أخر تحديث : الجمعة 22 مايو 2015 - 2:39 صباحًا

أكاذيب البخاري .. قراءة متهافتة

أكاذيب البخاري .. قراءة متهافتة | بتاريخ 22 مايو, 2015 | قراءة

abdellah_992333957

نظمت إحدى الهيآت ندوة علمية بمدينة العرائش حول الجامع الصحيح للإمام البخاري رضي الله عنه، فأثارت بذلك حفيظة أحد الكتبة، فدبج إلى حين كتابة هذه السطور مقالين اثنين، آخرهما بعنوان محاولة انتحار المعصوم، أكذوبة في صحيح البخاري، حاول من خلاله التوهين من مكانة الجامع الصحيح، وتذرع لذلك بعدة وسائل، ثم عرّج على قضية من قضايا السيرة، وهي هَمُّ النبي صلى الله عليه وسلم بالانتحار في بداية البعثة، وهو ما سنتناوله من خلال الملاحظات واللمع الآتية :

** قراءة التراث :

لا يكاد ينكر عاقل ضرورة إعادة قراءة تراثنا قراءة متأنية فاحصة، وهو ما نتبناه وندعو إليه، ونثمنه إن صدر من ذويه وأربابه، بشرط مراعاة السياق المنهجي العام، وهو إيثار الحديث عن ذلك في اللقاءات الخاصة، دون نثره ونشره بين العامة، وقد وقع في تاريخنا تناول القضايا الكلامية في شتى المجالس، وهو ما كان يشوش على البعض، فنبههم مفخرة الأمة الإمام الغزالي رضي الله عنه إلى ضرورة [إلجام العوام، عن علم الكلام]، لأنه مبحث تخصصي، وهو ما لم ينتبه إليه صاحب المقال المذكور، حيث تناول فيه قضايا تخصصية دقيقة، مثل المعضل والمقطوع والبلاغ وغير ذلك مما لا يتقنه إلا ذوو الاختصاص.

** تبخيس الآخر :

عمد الكاتب من خلال مقاله إلى تبخيس أي شخص يخالفه في رأيه، ولا يحط من قيمة الجامع الصحيح، ولو تناولنا مقاله وقمنا بدراسته دراسة معجمية، لتبين لنا بالملموس صحة ما نقول، لذلك تجده يغمز في قناة مخالفيه فيسميهم أحيانا “مقدسو الصحيحين”، وأحيانا “متعصبة البخاري”، و”السذج”، وأن العلماء “يهرفون بما لا يعرفون”، وأنهم لا يمارسون البحث والدراسة إلا انطلاقا من “العاطفة والتعصب”، وينافحون عن الجامع الصحيح اعتمادا على “التبريرات السفيهة”، بل إنهم آثروا الجامع الصحيح ومكانته، وقدموه على مقام النبوة “فداسوا عصمة النبي”، وإذا عارضهم معترض ألصقوا به “التهم الخرقاء”.

ولم يسلم من تسفيه الكاتب وتبخيسه أحد، فالتابعون رضي الله عنهم “سذج” انطلت عليهم ألاعيب اليهود وحبائلهم، والمتقدمون عموما “أضعف منا عقولا، وأقل ذكاء وفطنة”، ونظرا لهذه السذاجة، فإن عقل الإمام الزهري كان مغيبا أو مفقودا، لذلك تجده يسأل : “فأين كان عقله ؟”.

ثم استرسل الكاتب في إطلاق الكلام غير العلمي في موضوع يجب أن يرقى صاحبه إلى أعلى درجات العلمية، فقال عن الإمام الذهبي : “أعْمَت جلالة الصحيح هذا الإمام”، أما البدر العيني شارح البخاري فهو في نظر الكاتب صاحب “الفهم السقيم”، ولم يسلم الحافظ ابن حجر من سهام الكاتب، فوصفه بأنه “مخطئ مقصر في البحث”، واتهمه في منافحته عن الجامع الصحيح بالتعصب المذهبي، لأنه “شافعي على مذهب البخاري”، ونظرا لهذا التعصب، فإنه كثيرا ما “أخطأ في التوجيه والتقدير”، ومن كان هذا وصفه ونعته، فإنه حتما أبعد ما يكون عن الحس النقدي، ولا يستحق أن يتبوأ مكانته المرموقة في علم الحديث، وهو ما أفادنا إياه الكاتب، حيث أجمل علاقة الحافظ ابن حجر بالجامع بقوله : “لكن هيبة الصحيح تعشي الأبصار، وتوقع في الأخطار”، فما الحافظ ابن حجر إلا أعشى يخبط خبط عشواء حسب الكاتب.

هذه بعض عبارات الكاتب وإطلاقاته، كان الهدف منها تبخيس كل مخالف واستصغاره، حتى إذا خَلا له الجو، فإنه سيتوجه إلى الإمام البخاري بمدفعيته الثقيلة، وهو ما فعل.

** البخاري : الإمام والكتاب.

أ – من هو الإمام البخاري ؟

لا يكاد يذكر المنصفون الإمام البخاري إلا بأوصاف الإجلال والإكبار، نظرا لجهوده في خدمة الدين الإسلامي عموما، وخدمة السنة المطهرة على وجه الخصوص، فهو إمام هذا الفن بلا منازع، وله تتلمذ الخلَف أجمع، ونظرا لدقته وتحريه، بل وتشدده في ذلك، أعطت الأمة لجامعه مكانته اللائقة به، فاعتنى العلماء به على مر الدهور، حفظا ورواية ونسخا وتلخيصا وتدريسا وشرحا، وشُدّت لذلك الرحال إلى أقاصي البلدان، ومن عظيم العناية به، أن كثيرا من النساخ كانوا يعمدون إلى تجميل نسخه وإيلائها مزيدا من الرعاية والاهتمام، كما يظهر من خلال المخطوطات المتوافرة في المكتبات العامة والخاصة.

هذه العناية الفائقة، أراد كاتب المقال أن يهدمها من نفوس عامة القراء ببضع كلمات، فقال عن الإمام المصنِّف أنه “بشر يخطئ ويقلد ويغتر مهما كابرتم”، وبالتأمل في هذه العبارة، نجده ينص على بشرية الإمام، فهل قال أحد من الأمة بنقيض ذلك ؟ وأي جديد جاء به الكاتب غير تسويد الورق ؟ أم أن المراد والغرض من العبارة هو وصف إجلال البخاري وإكباره مكابرة ليس إلا ؟

وبما أن التكرار يؤدي إلى الاستقرار، فلم يجد الكاتب بدا من تكرار ما يفيد بشرية الإمام، فقال عنه : “البخاري يسمع الحديث الطويل، فيسيء فهْمَ بعض معانيه”، ثم إنه “كان بشرا، يتعرض للنسيان”، وهناك “نماذج تؤكد بشرية الرجل : نسيانه وخطأه وسوء فهمه للمعنى”، ولو طرحنا على القارئ العادي سؤالا عن الإمام البخاري بعد قراءته لهذا المقال، لما تعدى جوابه الآتي : [البخاري بشر، سيء الفهم]، ولن يزيد عن هذا الحد.

وللإيغال في التنقيص من مقام الإمام البخاري، حاول الكاتب إيهام القراء أن الإمام يعظم سلاطين بني أمية أكثر من تعظيمه للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال : “ألم يكن مقام النبوة أولى بالصيانة من منزلتي معاوية ومروان ؟”، وذلك لأن الإمام أبهم اسميهما في بعض الروايات، وأورد رواية من بلاغات الزهري تتضمن همّ النبي بالانتحار.

ب – الجامع الصحيح :

وإذا تمكن الكاتب من نسف شخصية البخاري، وإظهاره مظهر الشخص العادي الذي لم يأل جهدا في تنقية السنة وخدمتها، فإنه يلتفت إلى الجامع الصحيح، فيؤكد أنه مليء بالأكاذيب، ينقدح ذلك في ذهن القارئ منذ العنوان “أكذوبة في صحيح البخاري”، وكرر في ثنايا المقال عبارة “الأكذوبة” و”الخرافة” مرات عديدة، والهدف من هذا القصف اللغوي المتكرر تبخيس الجامع الصحيح والحط من قدره واستقرار ذلك في نفسية القارئ، ليبين أن المصنَّف مليئ بـ”العيوب”، و”أنه محشو بمائات المعلقات والبلاغات الضعيفة، ويختصر المتون”، ولم يكن الجامع الصحيح بهذه المثابة إلا لأن الإمام التزم “الأمانة العلمية الساذجة”، ثم يطرح سؤالا إنكاريا : [هل يصح أنه استفرغ كل جهده في دراسة مرويات صحيحه سندا ومتنا ؟]، وهو سؤال يُفهمنا من خلاله الكاتب أن البخاري لم يكن متحريا ولا دقيقا، وأن تصنيفه للجامع كان فسحة وترفا فكريا ليس إلا، لذا لا يمكن أن يحظى بما يحظى به عند العامة والخاصة، ولأن الكاتب يؤمن بنظرية القصف اللغوي وأهميتها، فإنه يكرر السؤال في موضع آخر بقوله : [فهل تزعمون بعد الآن أنه كان يدقق في كل رواياته ؟].

هذه عبارات الكاتب، أوردتها بنصها دون زيادة أو نقص، لكيلا أفتري عليه أو أُتَّهَمَ بسوء الفهم مثل ما اتُّهِم به الإمام البخاري، وهي كلمات وعبارات تدل على بُعد صاحبها عن ميدان البحث العلمي ومناهجه، مع أنه يطرق مبحثا لا يستطيع ولوج رحابه إلا البزْل القناعيس.

** استمالة القارئ :

قد يفلح الكاتب في ترسيخ بعض مقولاته في أذهان القارئ، لكن بعض القراء قد يشمئزون من بعض عباراته التي أوردت بعضها، لذا، تجده مضطرا لإقناعهم بأي وسيلة ولو بعدت عن مناهج العلم، فتجده يتوسل بالقسم واليمين، فيقول : “وهذه آيات تجعلنا نقسم بأغلظ الأيمان أن تلك الرواية كذب وبهتان”، ثم يقسم ثانية بقوله : “كلا ورب الكعبة”، فأي منهج علمي هذا ؟ لقد عهدت من الباحثين أن ينتصروا لوجهات نظرهم بالدليل والبرهان، ولم أعهدهم يفرضون رأيهم بالقسَم والأيمان.

ثم عمد أكثر من مرة إلى تضعيف الحديث بما أسماه “معايير علم النفس”، وذلك لدغدغة عواطف القراء، بدعوى أن حديث البخاري مخالف لما عليه العلوم الإنسانية، ثم يبين لهم أن العلماء مجرد جماعة من الكذابين، وأنه الصادق في قوله وبحثه، فقال : “فلا تكذبوا على الأمة، وتزعموا أن أقوال المتقدمين هي المعتمد”، ولكي ينفر القارئ البسيط من رواية الزهري وصفها بأن مضمونها “مضمون شيطاني”، وهي عبارة يحاول من خلالها التأثير على القارئ ليس إلا، حتى إذا حقق بغيته، استعرض عضلاته على القراء بقوله : “فتسقط الرواية علميا ولو خرجها البخاري بسند نظيف، لأن القاعدة الحديثية تقول : إذا خالف الحديث صريح المعقول، أي العلم والعقل، فهو منكر مرذول. ومن نسب نفسه إلى معرفة علوم الحديث والأصول، ثم أنكر وجود هذه القاعدة، فهو كذاب أو معاند جهول، يحسن به أن يعلف الفول والبقول”.

آه على [الفول والبقول] والجامع الصحيح كيف اجتمعا واقترنا !!

وبما أنه لا يوجد من يعارض هذه القاعدة، فإن كلام الكاتب لا يعدو أن يكون جهادا في غير عدو.

** الاستعلاء :

لم يعمد الكاتب إلى تبخيس مخالفيه، إلا لاعتداد بنفسه، وتضخيم لأناته، ومن كان كذلك، فإنه لا يجد غضاضة إلى تسفيه غيره، ووصفهم بأنهم “السذج” حقيقة لا مبالغة، ومن وصف غيره بهكذا أوصاف، فمن يكون هو ؟ لا جرم أنه من أعقل عقلاء الأمة، وهو ما صرح به حين قال : “وإذا لم تكن لكم رغبة في تحرير عقولكم من وهم عصمة أحاديث البخاري، فالعقلاء [والكاتب منهم لا محالة] غير مستعدين لمجاراتكم في الحماقة والهبل”.

وإذا كان الكاتب بهذه المكانة السامقة المرموقة، فلا غرو أن ينبه القراء إلى السذج الذين يعطلون عقولهم ولا يستعملونها، ومنهم الإمام الذهبي رحمه الله تعالى الذي قال في شأنه : “ولو استعمل جزءا ضئيلا من عقله، لرأى استحالة ..”، هنا بلغ التعالم والاستعلاء منتهاه.

** همّ النبي بالانتحار :

روى الإمام البخاري في كتاب التعبير عن الإمام الزهري بلاغا و”فَتَرَ الوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا بَلَغَنَا، حُزْنًا، غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُؤوسِ شَوَاهِقِ الجِبَالِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ، وَتَقِرُّ نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ”.

وهذه الرواية لم يقل أحد بصحتها، لأنها مفتقرة إلى شرط أساس من شروط الصحة، وهو اتصال السند، وتضمين البخاري لها في مصنفه لا يقدح فيه، كما أنه لم يلتزم بالصحة إلا في المسند المتصل، أما البلاغات والمعلقات فلم يدّع ذلك، ولم يلتزم به، فماذا اكتشف الكاتب حتى يتطاول ويتعالم ؟

حديث بدء الوحي رواه المصنفون عن أمنا عائشة رضي الله عنها وعن سيدنا جابر، والأول أدرج فيه المصنفون ومنهم البخاري بلاغ الزهري، وقد اعتنى العلماء بهذا الحديث شرحا وتعليقا، بل أفردهما بالتصنيف أبو شامة المقدسي رحمه الله في “شرح الحديث المقتفى، في مبعث النبي المصطفى”، فهل همّ النبي فعلا بالانتحار ؟

لم يثبت ذلك عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسند الصحيح المتصل، لذلك لا يمكن الجزم به، ولكن، هل نجزم ببطلانه وكذبه ؟

تقرر أن الحديث المتواتر مقطوع به، أما الحديث الصحيح فلا يفيد إلا الظن الراجح، وكلما تدنى الحديث في الصحة كلما نقص الظن، ومن ذلك قرر العلماء أن الحديث الضعيف – ومنه حديثنا هذا – غير مقطوع بكذبه وبطلانه، فبنى الفقهاء كثيرا من الأحكام الفقهية على أحاديث ضعيفة، ولم يشذ منهم في هذا التوجه إلا قلة قليلة من العلماء، لكنهم خالفوا الجمهور على مستوى التنظير، أما على مستوى التطبيق فإنهم اعتمدوا على الحديث الضعيف في أكثر من موضع، لذا نقرر مطمئنين أن العمل بالضعيف وقع عليه الإجماع العملي.

وإذا تقرر أن همّ النبي بالانتحار ضعيف غير موضوع ولا مكذوب، فيحق لنا أن نتساءل، هل ذلك من قبيل الممكن والجائز ؟ أم أنه مستحيل في حق النبي لانتفائه مع العصمة ؟

لم يتردد الكاتب في أن ذلك محال في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وتناول ذلك من خلال عدة مسائل، سأتطرق إلى بعضها مع التعليق عليها :

أولا : “محاولة الانتحار تعني الإصابة بالحمق والجنون”، وهذا كلام مرسل لا حظ له من الصواب، إذ كثير من العقلاء من المفكرين والأطر السامية في أكثر من قطر ودولة أقدموا على الانتحار لسبب من الأسباب، وهذا وحده دليل في نقض مقولته، وأن الانتحار ليس مرتبطا بالحمق والجنون.

ثانيا : حاول الكاتب أن يبين التناقض الواقع بين حديث جابر وبلاغ الزهري، وذلك لأن الأول ليست فيه أي إشارة لحزن النبي بسبب انقطاع الوحي، كما لا يتضمن التفكير في الانتحار أو محاولته، وهذا تناقض متوهم، لأن التناقض لا يثبت إلا إذا تم التصريح في حديث جابر بفرح النبي وسروره، وبما أنه لم ينص لا على الفرح ولا على الحزن، فإنه لا تناقض ألبتة، لذا كان بلاغ الزهري متضمنا لزيادة على حديث جابر، وليس متناقضا معه.

ثالثا : أورد الكاتب أن فترة الوحي بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم راحة وفسحة، وهذا مخالف للواقع، لأنه في بداية أمره كانت هناك صعوبات في اتصال بشرية النبي بالوحي المرتبط بالألوهية، لذلك كان النبي يرتجف ويقول “زملوني زملوني”، والوحي الذي تلقاه النبي صلى الله عليه وسلم وصفه رب العزة بقوله : “إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا”، ولم يقل : سنلقي عليك فسحة وراحة كما ادعى الكاتب الموقر، لذلك كان يأتيه الوحي بطرق متعددة، منها صلصلة الجرس وهو أشده عليه كما صرح بذلك صلوات ربي وسلامه عليه، ومع ذلك يقول الكاتب إنه كان فسحة !! وكان يتلقى الوحي فيتصبب عرقا في اليوم الشديد البرد، وأنا لا أعرف الفسحة هكذا.

رابعا : ادعى الأستاذ أن العزم على الانتحار والهم به لا يقوم به إلا من استولى الشيطان على قلبه ووعيه، وذلك محال في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وبنى على هذه المقدمة نتيجة أخطر، وهي أن من تسلط عليه الشيطان مرة واحدة فإن نبوته تحتاج إلى إثبات، وهذا الكلام يوهم القراء أن علماء الأمة لم يقوموا بواجبهم تجاه النبوة والرسالة، وهذا خطأ من وجوه :

1 – الهم بالانتحار والإقدام عليه لم يكن معصية محرمة حينها، حيث لم يوجد نص محرم في تلك الفترة، وقرر العلماء أنه لا تحريم إلا بنص، فهل هناك نص قرآني في سورة العلق أو غيرها من الآيات التي نزلت حينئذ يحرم الانتحار ؟ ومن ادعى تحريم الانتحار في تلك الفترة فعليه بالدليل. ومثال ذلك تحريم التبني الذي ورد متأخرا، وكان قبل ذلك النبي متبنيا زيدا، فهل يعتبر النبي عاصيا ؟ وهل يكون عاصيا بأثر رجعي ؟ معاذ الله. أستغفر الله.

2 – الانتحار كان في شرع من قبلنا، بل كان وسيلة للتوبة عند بني إسرائيل بعد عبادتهم العجل، ” فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ”، لذلك كان عَدُّ قتل النفس من باب تسلط الشيطان أو الجنون، مجرد كلام لا عبرة به.

3 – على فرض صحة الرواية، وعلى فرض تحريم الانتحار في تلك الفترة، فإن النبي لم يفعل، بل همّ بالفعل، والهمّ لا يخدش العصمة، والأنبياء غير مؤاخذين به، لذلك همّ يوسف بالمعصية تحقيقا لبشريته، لولا أن رأى برهان ربه، فلم يفعل تحقيقا لعصمته ونبوته.

** خاتمة :

ختم الكاتب بحثه بقوله : “ثبت بالقواطع الشرعية أن محاولة الانتحار محال في حق المعصوم …”، وقد بحثت في المقال جاهدا عن “القواطع الشرعية” فلم أجدها، نعم، وجدت كلاما مرسلا، وجدت تسفيها للآخر المخالف، وجدت استعلاء وتضخما للأنا، وجدت تنكبا عن منهج البحث العلمي الرصين، وجدت أيمانا مغلظة لإقناع القارئ، … فهل هذه هي “القواطع الشرعية” التي تُبنى عليها البحوث والدراسات العلمية ؟ وهل بمثل هذه المقالات ننخرط في تنقية تراثنا وتصفيته ؟

نعم، نحن لا نجازف فنقطع بصحة همّ النبي بالانتحار، كما لا نقطع بتكذيب ذلك، ولا نقطع باستحالته ما دام أن توجيه ذلك لا يمس عصمة النبوة في شيء، كما لا نسفه مخالفينا عسى أن يكونوا على صواب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

* خريج دار الحديث الحسنية

abdellah4144@hotmail.fr

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع