أخر تحديث : السبت 25 يوليو 2015 - 2:27 صباحًا

مظاهر استلاب المرأة في المجتمع

سمية الدروب | بتاريخ 25 يوليو, 2015 | قراءة

سمية الدروب soumia droub

لقد حاولت المرأة في مجتمعنا العربي عامة والمغربي بشكل خاص خوض تحديات كبيرة فيما يخص التمييز الجنسي والحقوقي ، و قد تمكنت بفضل نضالاتها المستمرة من تحقيق، ولو بشكل نسبي نوعا من الاستقلال المادي والحرية الاجتماعية وذلك عن طريق احتلالها لبعض المواقع المهمة ضمن السلم الوظيفي والإداري. إلا أن هذه الامتيازات كانت حكرا على فئة نسوية محددة دون سواها داخل المجتمع. ولضمانها هذه المكتسبات الممنوحة بما لا يتعارض ومصلحة الرجل فقد تم تقنينها ووضعها تحت وصاية ذكورية محضة.و ترجع هذه الوصاية المفروضة بالأساس إلى النظرة التنقيصية التي يفرضها عليها المجتمع ،وبالطبع عندما نقول المجتمع، لا نعني الرجل وحده، بل المرأة نفسها، خاصة أنها هي التي ارتضت فكرة القمع الرجولي لها وتمتعت بحق واحد في حياتها ألا وهو الطاعة العمياء للرجل. وحصر دورها الدنيوي في العمل ضمن دائرة البيت والأولاد متجاهلة دورها المهم في سد نواقص كثيرة داخل المجتمع ،إلى جانب الرجل وتعود أسباب الاضطهاد والرقابة المفروضة على المرأة بالأساس إلي مرجعيات ثقافية و سياسية متشبعة بأفكار قبلية عشائرية عنصرية ،مدعومة بالأساس بنصوص دينية واجتماعية. وأية محاولة للانعتاق من هذه القيم الذكورية المقدسة يعتبر ثورة على المجتمع و كفرا بالدين.
وهكذا يصبح لزاما على المرأة القبول بدورها الثانوي داخل المجتمع والعيش تحت وصاية الذكر، فالمرأة مشروع للاستلاب منذ ولادتها ، حيث تفرض عليها الوصاية التربوية والوعظية، من والديها و أخواتها الذكور الصغار منهم والكبار بل حتى الجيران . والانصياع لها والالتزام بصفات أنثوية نسجها المجتمع يلقنها لها باللجوء لما يسمى بالعنف الرمزي أو كما يصفه بورديو ” شكل لطيف وغير محسوس من العنف “، وهو عنف غير مرئي بالنسبة لها كضحية ولكنه أكثر الأشكال ضررا وتأثيرا في معاناتها،ويتم تمريره أساسا عبر وسائل التربية وتلقين المعرفة والايديويوجيا ،باستخدام وسائل التربية والتنشئة الاجتماعية وأشكال التواصل الاجتماعي. فالتربية “الذكورية ” ابتداء من الطفولة وما تتركه من انطباعات سيئة عن الأنثى بأنها مخلوق ثانوي وعالة على الرجل ، فضلا عن المدرسة وتخلف مناهجها وما تمرره من مغالطات حول الفرو قات بين الجنسين .واستخدامها بشكل سيئ لتشكيل النظرة الدونية للمرأة ودورها الاجتماعي التبعي للرجل .
أما في مرحلة البلوغ فتتشد الرقابة لتشمل جميع أطراف المجتمع خصوصا المتشددون دينيا منهم ،ثم يستقبلها زوجها في هذه المرحلة ،وغالبا مرحلة المراهقة فيعيد إنتاج تنشئتها وفقا لما يرتئيه مناسبا لمعتقداته ، ويساهم في إعادة تربيتها كل فرد من أسرته ،بل حتى أطفالها الذكور فيرسمون لها دائرة من الممنوعات على حركتها وحريتها الشخصية. فالمرأة تعاني من العنصرية كامرأة أو كزوجة, ومن التحقير وتحسيسها بعقدة الذنب لأنها تلك الأفعى الحاملة للخطيئة الأولى حسب ما تروجه الثقافة الشعبية. فمهما تقدمت هذه الاخيرة في السن فمن واجبها القبول بالعقاب الدنيوي كالضرب والتعذيب، ظنا منها أن طاعتها لزوجها مهما كان ظالما هي طاعة لله . وبهذا تضمن مكانا في الحياة الأخرى. وهذا مايفسر قبولها العنف الجسدي و الجنسي ضدها من الزوج وخاصة في المناطق الفقيرة والمتخلفة، فجسدها أكثر حظا من عقلها فهي أداة للامتاع لا غير ويجب أن تستجيب لرغبات الرجل متى ما شاء وكيف ما اتفق بعيدا عن رغبتها هي.
و لضمان هذه الطاعة المقدسة يمنع الرجل المرأة من التصرف بالمال وإيجاد فرص عمل لكسبه ليفرض تبعيتها له أو اغتصاب مالها الخاص والتصرف به،وعزلها اجتماعيا ومنعها من الاتصال بالآخرين إلا بإذن مشروط منه ومراقبة مشددة لتحركاتها عن كثب، إلى أين تذهب؟ وبمن تلتقي ؟وبهذا حرمانها من استقلاليتها. هذه السلطة تتعرض لها أحيانا حتى في الشارع من خلال مظاهر التضييق والتحرش الجنسي، فمن المحرم وجود المرأة بمفردها في مملكة الرجل، و إن فعلت فعقابها الاكراهات الجنسية اللفظية والجسدية. فتتعرضن لشتى أنواع التحرش بدءا من ماهو لفظي فملامسة الجسد وانتهاء بأقصاها وهو الاغتصاب الجسدي لها، ونادرا ما تبلغ المرأة عن حالات الاغتصاب نظرا لارتباطها بمفهوم شرف المرأة وعائلتها لدرجة اللجوء للانتحار خاصة في مجتمعات المحافظة التي تدعي التدين، وكالعادة يلقى اللوم على المرأة لكون جسدها مصدر الاغراء والمسبب الرئيسي لذلك.
وبهذا تحاول المرأة التعايش مع التحرش الجنسي واعتباره سلوكا طبيعيا ،في مجتمع ذكوري يبرر سلوكات الرجل ويجعل كل ما يقترفه مقدسا ولا يوجب المحاسبة ، رغم ما في ذلك من إيذاء جسدي ونفسي لها . وباختصار فإن أي محاولة لتحرر المرأة من وضعيتها و التخلص من قلقها الوجودي ، رهين بتغيير الصورة النمطية التحقيرية التي رسمها لها المجتمع ، وقدرتها على كسر القيود اللامرئية التي تلف أرجلها والمصنوعة اساسا من معدن السياسة الذكورية التي تسخر كلا من الدين والفلسفة والثقافة لخدمة مصالحها.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع