أخر تحديث : الخميس 2 يوليو 2015 - 6:17 صباحًا

ردا على رشيدة أحفوظ ـ الجزء الثاني ـ

خليل المودن | بتاريخ 2 يوليو, 2015 | قراءة

11420286_4Mouden

فقد كنت نشرت ردا على مقال الأستاذة رشيدة أحفوض بينت في الحلقة الأولى بعض الأخطاء الشكلية ووعدت آنذاك بأنني سأتحدث في الحلقة الثانية عن الأخطاء الموضوعية التي وردت في المقال المذكور وها أنا ذا أوفي بوعدي كما قال القائل
وها أنا أتممت ما قصدت وقد وفيت بالذي وعدت 1)
فأقول وبالله التوفيق:
إن سؤالك هل عدم ذكر شروط الذكورة جاء من باب أنه لم تكن مطروحة إشكالية ولوج المرأة المغربية مهنة العدل وان الفقهاء اعتبروا شرط الذكورة أمرا بديهيا لا ضرورة للتنصيص عليه… أم أن سردهم دقائق الشروط في العدل الموثق وإغفالهم شرط الذكورة أمر مقصود غايته الإباحة 2)
أقول للأخت الفاضلة: إن هذا السؤال كان بإمكانك أن توجهيه إلى المسؤولين في وزارة العدل؛ لأنه ينطبق عليهم تمام الانطباق.
أما من حيث الفقه المالكي فقد نص علماؤه جميعا على شرط الذكورة في تلقي الإشهاد فعلى سبيل المثال ما ذكره إبراهيم ابن فرحون في كتابه تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام فقد نص على ما يلي (القضاء بشاهدين عدلين ذكرين حرين وذلك في النكاح والرجعة والطلاق والإسلام والردة والنسب والجرح والتعديل3) بالإضافة إلى ورود ثلاث آيات في القران الكريم تشترط الذكورة في تلقي الإشهاد.
أما قولك إن إغفالهم شرط الذكورة أمر مقصود غايته الإباحة فهذا تناقض لا محل له هنا إذ أن الإباحة حكم شرعي وهو أحد الأحكام الخمسة ونص علماء الأصول على أن الإباحة تثبث بلفظ الإحلال، ورفع الجناح، والإذن، والعفو، ومن السكوت عن التحريم، ومن الإقرار على الفعل في زمن الوحي4) فهل هذه القاعدة تنطبق على ما نحن فيه؟ الجواب كلا وألف كلا.
وأما قولك إن قبول شهادة النساء شيء وتعيينهن لممارسة مهنة العدالة شيء آخر أقول: إن صاحب هذا الكلام هو الفقيه الألمعي الدكتور محمد ابن معجوز المزغراني ذكره في كتابه القيم وسائل الإثبات في الفقه الإسلامي 5) وهو بدوره نقل هذا الرأي عن ابن القيم جوزية 6)وأضاف فيه بعض التقييدات ولو رجعنا إلى الكتاب الأخير لوجدناه يذكر ثلاث آيات تتعلق بالإشهاد ثم قال إن الآيات السابقة في التوثيق والإشهاد عند إنشاء الحق وليس لأداء الشهادة عند النزاع أمام القاضي فالتوثيق شيء والإثبات أمام القاضي شيء آخر.
ولكن الدكتور عبد السلام العسري قال: إن العلماء ردوا على ابن القيم في هذه الجزئية فقالوا إن اشتراط العدد في الإشهاد يلزم منه اشتراط العدد في الإثبات؛ لأن الإشهاد تمهيد للإثبات أمام القضاء عند التنازع7).
ولهذا ذكر ابن معجوز أن من اللازم أن يضاف شرط الذكورة إلى بقية الشروط 8) وأنا معه في ذلك وإلا كان فراغا في التشريع وهو لا يليق بالدول المتحضرة التي تحترم نفسها، وبالمناسبة أذكر نازلة تشبه نازلتنا هذه حيث حدث في فرنسا أن شخصا ضبط يدخل المطاعم وبعد الأكل يختلس بعض أدوات الطعام كالملاعق وغيرها وبعرض أمره على القضاء الفرنسي تبين له أن هذا الفعل لا يدخل تحت جريمة من الجرائم المنصوص عليها في قانونهم فهو ليس سرقة لأن الأشياء سبق أن سلمت إليه وليست خيانة؛ أمانة لأنها لم تسلم إليه بعقد من عقود الأمانة المحددة في قانونهم كالوكالة وغيرها ولذلك لم يعاقب ذلك الشخص برغم ثبوت الفعل عليه واضطر المشرع إلى إصدار قانون خاص بالعقاب في هذه الحالة 9).
والخلاصة انه يترتب على القول بجواز تولي المرأة خطة العدالة محاذير شرعية ونفسية، واجتماعية، فمن المحاذير الشرعية قول الفقهاء (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) 10) فان الأضرار المترتبة على الجواز تكرار ظهورها بين مجالس الرجال وقت إبرام العقد لخروجها في أوقات غير ملائمة لها كزوجة مما يعني وجود التعارض بين عملها وبين الدور المنوط بها، ولأنه ثبت في الأصول أن شرط التكليف القدرة على المكلف به فما لا قدرة للمكلف عليه لا يصح التكليف به شرعا وان جاز عقلا11)، ولأنه ثبت في القواعد الفقهية أنه لا يحل لمسلم أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه 12).
ومن المحاذير النفسية أن المرأة بحكم تكوينها الطبيعي تطرأ عليها تغيرات فسيولوجية دورية مثل حالة الحيض والولادة والنفاس ومن المعروف لدى الأطباء أن المرأة عند مجيئها الحيض تصاب بحالة من الكآبة والضيق وأن كثيرا منهن تميل إلى العزلة والسكينة كما تكون في فترة الحمل أكثر حساسية من أي فتر ة مضت سريعة التأثر والانفعال والميل إلى الهموم والحزن لأتفه الأسباب13).

ومن المحاذير الاجتماعية حيث تقتضي المرأة أن تذهب إلى المنازل من أجل إبرام عقد الزواج مثلا وجلسات هذه العقود تكون خاصة بالرجال14).
ويكفي أنك وصفت تولي المرأة خطة العدالة وصفا دقيقا في الحلقة الثانية حيث قلت: إنها مهنة المتاعب والمشاق تتطلب من الممارس طاقة ذهنية ،وجسدية، وفكرية’ وهذه اقرار منك بالحق تشكرين عليه و ارى انه ينطبق عليك قول القائل العربي
اذا قالت حذام فصدقوها فان القول ما قالت حذام
ولو استقرأنا عالمنا اليوم لوجدنا أن الأعمال الشاقة التي لا تناسب الأنثى لا تسند لها وحتى في عالم العجماوات أن مجال الاستعراف لا يسند إلى أي كلب وخاصة الأنثى لأن مزاجها يتقلب بين حين وآخر.
وان أقدمت وزارة العدل- لا قدر الله -على مخالفة شرط الذكورة في خطة العدالة وعينت النسوة كعدول وسحبت من الجميع صفة الإشهاد وأسندته إلى كل من هب ودب فإنها تكون قد خلقت فتنة عظيمة لا يعلم مقدراها إلا الله عز وجل وتكون بذلك قد خالفت مضمون آية المداينة التي تقول (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) قال الشيخ الشعراوي رحمه الله في تفسير هذه الآية لماذا قال الحق شهيدين ولم يقل شاهدان? لأن مطلق شاهد قد يكون زورا لذلك جاء الحق بصيغة المبالغة كأنه شاهد عرفه الناس بعدالة الشهادة حتى صار شهيدا إنسان تكررت منه الشهادة العادلة واستأمنه الناس على ذلك 15).
ولذلك وجدنا في عصرنا الحاضر من يطالب بالمحافظة على الشهادة والكتابة معا فقد جاء في كتاب الإثبات بالكتابة والشهادة ما يلي الكتابة والشهادة يتأيد بعضهما ببعض فالكتابة تتأيد بالشهادة في معظم أحوالها والشهادة تتأيد بالكتابة في بعض أحوالها فإحداهن في حاجة إلى الأخرى إلا أن افتقار الكتابة إلى الشهادة أشد من افتقار الشهادة إلى الكتابة ولذلك لم تذكر في القران الكريم إلا متأيدة بالشهادة .والشهادة ذكرت بمعزل عن الكتابة 16)وفي هذا القدر كفاية والسلام.
بقلم خليل المودن
…………………..
1) العروة الوثقى في الفرائض ص14 .
2) قارن بما ورد في كتاب التوثيق المغربي واقع وآفاق ص210 .
3) المرجع المذكور الباب الثاني من الجزء الأول ص 212،213.
4) إجابة السائل شرح بغية الأمل للإمام محمد ابن اسماعيل الصنعاني ص162
5) المرجع المذكور ص372
6) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص67 .
7) شهادة الشهود في القضاء الإسلامي دراسة تاريخية فقهية مقارنة2/627
8) المرجع المذكور ص372
9) نظرية الأخذ بالقرائن الحديثة في الشريعة الاسلامية و القانون الوضعي للباحث ص 161 رسالة علمية غير منشورة .
10) إيصال السالك إلى أصول مذهب الإمام مالك لمحمد يحيى الولاتي ص 203،204
11) نظم المعتمد من الأقوال والكتب في المذهب المالكي للشيخ محمد النابغة الغلاوي ص170
12) الفروق للإمام القرافي القاعدة 93 .
13) عمل المرأة في الميزان للدكتور الطبيب الضليع محمد علي البار ص108
14) التمايز العادل بين الرجل والمرأة في الإسلام لمحمود الدوسري ص564
15) تفسير وخواطر الإمام محمد متولي الشعراوي2/520.
16) الإثبات بالكتابة والشهادة في الفقه الاسلامي والقانون الوضعي للدكتور محمد جميل ص176

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع