أخر تحديث : الأربعاء 19 نوفمبر 2014 - 12:08 صباحًا

عبد الرحمن الخارج … وسؤال المعنى

ذ. حسن ادريسي | بتاريخ 2 أكتوبر, 2014 | قراءة

لا أعرف لماذا كلما نظرت في صورة هذا السياسي المخضرم … أربط مساره الفريد ببعض ما قرأته عن سؤال المعنى لدى الشيخ عبد السلام ياسين … على الأقل في جانب صناعة التاريخ، وهي عملية لا تتم بالابتزاز … وتهويل الواقع والاستكانة إليه وتحقيق مكاسب من وراء استسلام الناس لثقله، بعد إخافتهم بمطباته وربيعه …

فعهدي وأنت تستحضر مسار هذا السياسي الكبير، عبد الرحمن اليوسفي، تدرك أنه من صناع التاريخ المغربي الذي أتى ليشتغل مع الكبار، كبار زمانهم قدماءهم ومحدثيهم، وفي ظل وضع صاخب، وما أصعب أن يعهد لك بصناعة تاريخ أمة في ظل وضع حرج وصاخب،

وأكبر من تنبه لذلك هو المغفور له الحسن الثاني الذي كرس ساعاته الأخيرة للبحث عن العصافير النادرة المتعصية لتعبئتها لدخول ساعة الصفر … والانطلاق جديدا نحو زمن مغربي … بنغمة مغايرة … تكفي الجميع السكتة القلبية، وهو ما قرأناه بمعنى مغاير للمرشد، ولا أعرف إن كان الرجلين العصيين قد التقيا في الخيال العلمي بتوارد أفكارهما ورؤيتهما للتاريخ كل على شاكلته،

فكلاهما اقتنع وقتذاك بالتاريخ الصاخب، وصعوبة المرحلة، وأن الأحداث لا تنتظر…غير أنه إذا كان الشيخ ياسين … تحدث عن حقائق التاريخ ودفع الله الناس بعضهم ببعض، والذي لولاه لفسدت الأرض، وأطبق على نفسه في هبة إحسانية وشبه يقظة إيمانية … في انتظار هدوء الخلوة وصفاء العشرة … كما كتب،
فإن اليوسفي نصب نفسه وبلا أية ضمانان في صلب صخب التاريخ وركب متنه دون استقراء العواقب، وربما لم يقرأ مثل العديد من الحذرين … كما كان الشيخ وكما كتب … أن التاريخ في فكره المنهاجي … ينافي السكونية وينافي الابتلاء والبلاء، ويحتم الخروج من موقف الاستقالة إلى موقف التهمم الشعوري وإلى الانتماء الفعلي لمتطلبات الزمن وشروطه …

ولعل هذا الرجل المتفرد الذي قدمه الحسن الثاني للأمراء بخفة دم … على أنه تاجر الأسلحة الشهير، فهم الرسالة وقتئذ … فغير أسلحته، وربما من حيث لا يدري تلاقت أفكاره كما هو، منتظر في يوم من الأيام، مع معنى المرشد، بأن التجربة ستكون باهضة ومكلفة جدا بتعبير بول ريكور … بما هي أن كل إعادة لقراءة الماضي هي إعادة بنائه،
واليوسفي كما كل مخاطر ومحارب سلم أسلحته عن اقتناع لفائدة الوطن، فحري أن يكون بناؤه وطيدا بعد أن أمسك بتلابيب الأزمة … ولاعبها بحرفية مع الكبار حتى انجلت وأخذت طريقها … غير أنه وككل المنشغلين بالشأن العام … أخذ(برفع الألف) منهم وقتهم، وألهاهم عن صغار المتسللين داخل بيته … فكانت المفارقة، بين تصريف الأزمة وتأجيلها في الوطن، وتوالي النكسات في البيت الداخلي وإمساك الحاذقين بدواليبه، ووضعهم العصي أمام تجربة متفردة ترفع الرجل أن يستغلها لصالحه … وقد لخص ذلك في لحظات الخروج المشهود … ذاك قائلا … جيوب المقاومة، التي ترفض الديمقراطية والمساءلة وحكم القانون …

وحكاية الرجل مع الابتزاز حكاية ذات شجون … فكما رفض استغلال الوضع والوقوع في شراك المرحوم ادريس البصري وهو يهندس لوضع مغربي شاذ كفى الله المغاربة شروره وأعطابه، كذلك رفض اليوسفي أي ابتزاز للملك الحسن الثاني وهو في أقصى درجات مرضه وهو ما عبر عنه بوضوح، بعد خروجه، في خطاب بروكسيل :

لقد وجدنا أنفسنا أمام خيارين لا ثالث لهما، الأول تمليه المصلحة الوطنية، والثاني يميل إلى الاعتبارات السياسية والحزبية … فاخترنا تحمل مسئوليتنا الوطنية، وفضلنا مصلحة البلاد من أجل المشاركة في انتقال هادئ …

وكما رفض أن يبتز، وقف بحنكة في وجه صقور السياسة في محيطه ممن طفوا الآن على الساحة، ورفض مقاربتهم بعدم قبول المشاركة في انتظار مبايعة الملك الشاب والتفاوض معه على هذا الأساس،
وبخلاف ما تنبأ الكثيرون وراهن عليه خصومه من الأصدقاء والمحيطين، نجح الرجل ولمدة عشر سنوات كاملة في التعاون مع القصر في تثبيت أركان الدولة ودعم الاستقرار وتقويته، ورفع شأن مؤسسة الوزير الأول قبل أن يجد نفسه في مفترق الطريق،

وظلم دوي القربى أشد مضاضة … على المرء، اعتقد كما اعتقد الكثيرون، على المرء من وقع الحسام المهند …

وهي الصورة التي نقلها ببلاغة شديدة، كاتب سيرته الصحفي محمد الطائع، وعبر عنها … بضريبة التوافق … حيث ترجل عبد الرحمن … بجراحات لا تندمل … في انتظار إعادة اعتبار لسياسي كبير… لم يفقد اعتباره في يوم من الأيام …

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع