أخر تحديث : الخميس 23 أكتوبر 2014 - 9:06 مساءً

رهانات الانتخابات التشريعية في تونس

ذ. عثمان الريسوني | بتاريخ 23 أكتوبر, 2014 | قراءة

يمثل يوم 26 أكتوبر الجاري,حدثا سياسيا حاسما في تاريخ تونس بعد ثورة 14 يناير. وذلك لانه موعد تنظيم الانتخابات التّشريعية، التي تعتبر الأولى، إذ أن انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، التي نظمت في 23 أكتوبر 2011، كانت من أجل صياغة دستور جديد، في حين أن هذه الانتخابات البرلمانية القادمة ، بالاضافة الى الرئاسيّة التي ستجرى نهاية نونبر المقبل، ستحددان معالم الحياة السياسيّة وخريطة التحالفات للسنوات الخمس المقبلة.من ناحية أخرى، فإن نتائج هذه الانتخابات ستحدد عناصر النخبة السياسية، التي ستستاثر بالقرار السياسي والحكم، فضلا عن كونها عاملا رئيسيا في تكوين التحالفات السياسية,وذلك انطلاقا من الدور الرئيسي لصناديق الاقتراع في تحديد الأكثر شعبية من ناحية الأصوات. كما أنه في ضوء ما تفرزه اصوات الناخبين تُحدد أيضا الصداقات السياسية والتحالفات وتحديد سياسة التوافق السياسي إذا ما الزم صندوق الاقتراع بذلك، كدعامة اساسية للتعايش الوطني والممارسة السياسية سواء كانت الحكومة ائتلافية او ثنائية. ولكن كيف يمكن تحديد المميزات السياسية للاحزاب الفاعلة في الانتخابات البرلمانية التي ستحدد بشكل كبير نتائج الانتخابات الرئاسية أيضا؟ إن الميزة الأساسية، التي يمكن أن تحدد لنا بوضوح حقيقة المعركة الانتخابية اليوم، يتمثل اساسا في المنافسة بين الإسلام السياسي و القوى الحداثية ، أي بين الاسلاميين ومؤيدي التوجهات التحديثية للدولة الوطنية التونسية سواء أكانوا محازبيها بشكل عام أو الذين يرونها ضرورة ويجب التشبت بها مع معالجة نقائصها, طبعا نقصد بالإسلام السياسي هي احد ابرز تنظيماته، أي حركة «النهضة» التونسية. أما الابرز بين التيارات الحداثية ذات المرجعية الدستورية فنجد حركة «نداء تونس. لا يمكننا أن نصف هذه المعركة في ظاهرها على الأقل بأنها حادة او صعبة، ولكنها في حقيقتها تبدو كذلك، لأن الخلاف صار ايديولوجيا بالأساس ويتعلق بكيفية تصورشكل المشروع الاجتماعي والسياسي التّونسي. ورغم ذلك، فإن ما يلاحظ بشكل كبير هو أن حركة «النهضة» تسعى إلى خوض معركة الانتخابات من خلال نهج أسلوب المرونة والانفتاح واعتماد التوافق مبدأ للممارسة السياسية لمرحلة ما بعد الانتخابات وفي الواقع، فإن تبني زعامات حركة «النهضة» لمقولة «التوافق» في خطابهم السياسي، ليس وليد اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، بل إنه خطاب بدأ منذ نحو السنة. لهذا، فإن كلمة الشيخ راشد الغنوشي، زعيم حركة «النهضة»، اثناء تقديم البرنامج الانتخابي للحركة تعمد فيها استعمال لفظة «التوافق» نحو 20 مرة. بل إنه في الكلمة ذاتها حرص على استيعاب المناخ السياسي والإعلامي من خلال التاكيد على عدم كفاية الفوز بالانتخابات ما لم تكن العلاقة يطبعها التفاعل الإيجابي مع الحقلين السياسي والإعلامي، داعيا أيضا إلى تشكيل حكومة وفاق وطني بعد الانتخابات، تضم كافة الأحزاب السياسية، بمشاركة الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة.

لذلك، إن حركة «النهضة» تبدو كمن يمشي فوق صفيح ساخن. فهي تحاول ضمان وجودها السياسي دون إثارة صراعات قوية أو الوقوع في منطق الاحساس بالقوة ، كما وقع أثناء الانتخابات السابقة و فوزها باغلبية مقاعد المجلس الوطني التأسيسي. أي أن هناك اشارات قوية تدل بأن «النهضة» استوعبت الدرس القائل بأن شرعية صناديق الاقتراع وحدّها غير كافية, بدليل أن الاحزاب الصغيرة والخاسرة في في استحقاقات 23 أكتوبر 2011، هي التي استطاعت إخراجها من السلطة. طبعا ليس عنصر التوازنات الداخلية، خاصة تأثير الاحداث الارهابية وجرائم الاغتيال – مع أهميتها – هو الذي فقط حتم على حركة «النّهضة» تبني سياسة المرونة والتوافق، بل أيضا هناك عامل اقليمي قوي، يتمثل في سقوط تنظيم الإخوان في مصر, وادراج التنظيمات الإخوانية من طرف قوى مركزية، سواء عربية أو غربية، على لائحة الحركات الإرهابية. وهو مناخ عربي ودولي، فرض على حركة «النهضة» التخلي عن خطاب الشرعية وان تخفض من سقف طموحاتها العالية وتلتفت للاشتغال أكثر على تحسين صورتها في الداخل والخارج, وفي هذا السياق،نهج زعيم «النهضة» ما بات يعرف الدبلوماسية الحزبية حيث زار الجزائر(وهي قوة اقليمية و محورية ومحدّدة لوجود الإسلام السياسي في المنطقة سواء من خلال التاييد أو الحياد أو المناهضة) مرات عديدة، وأيضا الصين ودول اخرى. وتاتي مثل هذه التحركات السياسية الدبلوماسية في اطار تقديم صورة مختلفة لما يتم تسويقه في العالم اليوم حول حركات الإسلام السياسي. من جانب آخر، تبدو التيارات الحداثية متاهبة لإضعاف الخصم الإسلامي السياسي خصوصا أن القوى الدستورية أو ما يمكن اعتبارها «دستورية، تجمعية»، تسعى الى توظيف ماكينتها الانتخابية وخبرتها باللعبة الانتخابية في الدوائرالكبرى لاستعادة السلطة. وهي إلى حد الساعة لم تتفاعل بشكل ايجابي مع نهج «التوافق» الذي تنادي به حركة النهضة ويمكن فهم ذلك باستقواء حركة «نداء تونس» بتقدمها في استطلاعات الرأي .

لذلك، ففي الوقت الذي تمثل فيه الانتخابات المقبلة معركة وجود لحركة «النهضة» ، فإنها بالنسبة إلى التيارات الدستورية بالاساس هي معركة صحوة وانبعاث من جديد

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع