أخر تحديث : الأحد 4 أكتوبر 2015 - 10:00 مساءً

منظومتنا التربوية والهندسة الأممية للتعليم

عبدالرؤوف الزكري | بتاريخ 4 أكتوبر, 2015 | قراءة

zekri

إن اهمية دور المدرس ما زالت تتعاظم وتزداد أهمية رغم التحول الكبير منذ ثمانينات القرن الماضي الذي عرف ما سمي «التعليم الإلكتروني ».فرغم ما يوفره هذا النوع من تعلم ذاتي ٬فإن حاجة الطفل والمراهق إلى من يوجهه ويعلمه ويفيده من خبرته بالتطبيق العملي٬ تبقى قائمة وضرورية ومهمة ٬والتي تؤكدها الدراسات العلمية والممارسات الميدانية .فرغم التطورات المعرفية والتكنولوجية الرقمية المتسارعة٬فإن مهنة التدريس تبقى أمرا هاما وملحا مادامت التربية والتعليم قاطرة التنمية الشاملة .رغم ما يعتريهما من خلل وظيفي ٬المتجلي في الربط بين المعرفة والواقع ٬والتوفيق بين ما هو مادي وما هو روحي ٬والأصيل والدخيل…وسيبقى العنصر البشري حلقة أساسية في منظومة التربية والتكوين ٬ينبغي الإلتفات إليه بالتكوين والمواكبة ومده بأدوات الاشتغال حتى يكون العطاء في ما هو مرجو منه.

ويبقى يوم 5أكتوبر دعوة إلى عموم الناس بمختلف شرائحهم إلى الالتفات إلى نبل وظيفة التعليم التي لا يمكن الاستغناء عنها بأي حال ٬والعسيرة في الغالب والتي لا ُيوفق صاحبها إلا بالتضحية ونكران الذات.
وهي أيضا بمثابة إحياء لذكرى توقيع التوصية المشتركة الصادرة عن منظمة العمل الدولية ومنظمة الأمم للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)في العام 1966والمتعلقة بأوضاع المدرسين ٬ واتخاذ موقف لأجل مهنة التدريس وصون كرامة المدرس وحماية حقوقه وتمكينه من كل ما من شأنه أن يسعفه للقيام بوظيفته على أكمل وجه. وتنميته مهنيا حتى يواكب المتغيرات المؤثرة في تربية النشء ٬والأساليب البيداغوجية المستحدثة حتى يكون فعالا في أدائه المهني .

وتعتبر التوصية وثيقة تقنية وغير ملزمة لأنها لا تخضع للتصديق الدولي ٬وظيفتها مساعدة الأمم على النهوض بأوضاعها التعليمية ٬ومعيار دولي بشأن مهنة التدريس .وتشمل مختلف أسلاك التعليم وأنواعه من خلال فقراتها 146المقسمة إلى 13بابا.التي تتعلق بأهم انشغالات المدرسين المهنية والاجتماعية و الأخلاقية والمادية٬المتضمنة في البنود- بعضها – التالية:

الطابع المهني للتدريس : ككل مهنة ٬يتطلب التدريس بالإضافة إلى المعرفة والمهارة ٬شعورا بالمسؤولية عن تعليم النشء والعمل على ما فيه خيرهم وصلاحهم .فالنجاح المهني يكمن في الحرص على النجاح كحق لكل متعلم وليس امتيازا٬ولا يتحقق هذا إلا بإبداع وابتكار الأساليب الدافعة لكل منهم إلى المثابرة والاجتهاد وتجاوز التصنيف البائد مجتهد –كسول .فهنا يكمن البعد الرسالي للمهنة وأنها تتجاوز بكثير كونها مصدرا للرزق فقط.
– التعاون في المسائل المتعلقة بالسياسة التعليمية :لضمان نجاح الفعل التعليمي ٬ينبغي أن يكون هناك تعاون بين أقطاب ثلاثة ٬السلطات التعليمية ٬منظمات المدرسين ٬ومنظمات المجتمع المدني .لتحديد السياسة التعليمية وأهدافها بدقة .أما التنزيل الفوقي للقرارات وختمها بطابع الاستعجال .وإخضاع المنظومة التربوية للتقلبات السياسية لأصحاب القرار .ونسخ اللاحق لإجراءات السابق .والتنكر للإنجازات المحققة. ومنظمات تسعى إلى كسب المواقع ٬وقطف أكبر حصة من محصول الريع بمختلف أشكاله لا يعمل إلا على جر تعليمنا إلى براثن الفشل والسقوط في اللاجدوى.

– إعداد المدرسين: ينبغي أن يخضع المدرسين قبل ولوجهم إلى الميدان ٬ إلى التكوين في معاهد على يد أساتذة مؤهلين معرفيا ٬ومن ذوي الخبرة بالتدريس في المدارس .مع تجديد خبرتهم دوريا بتكليفهم بالتدريس بالمدارس. ليبقوا لصيقي بما هو عملي وبما يستحدث من سلوكات وميولات وأنماط تفكير لدى الناشئة لم تكن في الذين سبقوهم فلكل جيل أخلاقه ونزعاته. كما قال علي كرم الله وجهه: «لا تكرهوا أبناءكم على أخلاقكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم» وذلك حتى لا يبقى التكوين ينظر لواقع انمحى واندثر. أما وأن تسند مهمة التكوين لمن هم في مستوى المكوّٙنين أو اقل ٬مع قلة الخبرة أو انعدامها ٬وكانت المحسوبية والفشل الذي لقوه في مهمات أخرى ٬سببا في الزج بهم في معاهد التكوين ٬في انتظار التقاعد ٬فإن النتيجة الحتمية لهذه المقدمة هي خريجون فاقدوا الأهلية لما أنيطت بهم من مهام لأن فاقد الشيء لا يعطيه. إضافة إلى التوظيف المباشر الذي لجأت إليه الوزارة الوصية لسد الخصاص الذي لم يسد أبدا .والأمر أشد خطورة واستفحالا بالنسبة للتعليم الخصوصي الخارج أهله عن كل تكوين وإعداد.
-الحرية المهنية :يتمتع المدرسون بالحرية الأكاديمية في أداء واجباتهم ٬وفي اختيار المواد وملاءمتها ٬والطرائق التعليمية الأكثر مناسبة لتلامذتهم ٬واستعمال المعينات التعليمية بفعالية .وذلك في إطار البرامج المعتمدة وبمعاونة السلطات التربوية.
ولضمان التوفيق لاختيارات المدرس ٬ينبغي أن يكون ذا تكوين مسبق في مجال تخصصه ٬ومقدرة بيداغوجية لاختيار الأنسب من بين البيداغوجيا الملائمة لتلامذته .وملما بمنظومة القيم المجتمعية والكونية التي يسترشد بها بلده٬وهو يهم باختيار واقتراح المواد والكتب المدرسية إن أتيحت له فرصة ذلك. قادرا على تنظيم نفسه وعمله وفضاء اشتغاله .ناهيك عن الكفايات التنشيطية لجعل التعلم ممتعا وأكثر نفعا وتكسيرا للرتابة المملة. وجعل المدرسة أكثر جاذبية وحيوية ومجالا للإبداع وتفتق المواهب وصقلها.

المسؤوليات: للحفاظ على نبل المهنة ورفعتها ٬ينبغي أن يتسم أداء المدرسين بالاتزان الخلقي واحترام قواعد السلوك المهني. التي ينبغي أن تحدد سلفا من طرف منظمات المدرسين وأن تعطى لها الأهمية اللائقة بها .والعمل على استمرارية التذكير بها ٬والإعلاء من شأنها ٬فهي الكفيلة بإعلاء شان المدرس بين الناس .فكما قال الرسول(ص):«إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ٬فسعوهم بحسن أخلاقكم».فالمدرس قبل أن يكون رسول معرفة ٬فالتأديب والتهذيب من أصول مهنته قبل التعليم الذي فشلنا فيه بتضييعنا للبه وجوهره التربوي .فلا معنى للحرية الغير المقيدة بالمسؤولية الأخلاقية الضامنة من أي زيغ أو انفلات واتباع الهوى .

ساعات العمل: والتي ينبغي أن يوضع في الاعتبار عند تحديدها كافة العوامل المتصلة بمجمل العمل الذي يضطلع به المدرس ٬مثل: عدد التلاميذ الذين يعهد بهم إليه والوقت الذي يستحسن توفيره للمدرسين للاطلاع الآباء والأولياء على تقدم أبنائهم في الدراسة والتشاور معهم بشأنه.
فمن غير الإنصاف أن تتاح نفس المدة الزمنية لفصلين دراسيين ٬تلامذة أحدهما ضعفي الفصل الآخر أو يزيد. حيث يضيع حق الطفل في أن تتكافا الفرص التعلمية المتاحة له مثل تلك التي المتوفرة لأقرانه الذين لا يزيدون عنه في الإنسانية والمواطنة مثقال ذرة .
واستحضارا للتجارب الدولية المسترشدة بما تجود به السوق التربوية من دراسات حديثة ٬والتي أثبتت منظوماتها التربوية تفوقا ونجاحا٬ نجد أن ساعات العمل فيها وخصوصا في السلك الابتدائي تقل عن مثيلاتها في الأنظمة التي تقبع في أسفل السلم التعليمي دوليا. رغم المناداة المستمرة والتقارير التي تلح على ضرورة تخفيض ساعات العمل الذي يعود نفعه على التلميذ قبل الأستاذ.

المرتبات :إن الدخل المادي للمدرسين يعكس أهمية وظيفتهم في المجتمع. والمسؤوليات التي تقع على عاتقهم في تربية وتكوين الأجيال .التي تعد أهم رأسمال يمكن المجتمع من النهوض والتنمية .ولطالما اعتبرت مهنة التدريس من أشرف المهن. فينبغي لأهلها أن يكونوا في منأى عن التفكير وشغل البال في التدبير اليومي والشهري لقوتهم وقوت عيالهم حتى يتفرغوا لما هو أهم. وتطعيم دخلهم بخدمات صحية وترفيهية تناسب وضعهم الاعتباري على غرار باقي الوظائف التي يتمتع أصحابها بخدمات اجتماعية عز نظيرها في قطاع التعليم.

النقص في عدد المدرسين: اعتبار كل تدبير لمعالجة النقص في عدد المدرسين ٬مهما كان استثنائيا لا يخالف بأي حال المعايير المهنية المقررة أوالتي ستقرر ٬ولايخل بها .وذلك حتى لا يتضرر تحصيل التلاميذ .بمعنى ان مصلحة التلميذ هي التي ينبغي أن تكمن وراء كل إجراء إداري استثنائي .لكن الحاصل أن إجراءات من هذا النوع تجري أحيانا لإرضاء فئة من المدرسين على حساب فئة أخرى .وعلى حساب فئة من التلاميذ (سكان البادية)على حساب فئة أخرى, وفي أحيان كثيرة يُلجأ إلى مثل هذه الإجراءات بدون بمبرر تربوي بقدر ما هو بحث عن سلم اجتماعي متوهم لا يخدم التربية والتكوين بأي حال بل تعمق الاختلالات وترفع منسوب الفشل إلى أعلى مستواه. نقول هذا ونحن نستحضر كم من قسم مكتظ وآخر بدون أستاذ .بالمقابل كم من أستاذ بدون قسم؟ فالتضحية ونكران الذات هما الركيزتان اللتان تقومان عليهما مهنة التدريس مع التحفيز المناسب. وحصول القناعة بضرورتها وجدواها. والإحساس بالعدالة في المغنم والمغرم

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع