أخر تحديث : الثلاثاء 26 مايو 2015 - 7:45 مساءً

“الفن الحرام”

سليمان الريسوني | بتاريخ 26 مايو, 2015 | قراءة

raissouniune_354122726

غلب “الفنانين” الذين يُقدِمون على “التوبة من الفن” أو يَعـِدون جمهورهم بذلك، هم الأكثر إنتاجا للقبح في موضوعٍ مادتـُه الجمال! فليس هناك في العالم -عدا العالم العربي والإسلامي- مبدع يُكرِه نفسه على إسعاد الناس، مع أنه لا إكراه، حتى، في الدين!

ففي بلداننا العربية والإسلامية، وحدها، يمكن العثور على فنان يقول إن أهم مشروع فني يشغل باله مستقبلا هو ترك الفن والذهاب إلى بيت الله الحرام للبكاء والدعاء والتوبة النصوح مما اقترفه في غنائه وتمثيله من ذنوب، أو ترك الفن والانتقال إلى الجبهة لقتال “الكفار”، في حرب طائفية بين مسلمين ومسلمين؛ فبعدما ينتهي من قتل الأفكار والقيم الراقية في جزء كبير من جمهوره، باسم الفن، ينتقل إلى القتل المادي لهم باسم الدين؟

ثمة سوء فهم كبير: هل الفن حرام أم إنه -كما قال بعض المشايخ- يشبه الكأس التي يمكن ملؤها بالحلال ويمكن ملؤها بالحرام، أم إن الفن يملك ميكانيزماته الإستيطيقية التي تتجاوز منطق الحلال والحرام إلى استيعابه بمنطق مقاصدي وبالشكل الذي يمكننا معه القول: “أينما كان الجمال فثمة شرع الله”، وضمنيا: شرع الله والقبح لا يلتقيان؟

ما دفعني إلى طرح هذه الأسئلة هو النقاش الذي أثاره فيلم نبيل عيوش الأخير: “الزين اللي فيك”، والمرشح لمزيد من التصعيد، بعدما وضعت إحدى الجمعيات شكاية أمام القضاء ضد مخرجه وبطلته، بتهمة “التشجيع والتحريض على الدعارة من خلال كسب النقود والمتعة مع الخليجيين”، وتضمين حوارات الفيلم “الكلام النابي والساقط التي تتلفظ به الممثلات والذي كان له تأثير سلبي على المراهقات والأسر المغربية بصفة عامة”.

لا يمكنني أن أخوض في نقاش هذا العمل السينمائي لأنني لم أشاهده، وإن كان هذا لن يمنعني، لاحقا، من مقاربته موضوعاتيا، أكثر منه سينمائيا، لأن أي عمل فني هو منتج، بالضرورة، لأفكار وموضوعات. أما ما يهمني الآن فهو ردود أفعال بطلة الفيلم، لبنى أبيدار، التي ظهرت، بعد عرض الفيلم في مهرجان “كان”، تقول، في تصريح مصور على إحدى قنوات “الويب تيفي”، إنها ستعتزل وتتوب “توبة نصوحا” بعد خمس أو ست سنوات. ولماذا؟ “لأنني أحس بالذنب وبتأنيب الضمير”، تضيف.

هكذا تنضاف لبنى أبيدار إلى جوقة الفنانين الذين يريدون الزبدة وثمن الزبدة، أموال الفن في الدنيا والجنة في الآخرة: عبد الهادي بلخياط العائد بلحيته المسدلة إلى منصات مهرجان موازين الذي “يُحَرّمُه”، سياسيا واقتصاديا وفنيا، حتى العلمانيون؛ ولطيفة رأفت، التي قالت إنها كانت قد قررت اعتزال الفن إرضاء لله، لكنها استمرت في الغناء إرضاء للملك.

بعيدا عن أي حكم قيمة على فيلم عيوش، وتشخيص أبيدار، وغناء رأفت وبلخياط والداودية.. كيف يمكن لمبدع يكره إبداعه ويعتبره ذنبا وفعلا حراما يجب أن يتوب منه ورجسا سيأتي اليوم الذي سيتطهر فيه منه.. كيف يمكنه أن يساهم في الارتقاء بذوق وفكر جمهوره الذي يهيم به؟ أليس مشهد الممثلة لبنى أبيدار، وهي تعِد جمهورها بـ”التوبة النصوح”، بعد أدائها دورَ “العاهرة” في فيلم عيوش، يوحي بأن لا فرق بين الممثلة والشخصية التي مثلتها: لا فرق بين “الممثلة” و”العاهرة”.

لقد تعمدت وضع كلمتي “ممثلة” و”عاهرة” بين مزدوجتين، كما فعلت في بداية المقال مع كلمة “فنانين”، وذلك لقناعتي بأن الخلل لا يكمن في الفن في حد ذاته، بل في نوع من الفنانين الذين وجدوا أنفسهم، صدفة، في الأوساط الفنية -كما قد تجد المومس نفسها، في ظروف معينة، في أتون العهر- لمجرد أن ملحنا أو مخرجا اكتشف، فجأة، أنهم يملكون صوتا أو جسدا يؤهلهم لتأدية هذا اللحن أو ذاك الدور، وبدلا من أن يطوروا ثقافتهم عن المجال الذي قـُذِفوا إليه، ظلوا رهيني من يدفع أكثر من الملحنين والمخرجين، وأحيانا السماسرة، شأنهم في ذلك شأن الشعراء المداحين الذين يتغنون أكثر بمن يدفع أكثر، لذلك تجدهم أول من ينقلب على فنهم ويقولون: ما كنا نقدمه من أعمال هو “فن حرام”.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع