أخر تحديث : السبت 13 سبتمبر 2014 - 6:15 مساءً

موسم النواح على تاريخ وتراث القصر الكبير

ذ. سعيد الحاجي | بتاريخ 13 سبتمبر, 2014 | قراءة

بين الفينة والأخرى يفتح النقاش هنا وهناك حول ذاكرة مدينة القصر الكبير وتاريخها وموروثها الثقافي، ويجمع الكل على أن المدينة تعاني ظلما ملحوظا فيما يتعلق بالاهتمام بتاريخها وموروثها الثقافي، وتتعالى أصوات هنا وهناك مطالبة بإحداث متحف أو تنظيم مهرجان تراثي أو ملتقى فكري أكاديمي يعطي لتاريخ المدينة قيمتها المستحقة بين مثيلاتها من المدن العريقة في المغرب، وهذه النقاشات ليست وليدة اليوم بل منذ سنوات يشتعل الجدال ويخبو ويتبادل الأطراف المهتمون الاتهامات بخصوص مسؤولية إهمال ذاكرة وتاريخ المدينة.

لقد كانت آخر ندوة علمية منظمة بالمدينة طرف مجموعة الدراسات والأبحاث حول تاريخ القصر الكبير، ما بين 1 و3 أبريل من سنة 1998، حيث اجتمع فيها ثلة من الباحثين والأكاديميين في تاريخ المدينة، سواء كانوا أبناءها أم أكاديميين من خارجها، وقاموا باجتهادات ترتبط بتاريخها وذاكرتها، وتم إصدار كتاب يتضمن أعمال هذه الندوة العلمية، وكان الأمل معقود على استمرار تلك السنة العلمية المحمودة، وأن ترتبط سنويا بمستجدات البحث التاريخي الذي يتناول مختلف الجوانب في تاريخ مدينة القصر الكبير، لكن ندوة ” القصر الكبير الذاكرة والحاضر ” كانت آخر محطة علمية حول تاريخ المدينة من ذلك المستوى، وإن تلتها بعض المناسبات العملية التي نظمتها بعض الفعاليات الجمعوية المهتمة بتاريخ وتراث المدينة، إلا أنها لم ترقى أكاديميا لمستوى لقاء بحجم الندوة المذكورة.

وإن كان البحث التاريخي حول مدينة القصر الكبير قد اضطلع به باحثون عملوا على إصدار مؤلفات حول تاريخ المدينة، وخصوصا أعضاء جمعية البحث التاريخي والاجتماعي بالقصر الكبير، إلا أن وتيرة البحث في تاريخها انخفضت بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، وبالمقابل بدأت ظاهرة جديدة تطفو على السطح في هذا الصدد، وهي المتعلقة بكثرة الذين أصبحوا يعتبرون أنفسهم ” خبراء ” و ” مختصين ” وغير ذلك من الأوصاف، وأصبحنا نرى وجوها كثيرة تدعي غيرتها على تراث المدينة ودرايتها التامة بمفاصل تاريخ وتراث القصر الكبير، في الوقت الذي لا يعدو ما يقدمونه اجتهادات سابقة ليس فيها إضافات تغني المكتبة القصرية التاريخية، أضف إلى ذلك أن التراث أصبح حاضرا في تسميات عدة جمعيات دون إضافات تذكر، كما أن أنشطة عديدة نظمت في المدينة كان التراث والتاريخ محورا من محاورها، لكن هل حققت المدينة مكتسبا معينا من كل هذا الزخم من الحضور للتاريخ والتراث القصري في مختلف المحطات الجمعوية ؟؟

طبعا سيكون الجواب بالنفي، والدليل على هذا القول هو فشل النسيج الجمعوي لحد الآن في الدفع بمبادرة تشكيل ائتلاف محلي أو شبكة أو تنسيقية للدفاع والنهوض بتاريخ وذاكرة وتراث القصر الكبير، والمحاولات التي تم القيام بها اجهضت في مهدها بفعل الحضور القوي للخلفيات السياسية والحزبية والحسابات الضيقة، وخصوصا تبني العديد من الأطراف شخصيات أو هيآت جمعوية للتاريخ والتراث القصريين، ومحاولة ممارسة الوصاية على هذا المجال، والنتيجة كانت أن أصبح الكل يدعي الغيرة على التاريخ والتراث والعمل من أجلهما دون نتيجة تذكر.

مدينة القصر الكبير بكل عراقتها وتاريخيتها وغناها التراثي لا تتوفر على متحف من أي نوع، سواء إثنوغرافيا أو أركيولوجيا أو فنيا أو غير ذلك، كما أن البحث في تاريخ المدينة توقف منذ زمن ليس بالهين، والجيل الأول من الباحثين أخذ يحجز تدريجيا مكانا قصيا في مساحة البحث، بعد أن أدى رسالته وكد واجتهد ووصل إلى ما استطاع الوصول إليه، لكن وللأسف بدل أن يكون هناك خلف من الباحثين في مستوى الرعيل الأول، فإن كل ما استطاعه أفراد كثيرون من الجيل الحالي ممن يدعون العمل من أجل التاريخ والتراث، هو ترديد الجمل الشهيرة حول تاريخ المدينة وعراقتها وغنى تراثها، وفي كل محطة جمعوية يأتي من يندد ويشجب ويستنكر الوضعية التي آل إليها الموروث الثقافي والتاريخي، لكن دون تقديم شيء ملموس أو عمل يدل على أن المنددين قاموا بشيء من أجل تحريك عجلة البحث أو تقديم مشاريع ناجعة للنهوض بالتاريخ والتراث في المدينة.

لن نسأل عن قطع أثرية نهبت وعن وثائق الأرشيف العمومي المركون في ظلمات من يهمهم الأمر وغير ذلك كثير، لكن الحد الأدنى الذي يجب أن يكون هو التحلي بقدر من الأخلاق والموضوعية واحترام ذاكرة المدينة، وتقديم شيء فعلي لتاريخها وذاكرتها وتراثها، بدل النواح الموسمي من طرف شخاص لا يربطهم بحقل التاريخ والتراث سوى الخير والإحسان.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع