أخر تحديث : الخميس 12 مارس 2015 - 10:33 مساءً

الأثافي الثلات للتعليم المغربي

ذ. محمد الحساني | بتاريخ 12 مارس, 2015 | قراءة

طالما سال مداد حول المسألة التعليمية بالمغرب، وكم نظر له وكم أنفق من أموال الشعب عليه من الملايير، فهذا الميثاق الوطني للتربية والتعليم، وذاك الكتاب الأبيض، وهذا البرنامج الإستعجالي ويأبى الجميع الا أن يخلص في آخر المطاف إلا أنه لا حل وأن الأزمة وصلت مداها، وأن أم الحقائق أنه لا تعليم في بلادنا وأنه دوران في حلقة مفرغة مفرَّغة .في مقال سابق كتبناه في هذا الموضوع حيث سميناه «التعليم حالة الموت الإكلينيكي»، كانت الغاية أن نشير إلى هول ما وصلنا إليه ونحن ندرك تمام الإدراك أن مقالا مني أو من ألاف الأقلام لن يلتفت إليها القائمون على الشأن في بلادنا المسكينة، لأنه أصلا نحن لازلنا نعيش ونحكم بمنطق الرعية بالمعني العامي البسيط، لا نستحق صفة مواطن كما هو متعارف عليه عند باقي بني البشر من الدول التي تحترم نفسها وتحترم مواطينها لأنها تعرف جيدا أنهم الرأسمال الحقيقي الذي ينبغي أن يكونوا شغلها الشاغل. اليوم نعود مرة أخرى إلى الموضوع لنطرق أبواب نقاط أخرى شابها الكثير من المغالطات لأن الدولة لا تريد أن تعترف بالحقيقة المرة ،ألا وهي أنها المسؤولة بداية ونهاية عن هذه الفاجعة والكارثة وهذا التردي إلى أسفل سافلين الذي وصلت إليه هذه الواجهة المفصلية في حياة الأمم.

* تجريم رجال ونساء التعليم:
ولعل أول هذه المغالطات: التي تعمل وزارة السيد بلمختار تسويقها بعدما صدمتها تقارير المؤسسات الدولية أن يجعل لب مشكل التربية والتعليم بالمغرب هو رجل التعليم، كل التصريحات تضعه في قفص الإتهام ،وعجبي على بلد لا تستحيي أن تشوه صورة صانع الأجيال ومربي الأطفال، وعجبي على دولة تفعل ذلك بمن يقف له العالم إجلالا واحتراما تعمل دولتنا المحترمة على دفن رأسه في الطين والوحل. تعمل على ذلك دولتنا جاهدة مسخرة كل الوسائل حتى تصبح صورة هذا الأخير لاقيمة لها عند أولياء الأمور، تظن بذلك أنها صنعت جميلا وقدمت خدمة جليلة لأنها قدمت المجرم للرأي العام وفضحته، لا تدرك للآسف أنها بهذا تكون قد فقدت مصداقيتها وعرت عن وجهها اللئيم . ثأر الدولة مع التعليم والعاملين فيه ثأر قديم، لا ينبغي أن ينس المغاربة أن رجل التعليم كان دائما معبرا مناهضا، في الصفوف الأولى لكل آشكال الإستبداد والسياسات اللاشعبية التفقيرية ماديا ومعنويا لهذا الشعب المسكين، رجل التعليم هذا هو الذي كان المؤطر والمحرك للجاهير الشعبية إبان الإستعمار، كان بالإظافة الى دوره التنويري مقاوما من الطراز الأول . إن الجزء الكبير من رموز المغرب الذين وقفوا وقدموا الغالي والنفيس من أجل استقلال المغرب هم هؤلاء الذين تعيرهم الدولة الآن ،وترتكب في حقهم جريمة نكراء تستحق أن تحاكم عليها في كل منتديات العالم ومحافله، من من المغاربة لا يعرف العلامة المختار السيوسي، وعلال الفاسي والأستاذ عبد الله كنون صاحب النبوغ المغربي 1،والأستاذ المهدي المنجرة ،وثلة كثيرة ممن كانوا أصحاب فضل على الكثير ممن هم الآن في سدة الحكم يحاكمون رجل التعليم ويمعنون في إهانته، إنه لا يمكن أن ننسى أبدا عندما وصف الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله الأساتذة وجل رجال التعليم بأشباه المثقفين الملك الحسن الثاني رحمه الله في تصريحه للصحافي جان دانييل مدير “نوفيل أوبسرفاتور” يؤكد أنه لا يريد تعليم شعبه العزيز لأن من علمهم – والكلام للحسن الثاني- أصبحوا معارضين لنظام حكمه من الثوريين اليساريين والإسلاميين على حد سواء. في خطاب 29-03-1965 الذي وجهه الحسن الثاني رحمه الله بعد أحداث الثالث من مارس1965 ، الملك المسؤولية عما حدث لرجال التعليم فقال رحمه الله ” أتوجه إلى الأساتذة وأقول لهم إنه من عادة الرجال وعادة المثقفين بالخصوص أن تكون لهم الشجاعة الكافية للتعبير عن أفكارهم ، لا أن يستغلوا التلاميذ ، ولا أن يتستروا وراء الأطفال ” واختتم كلامه الموجه إلى شعبه العزيز بتحذير شديد اللهجة لرجال التعليم واصفا إياهم بأشباه المثقفين فيقول ” أقول لكم انه لا خطر على أي دولة من الشبيه بالمثقف ، وأنتم أشباه المثقفين ..وليتكم كنتم جهالا“.2 وضوح لا يحتاج الى توضيح لمن ألق السمع وهو شهيد، منطق يتكرر بوسائل أخرى في العهد الجديد.

* متدخلون كثر، وجعجعة ولا طحين:
: تلك بلية أخرى مما ابتلي به التعليم في هذا البلد، فأنت حينما تنظر إلى هيكلة وزارة التعليم تجد نفسك أمام كثرة الأسماء والمسميات ،لعلك لن تجدها في الصين الذي يبلغ تعداد سكانها المليار ونصف ،ولن تجدها في فيلندا التي تعتبر من أنجح التجارب التعليمية، فهذا الوزير وذاك كاتب للدولة للوزارة وهاتيك كتابة عامة، وأخرى مفتشية عامة وأولئك عشر مديريات مركزية وتحت كل واحدة منها تتفرع ابواب وأبواب ٣،نحن أمام هيكلة إذا اطلعت عليها حسبت أنك أمام تعليم قد بلغ عنان السماء وقارب الجوزاء، لكننا بتصريح أهل الدار ذوي الكراسي الفخمة في الوزارة ومدبروا هذا التعليم والمشرفون عليه بداية ونهاية، أمام تعليم هو نازل من درك إلى درك. فإن أضفنا إلى ذاك المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وهيكلته نزداد دهولا. إن المنطق الذي تتعامل به الدولة مع رجل التعليم هو أنه رقم تأجير وحوالة فقط من هذه الزاوية تنظر إليه ،نحن كذلك سنستعمل نفس المنظار قياسا على سابقه ،كم هو الرقم المالي الذي يكلفه هؤلا ء السادة الذين يشتغلون ضمن هذه الهيكلة، لن أبالغ إذا قلت بأنهم يكلفون خزينة الدولة ملايين الدراهم سنويا، هؤلاء بالنسبة للدولة لا يشكلون عبئا ماليا وكذلك لا تتابع الدولة إنتاجيتهم ،وهم من يخرج ليبشرونا بهاوية التعليم . خلط وخبط عشواء فهذا وزير التعليم يبشرنا بالمشروع المنجي في أفق 2030 ،وذاك المجلس الأعلى قد أوشك على الإنتهاء من صياغة تصوره ليعرضه على الملك، وذاك هو العبث بعينه وذاك هو تبدير أموال الشعب، فهذا يغرد هنا والآخر يغرد هناك وبعد هذا وذاك لانسمع إلا جعجعة ولا نجد طحينا.

* تعليم بمنطق أمني:
هذه واحدة من الحقائق الكبرى التي ينبغي أن يدركها هذا الشعب المسكين الذي تهرب أمواله وتغتصب ثروته خلسة دون حسيب أورقيب، بهذا المنطق وبهذه الرؤيا يصاغ مشروع التعليم فالمنطق الأمني هو الاستراتيجية العامة التي تدير بها دولتنا كل مفاصل الحياة وخاصة تلك المفاصل الدقيقة التي لها انعكاس مباشر على الواقع ومن اهمها إطلاقا التعليم، التعليم تنوير للعقول وتربية للنشئ وتهذيبهم على المعالي من الأخلاق والمبادئ فتكون المحصلة، مواطنا فاعلا متفاعلا مع الواقع تحكمه مبادئ وقيم ،مؤثرا متابعا ومنخرطا في الشأن العام له رأي ،مواطنا عزيزا بكرامته لا يقبل الضيم. لكن المنطق الأمني في دار المخزن يريد قطيع غنم ،وذهنية رعوية ،همة ساقطة وكرامة مسلوبة وأخلاق ممجوجة وجيلا وأجيال لا تعرف لها هوية، ولا تاريخ ولا انتماء، وتلك هي حصيلة التعليم التي لا يمكن لأحد أن يزايد عليها، بالمنطق الأمني التحكمي يساق التعليم ،إذ الغاية من وجود التلميذ بمؤسسته أو الطالب بجامعته ليس تلك المعاني والاهداف التي تحدثنا عنها سالفا، وانما هو إدخال هذه الألوف المؤلفة من أبناء الشعب وبناته في دوامة يومية، عملية إلهاء التلميذ والطالب فيها سجين والاستاذ فيها سجان فقط. ورب قارئ أو قائل قد يقول، لقد بالغت يا هذا ولم تترك في البياض بياضا وأنما جعلته أسودا قاتما، ظلمات بعضها فوق بعض، واقول للقارى الكريم إن طبيعة الحقائق أنها صادمة ،و بداية العلاج هو أن نصف الداء وصفا دقيقا مهما كانت مرارة المرض، ولذلك ليس الأمر أن نسود البياض فلسنا عدميين كما يحلوا للبعض أن يقول ،ولكن هي الحقيقة التي يعرفها أصحاب الكراسي الفخمة في وزارة التعليم، فنواب التعليم هم تحت وصاية عمال الأقاليم، ومديروا الأكاديميات تحت وصاية الولاة، والمدراء تحت وصاية القواد وهكذا قس على ذلك ما تبقى. اذا لم يصبح التعليم تعليما يحررنا من الاستعباد، يحررنا من الميوعة ،يعلمنا ويربينا أننا بشرلنا كرامة في وطن وان اغلى ما عندنا هي هذه الكرامة، أننا أحرار لا عبيد وأن الحرية تنتح الابداع وان الاستعباد والاستبداد يغلق مفاتيح العقول ويصد عن الابداع والانتاج ،إذا لم ينفك التعليم عن المنطق الأمني ،فانت امام سراب في سراب ووعود مآلها مزبلة التاريخ ليس إلا وما الميثاق الوطني للتعليم ليس عنا ببعيد، وما البرنامج الاستعجالي الذي مات من أول دخوله إلى قسم المستعجلات عنا ببعيد
خاتمة لابد منها:
لن يستقيم تعليم مادام المشروع السياسي العام للدولة لازال كما كان، فقرار التعليم قرار سيادي وليس استراتيجي ففرق كبير بين منطق التحكم ومنطق الاستراتيجيا، منطق التحكم سلطوي محكوم بميكانزماته الخاصة التي لا يعلمها إلا هو، ومنطق الاستراتيجيا منطق مؤسسات لها قرارها المستقل ،هذه واحدة، ولن يستقيم تعليم مع الحط من قدر رجل التربية والتعليم، وهذه ثانية. لن يستقيم تعليم الا إذا توفرت ارادة التعليم عند النظام السياسي دون ديماغوجية واستهلاك اعلامي، إذ لا يزال المشروع السياسي العام للدولة كما كان، فقرار التعليم قرار سيادي وليس استراتيجي وفرق كبير بين منطق التحكم ومنطق الاسترتجيا، منطق التحكم سلطوي محكوم بميكانزماته الخاصة التي لا يعلمها إلا هو، ومنطق الإستراتيجيا منطق مؤسسات لها قرارها المستقل. ولن يستقيم تعليم مع الحط من رجال ونساء التربية والتعليم، ولن يستقيم تعليم الا بتغيير عميق يلامس الواقع كله ،وإلا فهو دوران في حلقة مفرغة، من درك إلى درك جزء كبير من نتائجه بدأت صورته الكارثية تتكشف يوما بعد يوم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-1- النبوغ المغربي عمل أدبي كتبه الأستاذ السيد عبد الله كنون بدافع التأثر والشعور بفراغ ميدان الأدب العربي من الإنتاج الأدبي المغربي وجهل العرب ـ وحتى المغاربة ـ بالتراث المغربي في هذا الميدان
-2-عن موقع المغرب الملكي.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع