أخر تحديث : السبت 3 أكتوبر 2015 - 9:52 صباحًا

مدرستنا إلى أين؟

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 3 أكتوبر, 2015 | قراءة

مدرستنا

الصيفية وانتهت بعدها عطلة عيد الأضحى، فتوقعنا أن يكون يوم الإثنين هو البداية الفعلية للدراسة، وأن مدارسنا العمومية ستصبح كخلايا النحل يملأ جنباتها وأقسامها التلاميذ وهم مستعدون ومتشوقون إلى سنة دراسية جديدة يحصلون فيها معلومات ومعارف تثري ثقافتهم وخبرات ومهارات وقيم تقوي شخصياتهم… لكن المؤسف هو أن التلاميذ قد وضعوا لأنفسهم مقررا تنظيميا دراسيا آخر جعلوا فيه مدة العطلة مفتوحة إلى أجل غير مسمى. الأمر الذي وضع المهتمين وخاصة رجال ونساء التعليم في حالة من الدهشة والتساؤل عن طبيعة هذه الظاهرة المتكررة قبل وبعد كل عطلة، وعن أسباب هذا الهدر وعن سبل علاجه. وبطبيعة الحال يبقى النقاش مفتوحا أمام وجهات نظر متباينة، ويبقى ميدان تبادل المسؤوليات والاتهامات متسعا أيضا، ويبقى السؤال المركزي مطروحا بإلحاح وهو: من المسؤول عن هذه الأزمة؟ الوزارة أم الأطر التربوية والإدارية أم التلاميذ أنفسهم أم الآباء أم الإعلام أم المجتمع أم القدر…؟

وبعيدا عن الدراسات المطولة والتحليلات المعقدة التي تتوخى الوصول إلى الأسباب الموضوعية للمشكلة، وبعيدا عن المنتديات التي تنظَّم بهدف إصلاح قطاع التعليم وتجاوز أزماته المتراكمة، أعتقد وبكل سذاجة وسطحية أن جوهر المشكلة كامن في ذلك الربط الآلي بين التعليم والتوظيف، أي اعتبار المدرسة هي الطريق إلى الرزق أي إلى تحسين الأسر لوضعيتها المادية والاجتماعية، فقد أصبحت هذه القاعدة قناعة راسخة في أذهان الناس في هذا الزمان حتى تحولت بالاصطلاح السيكولوجي إلى حالة إشراطية ، أي أن الولوج إلى المدرسة أضحى مشروطا بالحصول على منصب في قطاع من قطاعات الدولة يدر على المتخرج راتبا معتبرا وإلا فهي مجرد سجن يُهدَر فيه الوقت وتستهلك فيه الأقلام والأوراق بلا أية فائدة تذكر. وعلاقة بهذا السياق أتذكر أن أستاذا أعرفه كان يعود إلى البلد قبل العطلة بأسبوعين أو أكثر وحينما أسأله عن السر يقول إنه أسرع في إتمام المقرر، مبررا فعله بأنه يعمل بقدر الراتب الشهري الضئيل الذي يحصل عليه… كما أذكر أيضا أنني التقيت في إحدى الملتقيات التربوية بأستاذة شابة لم تعمل سوى أربع سنوات في القسم، فتبادلنا أطراف الحديث المهني فاشتكت من التعب وأبدت تذمرها وسخطها على هذه المهنة، وتمنت لو كانت قد أشرفت على سن التقاعد… فكيف لا يحق للتلميذ إذن أن يستهين بالمدرسة و يعتبرها بلا مصداقية ولا جدوى ما دام مآل سنوات الاعتقال فيها هو البطالة أو في أحسن الأحوال تصيد عمل لا يليق بالدرجة العلمية التي شقي من أجلها وتعب …

إن الغاية الأصلية الشرعية من اكتساب العلم، كما فهمها أجدادنا واقتنعوا بها، هي التعبد والتقرب إلى الله تعالى، ولذلك تفقهوا في سائر العلوم من دون أن يكون هدفهم الغنى أو الجاه أو السلطة، ومن غير أن تتوفر لهم شروط التعلم التي نتمتع نحن بها حاليا، وقد شهد التاريخ والعالم الحديث بتفوقهم. ولعل أغلبنا يعرف قصة المفكر والأديب العظيم أبي عثمان الجاحظ الذي كان يبيع الخبز والسمك المشوي في المرسى نهارا ليكتري بما حصل عليه من دراهم معدودة مكتبة ويشتري الزيت لقنديله لينهل من الكتب على ضوئه الباهت ليلا… ثم علينا ألا ننسى أيضا أن طلاب العلم والعلماء كانوا يقطعون الصحاري والقفار على دوابهم أو على أقدامهم لتلقي العلم أو تلقينه للناس بغية مرضاة الله والحصول على ثوابه… فمثل هؤلاء كانوا يدركون أن الاجتهاد في طلب العلم فريضة وليس ترفا أو هواية أو حرفة، ممتثلين في ذلك لأول ما أنزله الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم من قرآن وهو يتعبد في غار حراء وهو قوله سبحانه:”إقرأ باسم ربك الذي خلق”، ومسَلِّمين أن الرزق مكفول من الله تعالى كما فهموه من قوله سبحانه: لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى” ومن قول رسوله صلى الله عليه وسلم:” إن أحدَكم يُجمع خلُقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يُرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بِكَتْبِ رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد…”.

ولذلك كله، وللتخفيف من حدة الأزمة ومنعها من التحول إلى كارثة لا تبقي ولا تذر وجب على كل الشركاء في المجال التربوي والتعليمي؛ مسؤولين وأساتذة وأولياء أمور ومثقفين وإعلاميين … أن يكثفوا جهودهم لوضع قطار التعليم على سكته الأصلية من جديد وذلك بتنشئة الأجيال على هذه العقيدة وإقناعهم بأن الإسلام يُرغِّب في العلم ويحث عليه ليس من أجل كسب المناصب والوظائف، أو من أجل نيل الشرف والوجاهة في المجتمع لأن في ذلك رياء منهي عنه، وإنما من أجل معرفة الله وحسن عبادته، مذكرين إياهم بقول الله تعالى:” وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون” وقول الرسول صلى الله علي وسلم:” اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد”، صدق الله العظيم وصدق رسوله الكريم.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع