أخر تحديث : الثلاثاء 23 سبتمبر 2014 - 10:43 مساءً

حين تغيب الأم تتوحش القلوب و تصبح قفرا و يتغير لون الورد …

جميلة البوطي | بتاريخ 23 سبتمبر, 2014 | قراءة

قلت لها ” توفيت عمتي…” فقالت “…و كم يبلغ عمرها..” اجبتها و انا افهم مغزى الكلام ” الأم نعمة و بركة حتى لو اصبحت غِيرْ كْمِيشَة فْالدَّارْ …”
البارحة و انا عائدة من القصر الكبير بعد ان ودعت عمتي الوداع الاخير و بطريقتي , بدات ابتسم للصور التي تذكرني بها …الاشخاص المهمون في حياتنا ليسوا بالضرورة من يربطنا بهم الدم فقط ولكن من تربطنا بهم المشاهد المختلفة بايحائاتها و بعبرها …
اذكر اليوم الاول و الوحيد من انخراطي في احد الاضرابات لحاملي الاجازات قبالة المجلس البلدي و اذكر اني كنت انا الاخرى اهتف بنفس الشعارات و التف مع المتظاهرين هناك و الاحساس الوحيد الذي كان يشملني هو الحرية و الفرحة الخالصةو الغامرة لاني احسست باني تخلصت اخيرا من قبضة ابي… فهو لم يكن على علم بحضوري هناك او حتى انضمامي لمجتمع اللمعطلين لاني عملت كل شيئ خفية و كنت اختلق الاعذار لحضور الملتقيات التي كانت تعد على رؤوس الاصابع …
كنت ادور في تلك الدائرة المتحركة و العالم يدور حولي و عبق الجامعة يحضنني من كل حدب و صوب … كان الجو صحوا و القلب مطمئنا … فجاة اطل ابي من بعيد بابتسامته المعتادة و هو يسوق دراجته الصفراء الجميلة عائدا من عمله في مدرسة ابن خلدون و خلته ينظر الي مؤنبا و يتوعدني العتاب و العقاب… و خيل الي بانه اشاح بوجهه بسرعة ليتفادى النظر الي و انا اعصى اوامره و قوانينه… لا اذكر ماذا فعلت و كيف خرجت من المعمعة …جريت بشدة و بدون توقف حتى وجدت نفسي على عتبة باب عمتي فاطمة رحمها الله ادق الباب في وقت مبكر جدا …
فتحت لي و رحبت بي كما كانت تفعل دوما و اصرت على اكرامي رغم انها كانت تجد صعوبة في المشي …كنت اراقب خطواتها و البال ماخوذ بما ينتظرني من خطاب في المنزل… كانت عمتي رحمها الله تهيئ لي الفطور و انا كنت انظم في عقلي مرافعتي للدفاع عن نفسي امام ابي رحمه الله …
لم اتمتع بكرم عمتي كليا و التي لم تكن تعلم اني اتيتها خوفا من ابي و طلبا للجوء عندها لبعض من الوقت ..دخل ابنها عبد الواحد و الذي كان هو الاخر حاضرا معنا في تلك المظاهرة … اذكر جيدا انه كان ينادي على امه بصيغة التدليل ” آ يِمَّآ الحْبِيبَة” و هي تناديه مرة ب”اَلْقَنْدِيلْ المْضَوِّي” و مرة اخرى تجيب ندائه ب”نْعَمْ آ كْبْدِي ” و هما الصيغتان التي حفظتهما عن عمتي و انادي بهما ابني محمد .
طار الخوف من راسي و استقر تفكيري عند جمالية اللحظة… فانا لا اخوة لي ذكورا , و امي لا تملك ابنا ليغنجها مثل عبد الواحد, او يعانقها في جولة الى السوق مثل المرضي مصطفى ابن الجيران ابن ختي رحيمو , او يحمل لها سلة الغسيل الى السطح كما يفعل ادريس ابن خالتي السعدية, الذي كانت خطواته قريبة الى مسامعنا و رؤانا لانه كان بدوره ابن الجيران كذالك ..
احسست بدفئ و حنان غريبين و انا عند عمتي …نسيت خوفي و استمتعت بالحديث و الصحبة الطيبة في منزل تعلمت بفضله اول درس في الرفاهية !!!!
كنت لا ازال في طفولتي المبكرة حين قضيت يومين متتاليين في منزل عمتي حيث و على سبيل الصدفة وافق يومي الثاني في منزلها مناسبة” الدزاز” التي تقام في مزرعة صهر ابنها و بالتالي دعيت انا الاخرى و بدون اعلام اصحاب المزرعة لحضور تلك المناسبة السابقة في نظري …
كانت الانطلاقة صباحا باكرا …كانت الطريق تطوى و الاحلام تنسج فانا و بحكم ركوبي لاول مرة على تلك الحافلة الضخمة “الكاميون” كنت اقف و المس الاشجار التي نمر بالقرب منها خاصة تلك التي تورق نباتات صفراء فاقعة ,و كانت تتفتت بسهولة بمجرد وضع اليد عليها كما كانت تترك على يدي رائحة غير مرحب بها …
كانت المزرعة مشهدا خرافيا بالنسبة الي …كنت مشدوهة امام كثرة عدد الابقار هناك و تراصها في اسطبلات مبنية بعناية لاستقبال العديد منها …ناهيك عن روعة الحقول الغنية بكل ما لذ و طاب من الفواكه الشهية… اذكر اني كنت اجمع العديد منها و اضعها في حجري و بعد اكل النصيب الاكبر منها اضع ما تبقى منها على ضفاف وادي صغير هناك … المنزل كان كبيرا …الخدم كثيرون و الخير كان عنوان المكان… مر ذالك اليوم كالحلم و تمنيت لو طال الزمن حتى لا اغفو منه …كانت تلك تجربتي الاولى و الاخيرة مع منزل اعتبرته خياليا و طبيعيا و رائعا بكل المقاييس و رب صدفة خير من الف ميعاد …
عدنا الى منزل عمتي و اصبح من الضروري العودة الى منزلي فقامت عمتي رحمه الله بوضع الحناء على يدي و قدمي عربونا على محبتها و فرحها بمكوثي بمنزلها لبضعة ايام …
ودعت الذكرى بمنزل عمتي و شكرتها على كرم اخلاقها معي ذالك الصباح و عدت الى منزلنا لاجد ابي لا يعلم شيئا عن حضوري في ذالك التجمع لانه لم يقل شيئا ناهيك عن كوننا تحدتنا عن اخبار عادية جدا فاطمان قلبي و هدات روحي و بالتالي لم اكن مظطرة للكذب من جديد .
مرت الايام و عندما حدتث ابي رحمه الله بالواقعة ابتسم بنفس الطريقة التي كانت على محياه اليوم الذي قررت فيه ان اتنفس بعيدا عن اسرتي و ان اطالب باحد حقوقي في هذ ا الوطن و هو العمل و طلبت فيه اللجوء الي بيت عرفت فيه الحنان و تمنيت فيه اخا لي و ابنا لامي مثل عبد الواحد ابن عمتي …و بفضله لُقِّنْتُ اول درس في الرفاهية و في حب الطبيعة …
رحم الله عمتي و رحم الله هذه ” الأم” التي حتما و بغيابها ستغيب شمس الحب عن منازل عديدة…
حقا عندما تموت الأم تتوحش القلوب و تصبح قفرا و يتغير لون الورد …
رحم الله موتى المسلمين و حفظ البقية المطلة على حتفها بعد قليل بعد عام او بعد عامين و جيل , و الحقنا بهم مسلمين تائبين و سليمي النية و القلوب .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع