أخر تحديث : الأحد 16 أغسطس 2015 - 9:34 مساءً

مدخل .. التنمية في التصور الاسلامي

عبد الحميد التيو | بتاريخ 16 أغسطس, 2015 | قراءة

abdelahmid_tio

انسجاما مع الحدث ،ومواكبة للانشغال المحلي ،يسعدني أن أنثر بين يدي المهتم بالشان القصري مدخلا يتعلق بالتنمية في التصور الاسلامي ،مقتضبا أملته الرغبة في المشاركة في إطار الرأي والرأي الاخر .

إن المجتمع المسلم في حركته الواعية وفي سياق التدافع الحضاري ،يدرك خطورة التخلف عن الركب البشري ،لذا تراه بمقتضات دينه الذي هو عقيدة وشريعة ومنهج حياة يسعى إلى أن يحيى حياة طيبة بما تحتويه الكلمة من معاني الامن النفسي والمعرفي والغذائي وفق منهج بلغ الدرجة العليا من الكمال والشمولية ، منهج جاءت به رسالة خاتم الرسل والنبيين عليه الصلاة والسلام تضم كل ما قد يحناجه الانسان في رحلة الحياة .قال الله تعالى :”اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا “كل من ابتغى العزة والكرامة والعدل الاجتماعي في غير هذا الدين الكامل والنعمة التامة أذله الله بسبب اعتقاد النقص في ما ارتضاه الله دينا لنا .

إن البحث عن منطلقات التنمية وأسسها المختلفة دون استحضار الغاية التي وجد الانسان لاجلها يجرنا إلى تبني المفهوم اللبرالي المتوحش للتنمية ،الذي لا يعنيه العدل في قسمة الارزاق جملة وتفصيلا ،حيث يكون الزائد في الانتاج في خدمة الرعايا الاوفياء وخدام أعتاب اللبرالية المتوحشة دون غيرهم من عامة الناس ،اللبرالية آفة وتحقيق التنمية العادلة في إطارها خرافة . ما خالف العدل من قول وعمل فهو استخفاف بالاسلام وإضاعة للمقصد الدنيوى الاسمى من الشريعة . فبالعدل يستقر المجتمع والحد الادنى من العدل هو التنمية ذاتها .فانتقاد الظلم وفضح المفسدين خطوات في درب التنمية .

من حضيض تخلفنا الاقتصادي الدنيوي نستمع إلى رجل احتل قومه بحبوحة التنمية ، فتبصر في عيوبها ،درس ثمين يقدمه لنا روجي غارودي الفيلسوف الذي يرجو من الاسلام أن يخترع مستقبلا ذا وجه إنساني ،درس ثمين لنا نحن المقبلين على خوض معارك التنمية ،قال رجاء : “إن الاقتصاد المنبثق عن مبادئ الاسلام على النقيض من النموذج الغربي للتنمية ،هذا النموذج الذي يمثل فيه الانتاج والاستهلاك الغاية في حد ذاتها ، دون اعتبار الغايات الانسانية . قال روجي متابعا :…الاقتصاد الاسلامي في مبدئه القرآني لا يهدف إلى التنمية بل إلى التوازن . فميزته ألا يطيع آليات عمياء لاقتصاد يحمل في نفسه غاية نفسه ، ميزة الاقتصاد الاسلامي أن يكون منتظما بغايات أعلى إنسانية إلهية بلا انفصام ،لان الانسان ليس إنسانا حقا إلا بخضوعه للالوهية ” انتهى كلام رجاء .

من مظاهر الشقاء أن تعيش وفرة لا غاية لها ، ولنا الفقر والعجز والبطالة وصرنا بالتبعية كالعجلات مسخرة في دولاب المشروع الاقتصادي العالمي الذي يديرونه . المستضعفون في دوامة الاعانات الغذائية للدول المتخمة ، المستضعفون في دوامة العجز المالي في هزات دورية تعصف بالاستقرار وتبدد الجهود .

في واقع المجتمع المسلم ينبغي أن ترتبط التنمية ارتباطا وثيقا بمبادئ العقيدة الاسلامية على اعتبار أن ابتغاء الرزق يكون بالعمل والسعي له ” هو الذي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ” ومن آيات القرآن ما تربط بين الايمان والعمل الصالح من جهة وبين الحياة الطيبة التي ينالها الانسان قال تعالى :”من عمل صالحا من ذكر وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة “وهذا يدفعنا إلى تأصيل المفهوم ، فالاصطلاح الاسلامي الي يقابل مفهوم التنمية هو عمارة الارض وفي الدلالة وجوب عمارتها بالزراعة والغراس والابنية ،وعليه فإن التنمية واجبة شرعا ألقاها الله على عاتق الانسان بعد أن خلقه في أحسن تقويم بشرط أن تكون وفق منهجه وبمقتضاه لا تكون التنمية قضية رفاه فحسب بعيدا عن المعايير والقيم الخلقية ، فالتنمية التي لا تحقق العدالة الاجتماعية تكون آلية من آليات الاستحمار وترسيخ التبعية تحت شعار الحداثة والديموقراطية – ولقد تبن للجميع مستوى الدعم الذي يقدمه الغرب الصليبي الحاقد على الاسلام والمسلمين للانظمة الديكتاتورية بجانب الانظمة العربية الوظيفية العميلة له بقدر ما تبين عداؤها للربيع العربي –

يمكن أن أجزم أن التنمية من أسس الايمان بالرسالة ، ذلك أن الاسلام يدرك أن البطون الجائعة أبعد ما تكون عن الايمان بجدوى المنطق المتزن والفكر الراجح ، يقول الامام الغزالي في كتابه “الا قتصاد في الاعتقاد “:إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا …وإلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقا بحراسة نفسه من سيوف الظلمة ، وطلب قوته من وجوه الغلبة ،متى يتفرغ للعلم والعمل وهما وسيلتان إلى سعادة الآخرة ” .

18 غشت 2015

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع