أخر تحديث : الأربعاء 25 مارس 2015 - 10:54 مساءً

آ وْلْدِي يا الْعْزِيزْ عْلِيَّ خْدَاتْكْ مْنيِّ الْكُلِّيَّة

جملية البوطي | بتاريخ 25 مارس, 2015 | قراءة

11058303_88

و نحن على مائدة الافطار بدات اخطط تارة مازحة و تارة اخرى متحدثة بكل جدية لتغيير افرشة المنزل معبرة لزوجي باني ضقت ذرعا بكل اثاته و اني احلم بان اغلق عيني يوما لافتحها من جديد على مفروشات جديدة معاصرة و مغايرة تماما لما يوجد من اثات في دارنا لاضفاء نسمة التجديد على حياتنا .
كان زوجي يومئ براسه يمنة و شمالا و يوحي لي بالموافقة على كل كلمة اقولها و البسمة لا تفارق محياه مما جعلني اقول له مدعية الاندهاش رغم معرفتي السابقة بالتمثيلية برمتها “رايتك هذا اليوم مسالما كحمل وديع و لم تعارضني حول اية كلمة او مقترح قلتهما وَاشْ الْمْسْلمْ حَاضَرْ وْ لاَّ شْنّو زَعْمَا هههههه”
اجابني بكل سلاسة “المسالة لا تخص لا مسلما و لا يهوديا كل ما في الامر اني اعمل بقولة الحاجة عيشة و التي ترددينها و التي تقول “لاَّ مَنْقُولاَشيِ وْ يِّيهْ مَنْشُحَّاشِي وْ الْكْلاَمْ اللِّي جَا عَبّاهْ الرِّيحْ …” فاردفت مضيفة ” وْ الله مَا كْدْبْتْ الله يْمْتَّعْها بْصْحِيحْتْها ”
لن اكذب ان قلت ان خَالْتِي عَيْشَة حاضرة معنا و بشكل يومي تقريبا اذ تجدنا مرة نستدل بقفشاتها و حكاياتها الحكيمة او نستشهد بحكمها الشعبية التي كانت تتلوها على مسامعنا بروح من الدعابة و المرح الذي لا نظير لهما .
كانت دوما بطلة اي مجمع حضرت فيه اذ تجد النساء يشرئبن باعناقهن لسماع كلامها في مجلسهن … كان كل كلامها الغازا محبوكة بحكمة ثاقبة و بلغة زجلية و لا اروع و لا اخف على الروح حتى اني لم ارى يوما ابي يضحك و الدموع تملا عينيه الا في حضرتها كنا نقول عنها امراة بالف رجل لما كانت تحمل كلمتها من كنوز لغوية و فكرية .

جملية البوطي

جملية البوطي

هي امراة لم تتلقى تعليما لكنها استثنائية بكل المقاييس كنت و في كل مرة ادخل الى المنزل عائدة من المدرسة و المح احذية كثيرة عند مدخل بهو منزلنا الا و اسال عن الضيوف لاحدد موقفي هل سادخل لالقي التحية او اصعد هاربة الى غرفة متواجدة بالسطح كانت غاصة بالكتب و المجلات عن اخرها اغرق هناك بين جبال الكلمات و انهار القصص و الحكايا الى حين ذهاب الضيوف الى حال سبيلهم لكن و ما ان كنت اعرف بان الزائرة هي خَالْتِي عَيْشَة الا و كنت اهم الى التسليم عليها و لا اغادر المجلس حتى عودتها الى منزلها ..فالجلوس بمعيتها ممتع و الاصغاء اليها مسل اكثر الى درجة تبعت على التساؤل كيف تستطيع هذه السيدة ان تثير اهتمام كل الرجال و اقصد كبار القوم في عائلتي اراهم ينصتون اليها و يتفاعلون مع حكمها و حتى انها كانت المراة الوحيدة التي تجسر على اقتحام مجالسهم دونا عن بقية نساء العائلة باكملها .
هي استثنائية و مبهرة و ام صديقة الطفولة و الشباب و الدراسة ..كنت اختلق الاعذار لازور بيتها و خاصة عندما كان المنزل يعرف ظروفا صعبة اواخر الثمانينات حين كان ابنها الوحيد متابعا بسبب نضاله ايام الجامعة … ما ان كنت اتجاوز عتبة المنزل حتى كانت نسمات الحزن تلفح قلبي و تجعل الدموع تنزل بغزارة و انا انظر اليها ذات يوم حزين و هي منكبة على كوي ملابس ابنائها و هي تردد مقطعا غنائيا كانت هي من ابدعته من داخل عمق ماساتها و دثرته بلحن حزين هو نفسه يذرف الدمع قائلة فيه آ وْلْدِي يا الْعْزِيزْ عْلِيَّ خْدَاتْكْ مْنيِّ الْكُلِّيَّة …
كان من الصعب علي ان اهضم فكرة هذا التحول الجذري من امراة مفعمة بالحياة و الحيوية و بسببها تبتسم كل الامهات رغم احزانهن و همومهن و يستسلم الرجال لقفشاتها رغم مستواهم الفكري الى انسانة محبطة محطمة و الدموع تملا عينين جميلتين صافيتين صنعتا الفرح و رسمتا البسمة على وجوه الكثير و خاصة افراد عائلتنا .
لا اتصورها الا مبتسمة حتى و ان كانت سياق الكلام جديا و باعثا على الحزن كان زجلها و حكمها الشعبية توحي بان هذا النوع من التعبير يتغلب على قساوة الحياة و على كل المشاكل و الماسي بكلمة جميلة خفيفة في نظمها عميقة في معناها …
التقيت بها اخر مرة في جنازة و تعمدت الجلوس بجانبها لانه يستحيل ان لا تجني شيئا و لو حكمة شعبية قديمة و انت تستمع اليها… كانت كل كلماتها شعرية بقافية موسيقية رغم انها كانت حزينة شيئا ما …فقالت لي بضع كلمات لم اتذكر سوى القليل منها و على سبيل المثال لا الحصر اذكر انها رددت على مسامعي حينها كلمات بليغة :
الله يْعْطِينَا الشَّبَاعة وْ القَنَاعَة وْ مَوْتَة بْلاَ مُتَابَعَة لْهْلاَ يْعَدّْبْ بِينَا مْخْلُوقْ وْ لاَ يْنْجّْسْ بِينَا خْرُوقْ و الله يْعْطِينا نْهَارْ صَافِي ومَا دَافِي وْ كفْنْ وَافِي …
تذكرت هذه الكلمات اليوم و انا اقدم العزاء في زوجة احد جيراننا و التي ماتت بعد معاناة مع مرض خبيث .
هكذا هي خَالْتِي عَيْشَة اتذكر مقولاتها سواء عندما يقرح قلبي او يفرح فسلام عليها و على كل الامهات المبدعات .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع