أخر تحديث : الخميس 12 مارس 2015 - 8:41 مساءً

عتبة القول

ذة. أمينة الصيباري | بتاريخ 12 مارس, 2015 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_amina saibari

ماذا لو نسيت من أنت وواجهت الصباح بدهشة الآتين إلى العالم لأول مرة؟ يبهرك الشعاع الذي لم يفصح عن نواياه بعد. تثيرك رائحة الأرض. ويغمى عليك من المرارة وأنت ترشف فنجان القهوة لأول مرة. تحاول مرة أخرى. تضع مكعب السكر الصغير في الفنجان. تحرك. يصير المذاق مختلفا مع امتزاج الحلو بالمر. يثيرك شكل قطعة الشوكولا المكسورة. تشتهي أن تذيبها في محبرة وتشرع في وشم جسد العالم.
تسري في أوصالك حياة أخرى. تتضاعف فيولد فيك إنسان آخر. تستأنس برفقته. لم تعد وحيدا كما كنت. تُقلّب في الذاكرة عن تاريخ النكهة. لا تتذكر. ولا يتذكر الآخر. تحزن كثيرا.
ما جدوى الروائح إذا لم تمنحك تأشيرة سفر في كينونتك؟
تتذكر أنك جئت إلى العالم منذ برهة. تسجّل النكهة ومعها تاريخ اليوم والساعة. كيف؟ نعم تاريخ اللحظة. هل ينفع التسجيل خارج الزمن؟ تطمئن قليلا، لم تعودا وحيدين: أنت والآخر. أصبح ثالثكما الزمن. أو لنسمّه اللحظة الحاسمة. اللحظة الحدث.
تطرح على نفسك سؤالا بسيطا: هل اللحظة ضرورية ليكون الحدث؟ لأكون أنا؟ ليكون الآخر؟ لتكون نكهة القهوة؟ ليكون الوشم بالشوكولا ويكون الصباح؟
تفكر طويلا ثم تومئ بالإيجاب لنفسك. اللحظة ضرورية. لكن الأنا من أوجدها؟ تغمرك موجة كبرياء عارمة. تخترقك قوة غامضة بأنك تمتلك شيئا مهما. تكتشف أنك من يملك اللحظة.
أشتهي أن أفتح نافورة الحبر من جهة القلب وأغرقك بالغبطة أيها اليوم الحزين. أريد أن أرشقك بأغاني الربيع الحِسان حين يبللها المطر فيتقاطر من شعرها الندى على رخام العالم.
ببالي ألف شمعة وشمعة ليتولّع المشهد بالنور. ألف دمعة ودمعة لتغتسل الجنيات المعفّرة ببغاء الكون. أتبع خطوط يدي لتقودني إلى عروق يديك. تنتابني الرغبة في الدوران في الشرايين ولو استغل السفر ما تبقى من ارتعاش النبض. ألهو حين يسامرني الحرف على شفاه القصائد في الكروم أو في الثخوم أو في أي دغل لم تمسّه امرأة في جمجمتك.
لا أحبّ الطرق المعبدة. لا توصل أبدا إلى الروح. أسافر فيك. أقطع التذكرة من شباك في الرأس وأرحل. أرحل بعيدا حتى لا يبقى منّي إلا بحّة الناي وشرخ في علبة حليّ قديمة. أتيه في ملكوت العطور. أجاور أحياء الياسمين وأبيت في حدائق الليمون. ثم أسألك يا أنت: هل نموت في طريق الحرير أم نغرق في بحور الشعر؟!
كيف يقذف بي هذا الذهول المريب في مراياك المواربة؟ لا تُفتح تماما ولا تُغلق لتتجلّل فيها العتمة. مراياك يفتر عن ثغرها الياسمين وأنا سيدة تعبت من البياض.
أغمض عينيك فلا قدرة لي على السهر. قل لهما أن يتوقفا عن سكب القهوة فقد مللت اليقظة. بي سهاد العائدين من الحرب وصمت الفراشات الزرقاء. لا ترفع صوتك في وجهي ولا تنصب أغانينا المنسية. المقامات الهشٌة تتكسّر على وقع الهمس والأنامل المحترقة لا تهاب النار. أوقد شرارة المعنى في ركن أي مساء تنبت القصائد في شرفاته الخلفية ورتّل ترانيم الغجر القديمة. ربما يجود آخر الريح بزخّات الشِّوق…
أتلقّفُني قدر المستطاع كلما سقطت سهوا فِيّ. عادة ما يأخذني الشرود إلى البلاد البعيدة المغلّفة بالضباب والمقفلة بأبواب الخزامى. هناك حيث امرأة تشبهني ولا تشبهني تروي لي قصتي كأنها أنا كأنها أخرى تنحت الزمن ليتشكل رخاما. عجين سكّر. قطعة شوكولا. قارورة عطر. قصيدة تتبعثر…

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع