أخر تحديث : الأحد 9 أغسطس 2015 - 12:44 صباحًا

الشعر والمواقع الاجتماعية

محمد نبيل العلمي | بتاريخ 9 أغسطس, 2015 | قراءة

alami

من أجمل ما جادت به المواقع الاجتماعية الالكترونية في حقل الإبداع الأدبي،أنها هيأت الفرصة للموهوبين المنضوين تحتها لينشروا الإسهامات الشعرية التي تتفتق عن قرائحهم الجياشة، ويعرفوا بها بغية اختبار مستواها الفني من خلال ردود فعل القراء وتعليقاتهم عليها.

غير أن البعض يستنكر هذه الموجات الشعرية العارمة،وينتقد هذا التهافت على كتابة الشعر بمراعاة ضوابطه الفنية أو بدونها.في حين يعتبر الكثير من النقاد المتخصصين هذه الظاهرة بمثابة مؤشر ايجابي لصحوة الإبداع الشعري في البلاد،وتدفقه بشكل محموم يفضي لا محالة إلى تراكمات شعرية من شأنها أن تحدث إشعاعا للفن والثقافة واسع المدى،وتخلق في نهاية المطاف عدة شعراء مبدعين وأصيلين.

فكم موهبة ظلت مقبورة في أعماق أصحابها،ولم يشعروا بوجودها لعدم مصادفتهم الظروف الواقعية،والمحفزات الموضوعية المساعدة على الإحساس بها،وتفتيقها واقعيا،فتعرض هؤلاء والمجتمع كذلك إلى الحرمان من التملي بها والانتفاع بإسهامها المعطاء في مجال من المجالات الحياتية المنتجة.

فالشعر يقوم أولا وقبل كل شيء على الموهبة الفنية،أو القريحة الإبداعية الفطرية التي تعتبر المركز المحوري لجميع أشكال الفنون الجميلة ومنها الشعر بطبيعة الحال.وهي تحتاج إلى الممارسة والدربة الطويلتين من أجل صقلها وتهذيبها وفق المعايير الشعرية النمطية المتفق عليها،حتى ترقى إلى مستوى الإبداع الرصين والمحكم،ضمن نمط من أنماط النظم الشائعة في مجتمع من المجتمعات.

ومن المسلم به فيما يتعلق بالبناء الشعري العربي،أنه يتوزع إلى نموذجين أساسيين ومركزيين وهما النسق العمودي التقليدي الضاربة جذوره في تاريخ الأدب العربي،والممتد إلى حدود العصر الجاهلي،حسب الرأي السائد شعريا. أما النموذج الشعري الآخر المعترف به في الساحة الأدبية عربيا فهو ما يسمى بالشعر الحر أو المنثور،وقد تأسست قواعده البنائية الثابتة ومرتكزاته التصورية الواضحة على يد الشاعر بدر شاكر السياب والشاعرة نازك صادق الملائكة العراقيين،أخذا بما يذهب إليه معظم نقاد الشعر العربي الحديث.

ولكل نوع من هذين النمطين الجوهريين للكتابة الشعرية عند العرب التقليديين أو المشتغلين على الطريقة المبتكرة منذ أواسط القرن الماضي،من حيث مقاييسه الفنية ومميزاته الإبداعية،وطرق آدائه النظمي وصياغة معالمه الشعرية المتفق عليها قديما وحديثا،فيما يخص الشكل والبناء الهيكلي لقصيدة الأشطر أو الأسطر،واللغة الشاعرية بما في ذلك الصور البيانية،والمحسنات البلاغية والدلالات المباشرة أو الرمزية الموحية،إلى جانب الاعتبارات التخيلية والوجدانية العاطفية،والإيقاع الموسيقي العروضي،على اعتبار أن الشعر سواء كان عموديا أو تراتبيا فهو يمتاز بالإنتماء إلى الكلام الموزون المقفى.

وفي سياق الكتابة الشعرية ينبغي التمييز بين الشاعر المبتدئ المغمور الباحث عن نفسه على مستوى الشعر العمودي أو المنثور عامة،وبين الشاعر المتأصل والمفلق الذي اختمرت تجربته الشعرية واكتملت،ولم يعد في حاجة إلى من يرشده أو يدله على أساليب النظم السديدة.أما الشاعر الساعي بحكم حداثة عهده بالشعر والقريض إلى امتلاك ناصية الإبداع الناضج والراقي،فهو يحتاج إلى دراسة الأدوات الفنية الضرورية لتأصيل موهبته الطبيعية الشعرية،والتعمق أكثر في فهم آليات النظم على مستوى نسقه البنائي ومقتضياته الإيقاعية والمعجمية.

ومن هنا تبدو أهمية النقد الأدبي الموضوعي الهادف إلى توجيه باكورة الأعمال الشعرية، وتفعيلها عن طريق إصلاح ثغراتها الفنية، وتقويم سقطاتها الإبداعية، بمنأى عن العقدة البغيضة لاحتكار الميدان الشعري، والنظرة الإحباطية التثبيطية التي ينسى أصحابها أنهم بدأوا مشوارهم الشعري متعثرين ثم تطورت كتاباتهم،وارتقت تجربتهم الشعرية إلى أعلى درجة،وأنهم لم يظهروا إلى الوجود شعريا كما هم عليه الآن،من غير أن يخوضوا ميدان الشعر ويكابدوا مخاضه،ومعاناته مدة طويلة قبل أن يصبحوا شعراء مبدعين…

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع