أخر تحديث : الخميس 2 أبريل 2015 - 7:40 مساءً

شباب على ضفاف المقاهي

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 2 أبريل, 2015 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_mouden_med

انتشرت المقاهي في المدن المغربية بشكل مهول، وتكاثرت تكاثر الطحالب والطفيليات على ضفاف البرك الآسنة، فتحت أبوابها وزينت واجهاتها لاستقبال ضيوف من فئة الشباب، وزبناء من نوع خص، يعيشون ظروف الغربة في وطنهم، ويعانون من انفصام الشخصية: الوعي والفراغ، الأمل والإحباط، يجترون خيبة الأمل ومرارة الضياع، ينتظرون في محطة اليأس الذي يأتي وقد لا يأتي، إنهم الشباب المغربي الذين تدفقوا في هجرة غريبة من المجتمع إلى الذات، ومن الواقع إلى الوهم، ومن الذاتإلى هامش العزلة والاكتئاب، ومن عشق الحياة إلى هوة الانتحار الجماعي والموت البطيء.

ضاقت المقاهي بآلاف الشباب، فأضافت إلى فضائها الضبابي الأرصفة، والمدى واللامحدود، لتستوعب المزيد من خريجي المدارس والمعاهد، والكليات والجامعات، والمنقطعين عن الدراسة، وكل الذين انسحبوا من مارطون البحث عن الشغل والوظيف، وليتجمهر على ضفافها شباب المغرب الجديد، وطاقاته المحنطة في علب البطالة، وصناديق التهميش، والمعروضة في سوق النخاسة، عساها تجد من يصدرها بأرخص الأثمان عبر قوارب الموت إلى السوق الأوروبية، التي تعرف جيدا كيف تستفيد من تلك الكفاءات المهملة.

على ضفاف تلك المقاهي يتجمع الشباب العاطل، يتصيدون الفرصة للهروب إلى الضفة الأخرى، حيث يوجد الأمل الضائع في وطنهم، وبالتالي الفوز بمنصب شغل في بلاد الغربة، إنها مقاهي تبيع بالجملة والتقسيط عقاقير الفراغ القاتل، وتذاكر الانتظار في محطات البطالة واليأس، توفر للشباب فضاء من الوهم، ينسجون من دخان سجائره أمالا تتلاشى عند غروب شمس كل يوم، وتمنح بالمجان رخص المتاجرة في الوعود الكاذبة، وعقود الهجرة “الحريگ” إلى الضفة الأخرى، إلى ما وراء البحر، وتنظم لهم في السوق السوداء، وفي دروب المتاهة سباقات في القفز على الممنوعات والموانع، من أجل الفوز بتأشيرة العبور إلى منصب شغل في الخارج، دون أداء الضريبة عن القيمة المضافة على مداخل النصب والاحتيال، وعن “أرباح” صفقات تهريب الكفاءات الوطنية للعمل خارج أرض الوطن.

وفي طنجة وفي البوغاز، في المضيق الفاصل بين عالمين: عالم الشغل والثراء، ودنيا البطالة والفقر، بين الضفتين يصطدم الحلم باليقظة، والخيال بالواقع، و”النجاة” بالضياع، والحق بالواجب، النتيجة مهولة وفظيعة، والعواقب جد وخيمة، فمات مئات الشباب، بل الآلاف، الباحثون عن لقمة العيش، المهضومة حقوقهم في العمل داخل وطنهم، الحالمون بحقهم في الحياة الكريمة، يغرقون بين أمواج البحر والمحيط، تلك كفاءات وطنية يقتلها اليأس، ويغرقها التهور، ويغتالها الإحباط.

على ضفاف تلك المقاهي يتناسل الشعور بالضياع، والخوف من المصير، ويتنامى الشعور بالظلم الاجتماعي، وتقوى الرغبة في العقوق، فتتولد لدى كثير من أبناء الوطن إرادة التسلل والإبحار إلى الضفة الأخرى، وعلى امتداد الضفتين تنشط التجارة في الوهم، ويغتني سماسرة “النجاة” والفيزا والعبور، وبينهما يتسع قعر البحر والمحيط لإقبار طموح أبناء المغرب الجديد، وعلى الشواطئ تقام الجنائز لشباب ملوا الانتظار والاعتصام، وحاولوا السير في الاتجاه المعاكس، والسباحة ضد التيار، من أجل الحصول على منصب شغل والرزق الحلال.
وفي غياب سياسة تنموية تشغيلية فعالة يظل شبابنا على ضفاف المقاهي يلتمسون فرصة العمل عند قارئة الفنجان، ويتصيدون تأشيرة العبور من برصة النخاسة، بعد تقديم أموالهم وأرواحهم ثمنا لسماسرة الفيزا والاغتراب، وأباطرة النصب والاحتيال.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع