أخر تحديث : الثلاثاء 28 يونيو 2011 - 11:36 صباحًا

القصر الكبير والنقاش الدستوري مدينة تختزل التناقضات

ذ.سعيد الحاجي | بتاريخ 28 يونيو, 2011 | قراءة

…كان يوم الأحد 26 يونيو ليس كباقي أيام الحركية الدستورية التي تعرفها المدينة على مستوى الشارع، حيث جاء هذا الأحد قبل أيام قليلة على موعد الاستفتاء الشعبي المقرر حول مشروع الدستور الجديد، وبالتالي كان من المتوقع أن ترفع أطراف النقاش الدستوري بمختلف شرائحها ومواقفها من وتيرة أشكال تعبيرها عن مواقفها سواء كان بنعم أو لا أو المقاطعة أصلا.
مدينة القصر الكبير ومنذ انطلاق احتجاجات حركة 20 فبراير كانت بدورها من بين المدن التي عرفت تظاهرات مستمرة واستجابت لجميع نداءات الحركة من اجل الخروج للشارع، مثلما كانت من بين المدن التي عرفت أحداث العنف والشغب خلال أول نزول للحركة وخلفت معتقلين لا زالوا يقبعون في السجن إلى اليوم.
كما عرفت هذه التظاهرات بالمدينة تباينا في أعداد المشاركين الذي كان يرتفع وينخفض بين وقفة وأخرى، غير أن الملاحظ وهو ارتفاع أعداد المتظاهرين خاصة بعد أن تبنت الدولة سياسة القمع لمظاهرات حركة 20 فبراير في بعض المحطات، غير أن وقوع إصابات في صفوف المتظاهرين جعلها تتراجع فيما بعد، نظرا لوفاة كمال العماري بآسفي التي توجه فيها الحركة أصابع الاتهام مباشرة إلى الأجهزة الأمنية، هذه المعطيات كان لها أثر إيجابي على الحركة ورفع من عدد المتعاطفين معها، لكن النظام المغربي راهن فيما بعد على إنزال مشروع الدستور من أجل احتواء تزايد الاحتجاجات.
مدينة القصر الكبير كانت كغيرها من المدن المغربية تتفاعل مع كل المعطيات والأحداث سواء التي كانت تعرفها مدن أخرى أو البيانات والمواقف التي تصدر عن الحركة مركزيا، هذا التفاعل مرده وجود قوي للتنظيمات المشكلة للحركة سواء العدل والإحسان من جهة أو النهج الديمقراطي والجمعية المغربية لحقوق الإنسان وباقي التنظيمات اليسارية التي تدور في فلكهما من جهة أخرى.
كما أن تصنيف مدينة القصر التي تصنف لدى وزارة الداخلية ( جاء في مذكرة سابقة لهذه الوزارة مجموعة من المدن التي يجب اتخاذ إجراءات صارمة بخصوص التظاهر فيها من بينها مدينة القصر الكبير) ضمن النقط السوداء على الصعيد الوطني فيما يتعلق بالاحتجاج وتاريخها الذي يشهد لها بتواجدها في أبرز المحطات الاحتجاجية الكبرى في التاريخ المغربي المعاصر وعلى رأسها إضرابات 1984، كل هذه العوامل تجعل الممارسة الاحتجاجية متأصلة في مدينة القصر الكبير وتجعل تفاعل المواطن القصري مع الاحتجاج تلقائيا إلى حد كبير، أخذا بعين الاعتبار البنية العمرية لساكنة المدينة التي تجعل الشباب يشكل فئة عريضة من الساكنة وتقاطع هذا المعطى مع نسبة البطالة المرتفعة وتفشي الإجرام وتجارة المخدرت، مما يجعل الأشكال الاحتجاجية دائما ما تكون مصحوبة باحتمالات قوية للانفلات وتجعل مسؤولية الهيئات المنظمة لها جسيمة إلى حد كبير.
وبوصولنا لمحطة الأحد 26 يونيو التي يميزها ما سبق الذكر من قرب لموعد الاستفتاء، فقد جاء في سياق مختلف تبنت فيه الدولة سياسة تجييش أنصار مشروع الدستور الجديد، من مهرجانات خطابية حزبية ونقابات مهنية وجمعيات ووداديات الأحياء إلى غير ذلك من الهيئات الداعمة لمشروع الدستور الجديد، من أجل حث المواطنين على المشاركة، حيث كانت مدينة القصر الكبير نشطة إلى حد كبير في احتضان عدد كبير من الأنشطة الحزبية والنقابية والجمعوية في هذا الصدد، ونقصد هنا هذه الهيئات بمختلف مواقفها من مشروع الدستور الجديد، هذه الأشكال والتجمعات تبقى حضارية ومشروعة، حيث من الطبيعي هنا أن يتم استقطاب المواطنين لمختلف المواقف سواء الداعمة أو الرافضة، مع التأكيد على وجوب حياد السلطة وتوفيرها المناخ اللازم لجميع الأطراف ليقوموا بالتعبئة لمواقفهم، وهو ما غاب بشكل كبير من خلال تجييش العديد من فئات المجتمع بشكل لا يخدم حتى مشروع الدستور الجديد الذي يتضمن من بين ما يتضمنه الحرص على تكوين مواطن واعي يعرف حجم مسؤولية المواطنة التي يجب أن يتحملها، حيث أن استخدام الأموال وحشد الناس بطريقة أقرب إلى الفوضوية منها إلى حملة دعائية للدستور يجعل المواطن يتحرك بصفة ميكانيكية لا يعي على إثرها بالضبط ما يدور حوله، وهو ما تجلى بوضوح خلال الأحد الأخير من خلال طوابير ( التراكتورات ) والعربات المجرورة المحملة بسكان البوادي المجاورة للمدينة والذين يهتفون بشعارات هي في الأصل بعيدة كل البعد عن النقاش الدائر حاليا، فما معنى أن يهتف هؤلاء المتظاهرون بشعارات من قبيل ( ملكنا واحد محمد السادس ) و ( موت يا العدو الملك عندو شعبو )؟؟ هذا الشعار يحيل على أن المطالب المرفوعة تتعلق بشخص الملك نفسه، في الوقت الذي نجد إجماعا من طرف المغاربة على احترام الملك وحب الملك والإجماع على النظام الملكي في المغرب ليس فيه شك، فلمن يا ترى موجهة مثل هذه الشعارات ؟؟ بالعكس فمظاهرات حركة 20 فبراير هدفها بالأساس هو ضمان احترام أكبر للملك وحمايته من المفسدين الذين ينهبون المال العام باسمه ويستغلون ثقته بشكل يسيء إليه، لقد قام الملك بتنازلات مهمة في مشروع الدستور الجديد من شأن تنزيلها على أرض الواقع بالشكل السليم أن يمهد لانتقال ديمقراطي طال انتظاره في المغرب وإن كان المأمول تنازلات أكبر، فشعارات من هذا القبيل لا تخدم الشعب المغربي بقدر ما تبث التفرقة في صفوف المواطنين، اللهم إذا كانت بعض عقول العصر الرصاصي لا تزال مصرة على التحدث بلغة التجريم والتخوين في حق الرأي المعارض فذلك أمر آخر.
لقد شهدت مدينة القصر الكبير خلال الأحد الأخير تجمهرا للفلول القرويين البسطاء الذين أحضرتهم السلطة للتعبير عن موقف من المؤكد أنهم ليسوا على دراية بتفاصيله، وليس هذا تنقيص من قيمة هؤلاء لأنهم أولا وأخيرا مواطنون مغاربة وحتى أميتهم أو عدم وعيهم بالظرفية فهي مسؤولية الدولة وليت مسؤوليتهم، هؤلاء تجمهروا على شكل حلقات صغيرة في ساحة سيدي بواحمد بمدينة القصر الكبير وهي نفسها الساحة التي تعرف وقفات حركة 20 فبراير، تجمهروا على شكل حلقات للرقص والغناء على إيقاعات شعبية مختلفة ( الغيطة، الدقة المراكشية، الهيت ) وفنون أخرى عبأتها السلطة المحلية في شكل من الفرجة يخال معه المرء أنه في مهرجان للتراث الشعبي وليس حملة تأييد لمشروع الدستور الجديد، في حين عرف حضور أعضاء حركة 20 فبراير لنفس الساحة وفي نفس التوقيت وقوع بعض المناوشات التي كادت أن تتطور لولا تفضيل أعضاء الحركة الانسحاب وتنظيم وقفة في مكان مغاير تفاديا للاصطدام مع مؤيدي الدستور، حيث نظموا وقفة تلتها مسيرة جابت مختلف شوارع المدينة وعرفت مشاركة مهمة بأعداد قدرها أعضاء من الحركة ب 3500 إلى 4000 مشارك انتهت بجوار تجمع مؤيدي الدستور الذين نظموا سهرة ( فنية ) بساحة سيدي بواحمد، ولم تتنفس المدينة الصعداء إلا بعد أن انفضت الجموع معلنة نهاية يوم حار على مختلف الأصعدة بمدينة القصر الكبير سواء على مستوى حرارة الجو المفرطة أو حرارة الشارع التي كانت بدورها زائدة إلى حد كبير.
إن الدور الذي تلعبه السلطة في هذه المرحلة الدقيقة بمدينة القصر يعطي الانطباع حتى للمتعاطفين مع مشروع الدستور الجديد أن الإشكال الحقيقي ليس في الدساتير كوثائق سامية تدار بها شؤون البلاد بقدر ما هو إشكال في عقول لا زالت مندسة بيننا رافضة الخروج من عهد يجمع الشعب المغربي على ضرورة الخروج منه بأقصى سرعة حتى لا نظل ندور في حلقة مفرغة تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.
وفي انتظار نتائج الاستفتاء يوم 1 يوليوز يظل المغرب وتظل مدينة القصر الكبير تنام وتصحو على إيقاع مصطلحات انبثقت من القاموس الشعبي الساخر الذي يبدع فيه المغاربة، ويكيفونه مع مختلف الظروف، من قبيل ( دستور الغيطة ) ( دستور العياشة من عاش الملك) في حين يرد المؤيدون المتعقلون ب ( دستور الانتقال الديمقراطي ) و ( دستور الخروج من عنق الزجاجة ) و ( دستور الانفراج ) أما أطراف أخرى فتذهب في اتجاه آخر تماما مثل ( دستور الاستبداد ) و ( الدستور الممنوح ).
هذا تبدو إذن مدينة القصر الكبير على إيقاع الحركية الدستورية ببلادنا، مدينة تختزل كل التناقضات

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع