أخر تحديث : الثلاثاء 9 يونيو 2015 - 11:01 مساءً

أخلاق الشرِكات

سليمان الريسوني | بتاريخ 9 يونيو, 2015 | قراءة

salman_raisoni

مرت زيارة ديكتاتور مصر لبرلين وسط رفض وغضب واسعين. السيسي، وككل الديكتاتورات العرب، يعرف أن شريعة الغرب البراغماتي في التعاقد مع أمثاله هي المصالح، لذلك فهو يربط استمراره في الحكم بوضع إمكانيات المصريين، الطبيعية والبشرية والمالية، أمام هذا الغرب حتى يغض الطرف عن فظاعاته.

السيسي، وعلى هَدي الديكتاتوريات العربية الداعمة والملهمة له، يعرف أيضا أن الغرب البراغماتي الحاكم مطوقٌ بالكثير من الأخلاقيين: سياسيون يساريون، وحقوقيون، وإعلاميون، ومثقفون،… لا يخشون في الحق لومة لائم، لذلك تجده يقبل، مكرها، أن يرشّه بُصاق هؤلاء الأخلاقيين على أن يشمله غضب رؤسائهم وقادة جيوشهم ومخابراتهم.

فأن يرفض رئيس البرلمان الفيدرالي الألماني، نروربرت لامارت، استقبال السيسي، هو أمرٌ لا يضير الديكتاتور المصري، كما قد يحرج حاكما انتخب ديمقراطيا، فالسيسي وصل إلى الحكم عبر انقلاب عسكري، فنصب المشانق للرئيس الذي كان يشغل تحت إمرته منصبَ وزير الدفاع، ثم شد الرحال إلى إحدى كبرى الديمقراطيات الأوربية ليقول لسياسييها: أنا لا يهمني أن تنعتني صحافتكم بالجنرال الدموي أو يقول برلمانكم إنني لست ديمقراطيا، لأنكم، أيضا، لا يهمكم أن تقول عنكم شعوبنا إنكم ترمون قيمكم خلف مصالحكم.

لقد نكثت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، وعدها السابق بألا تستقبل ديكتاتور مصر إلا بعد إجراء انتخابات برلمانية، من أجل عيون صفقة لفائدة إحدى كبرى الشركات الألمانية، قد تصل إلى 10 ملايير أورو، ومن أجل تصدير محطة ألمانية لتوليد الطاقة إلى مصر، وقد وصفت “دير شبيغل”، المجلة الأكثر حضورا وتأثيرا في ألمانيا، استقبال ميركل للجنرال السيسي، دون قيد أو شرط، بكونه “خيانة للقيم الألمانية من أجل صفقات بالمليارات”.

لكن، هل العواصم الغربية وحدها من تتخذ قراراتها بناء على أجندة شركاتها الكبرى، ضاربة عرض الحائط بصوت برلماناتها وضمائرها الحية؟ لا، فحتى العواصم الشرقية، التي طالما نعتت بكونها عاطفية ومهملة للغة المصالح، تعلمت أن توقع اتفاقيات تجارية بنفس اليد التي وقعت بها إعلان الحرب على نفس الشريك الاقتصادي؛ فقبل شهرين من الآن، سارع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى زيارة طهران، تاركا خلفه المستنقع السوري والعراقي الذي لم يتوقف عن اتهام إيران بالتورط فيه للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط.

ومثلما قالت أنجيلا ميركل إنها عبرت للسيسي عن استيائها من أحكام الإعدام في مصر، دون أن تقول لنا إنها قيّدت تنفيذ الاتفاقيات الاقتصادية بين ألمانيا ومصر بتوقف السيسي عن تسخير قضائه ومؤسساته الدينية لإعدام معارضي انقلابه، قال لنا روحاني إنه تطرق مع أردوغان إلى الأوضاع في سورية والعراق واليمن وفلسطين، وإنهما اتفقا على ضرورة إنهاء الحرب ووضع حد لإراقة الدماء في أسرع وقت ممكن، فعاد أردوغان إلى أنقرة باتفاقيات بالملايير في مجال الطاقة وغيرها، ولم يعد بأي خطة إجرائية لإيقاف الدم في سوريا والعراق واليمن… هكذا ستستمر إيران وتركيا في تبادل المصالح والأدوار، ويستمر السوريون والعراقيون واليمنيون في تبادل النار والدم والدمار بأسلحة إيرانية وتركية…

عندما قرأت ما كتبه رئيس البرلمان التركي، جمال حشمت، على صفحته بالفايسبوك، منوها برفض نظيره الألماني، نروربرت لامارت، استقبال السيسي، وواصفا موقفه بكونه “موقفا أخلاقيا وشجاعا”، تساءلت: ما قيمة مثل هذه المواقف الأخلاقية، الصادرة عن رئيس برلمان ينتمي إلى نفس حزب المستشارة الألمانية، إذا لم يكن بمستطاع “الموقف الأخلاقي والشجاع” إلزام ديكتاتور مصر بوقف شلال الدم؟

إن العالم يعيش اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحت وطأة الشركات الكبرى التي توجه مواقف السياسيين حول البيئة والصحة والغذاء.. كما تحدد قراراتهم عن الحرب والسلم، فتخلق الأزمات والتوترات، وتتحكم في الإعلام والفن والثقافة، بل وتمول حتى بعض المسيرات ومنتديات الاحتجاجات الاجتماعية. إننا محكومون بأخلاق شركات لا أخلاق لها إلا مصالحها.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع