مقام التندر.
ب- مقام القص.
ج- مقام الحكاية.[ – نفسه، صص: 103-106.]
وهي “مقامات” نظر إليها الناقد في ضوء خصوصيتها الثقافية، حيث راعى تنزلها في سياق ثقافي مخصوص هو المجتمع العربي عامة والوسط المديني خاصة.
إن اختصاص الباحث جنس القصص ـ القطاع الهامشي في الأدب العربي- بهذه الدراسة الجادة ليعد إضافة نوعية إلى السرديات العربية، بما جلت من خصوصية السرد العربي القديم، وما سلطت على مناطقه المعتمة من أضواء كاشفة، يتهدى بها ناشئة الباحثين في مسالك وممالك المأثور النثري.

إذا كانت هذه الدراسات، التي تناولنا بالعرض والمراجعة، مختلفة في المنطلقات والمناهج المصطنعة في وصف وتفسير قضية الأنواع الأدبية بدرجات ونسب متفاوتة، فإنها تلتقي مع ذلك في استنادها جميعا، بشكل معلن أو مضمر، إلى خلفية نظرية غربية تستلهم بعض مناهجها، وقد تستقدم أحيانا بعض نتائجها لكنها ، وهو ما يحسب لأصحابها، لم تسقط في القراءة الاستنساخية لمقررات نظرية الأنواع الغربية، بل حاورتها وأفادت من مناهجها ونتائجها، فكان حاصل ذلك، في الأعم الأغلب، قراءة أنواعية للتراث العربي واعية بصفتها ومقاصدها. والمتحصل، من النظر في هذه الدراسات التي محضها أصحابها للمسألة الأنواعية، إقرارها بالجدوى العلمية والمنهجية التي تعود على الأدب العربي، وهو الذي لم يعرف نظرية للأنواع نضيجة، من البحث في طبيعة أنواعه وفي تاريخها والصلات بينها؛ فمن شأن هذا الضرب من البحث، متى أحكمت مناهحه، أن يقود إلى ضبط خارطة دقيقة تظهر وضع الأنواع في أدب العرب قديما وحديثا، ما أهمل منها فتلاشى، أو عاود الظهور، أومازال منها مستمرا، مع كشف الأسباب التي حكمت، في الحالين، مسير (ومصير) الأنواع على صعيدي الإنتاج والتقبل. ولا منازعة في أن الباحث الأدبي يتحصل من هذا الصنف من الدرس على فوائد لا تنكر، ليس أقلها المساهمة في قيام “حفريات” قد تقود إلى استكشاف التضاريس الأنواعية في منطقة عربية منسية.
غير أن الناظر في مجمل دراسات المعاصرين التي اهتمت بأجناس الأدب، عرب وغربيين، يستلفته، من غير شك، تركيز الجهود في قديم الأدب العربي عامة ونثريه خاصة[ ـ خليق بالذكر والتنويه في هذا المقام ذلك النقد الذي لا تكاد تخلو منه دراسة معاصرة لنظام الأجناس العربية مداره على إبراز صبغته الاختزالية المقترنة بالهيمنة التي فرضها جنس الشعر على النظام النقدي والبلاغي القديم، بما يستتبع بيان “لا إجرائية” هذا النظام و”لاواقعيته”في توصيف المدونة الأدبية القديمة. لهذا الاعتبار كنا نرى في هذه “العودة الميمونة” من قبل المعاصرين إلى “تراثنا النثري” عامة والسردي خاصة، تحررا من المركزية الشعرية التي ارتهن إليها التفكير البلاغي العربي عبر تاريخ طويل من “زمن الشعر”.
]. فهذا التوجه ظاهر في مجمل دراسات المعاصرين التي وقفنا عليها. من هذه الدراسات يمكن أن نذكر مكتفين بدلالة التمثيل دراسات كيليطو ويقطين وابن رمضان، التي عرضنا لها في المطلب السابق، بالإضافة إلى دراسات رشيد يحياوي عن الشعرية العربية القديمة من جهة الأنواع والأغراض، وأطروحة عبد العزيز شبيل عن نظرية الأجناس في التراث النثري، وأطروحة بسمة عروس حول التفاعل في الأجناس الأدبية: مشروع قراءة لنماذج من الأجناس النثرية القديمة من القرن الثالث إلى السادس هجريا.
وليس هذا النهج بمقصور على الدراسات العربية، ولكنه سار في البحوث الغربية أيضا، كما هو بين من الدراسات التي تضمنها الكتاب الجماعي “نظرية الأجناس” الذي ترجم شبيل، فالناظر فيه يستوقفه الاهتمام بالنظرية الأجناسية القديمة، كما هو ظاهر بخاصة، في مقال ياوس عن “الأدب الوسيط ونظرية الأجناس”، وفي مقال شولز عن “صيغ التلقي”، والمنحى ذاته ظاهر في كتاب شايفر “ما الجنس الأدبي”، الذي أرخ فيه صاحبه لمباحث الدراسة الأجناسية بدءا من الإنشائية الأرسطية وصولا إلى النظرية التطورية عند داروين.
– يشكل الدرس الأنواعي ملمحا في أعمال كيليطو ظاهرا. يقول أبلاغ عبد الجليل في كتابه “شعرية النص النثري، مقاربة نقدية تحليلية لمقامات الحريري، شركة النشر والتوزيع، المدارس، البيضاء، ط 1، 2002،”(ص: 147): ” يعتبر هاجس تحديد النوعية حاضرا بشكل لافت للنظر في بحث الأستاذ كيليطو، ذلك أن هذه النوعية لا تتحدد لديه في البحث عن السمات المشتركة بين نصوص ذات جذور ثقافية مختلفة فقط ، وإنما كذلك بعقد مقارنات تحليلية نصية بين نصوص تقترب شكليا من المتن المقامي”.
– عبد الفتاح كيليطو: الأدب والغرابة، دار الطليعة، بيروت، ط 1-1982، ص: 21.
– نفسه، ص: 14.
– نفسه، ص 14.
– نفسه، ص: 13.
– نفسه، ص: 15.
– نفسه، ص: 17.
– نفسه، ص: 14.
– نفسه، ص: 17.
– نفسه، ص: 21.
– نفسه، ص: 22.
– نفسه، ص: 22.
– نفسه، ص: 25.
– نفسه، ص: 25.
– نفسه، ص: 28.
-طه حسين: من حديث الشعر والنثر، دار المعارف بمصر ط 10 (د.ت)، ، ص: 25.
– عبد الفتاح كيليطو: الأدب والغرابة، ص: 35.
– سعيد يقطين: المجلس، الكلام، الخطاب، بصدد ليالي أبي حيان التوحيدي، ضمن السرد العربي، المفاهيم والتجليات، رؤية للنشر والتوزيع، 2006، ص: 146.
– سعيد يقطين: الكلام والخبر، ص: 171.
– سعيد يقطين: الكلام والخبر، ص: 181.
– سعيد يقطين، الكلام والخبر، ص: 182.
– سعيد يقطين: الكلام والخبر، ص: 185.
– سعيد يقطين: الكلام والخبر، ص:193
– نفسه، ص: 198.
– فرج بن رمضان:الأدب العربي القديم ونظرية الأجناس، القصص، دار محمد علي الحامي، صفاقس، تونس، ط 1 – 2001.
– فرج بن رمضان: محاولة في تحديد وضع القصص في الأدب العربي القديم، حوليات الجامعة التونسية، ع 32-1991، ص: 241
– نفسه ص: 275.
– فرج بن رمضان: الأدب العربي القديم ونظرية الأجناس، ص: 11.
– نفسه، ص: 8.
-نفسه، ص: 15.
– نفسه، ص: 15.
– نفسه، ص: 14.
– نفسه، ص: 63.
– نفسه ص: 52.
– نفسه، ص: 37.
– نفسه، صص: 103-106.
ـ خليق بالذكر والتنويه في هذا المقام ذلك النقد الذي لا تكاد تخلو منه دراسة معاصرة لنظام الأجناس العربية مداره على إبراز صبغته الاختزالية المقترنة بالهيمنة التي فرضها جنس الشعر على النظام النقدي والبلاغي القديم، بما يستتبع بيان “لا إجرائية” هذا النظام و”لاواقعيته”في توصيف المدونة الأدبية القديمة. لهذا الاعتبار كنا نرى في هذه “العودة الميمونة” من قبل المعاصرين إلى “تراثنا النثري” عامة والسردي خاصة، تحررا من المركزية الشعرية التي ارتهن إليها التفكير البلاغي العربي عبر تاريخ طويل من “زمن الشعر”.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع