أخر تحديث : السبت 24 أكتوبر 2015 - 8:31 مساءً

المغاربة وآل البيت عليهم السلام

عبد الله الجباري | بتاريخ 24 أكتوبر, 2015 | قراءة

abdellah_jebari_886162200

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : “إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ”، لذلك تعلق المغاربة بآل البيت الكرام، والذرية النبوية الطاهرة، منذ أن اعتنقوا الإسلام، فلم يفرقوا بين الدين الإسلامي والعترة الشريفة، ولعل أول تجَلٍّ لهذا الارتباط والاقتران، هو رفض المغاربة لكل الوافدين من الشرق، وقبولهم واحتضانهم للمولى إدريس الأكبر رضي الله عنه، الذي وفد إلى المغرب بعد موقعة فخ الشهيرة، حيث أكرموا وفادته، وزوجوه من نسائهم، وأمّروه عليهم، ولم يتعاملوا معه بأنواع المبَرّة والإحسان لسبب من الأسباب، بل راعوا في كل ذلك قرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانتسابه إلى العترة الطاهرة، مستحضرين قول الله جل وعز : “قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى”.

ويمكن أن نرصد تعلق المغاربة بآل بيت النبوة والرسالة من خلال عدة ممارسات متوارثة جيلا عن جيل، منها :

• الإكثار من تسمية أبنائهم بأسماء آل البيت، مثل علي وفاطمة والحسن والحسين وغيرها، ولا تكاد تجد أحدهم يسمي ابنه معاوية، وهذا الإعراض يعكس موقفا مبطنا من المغاربة تجاه خصوم آل البيت وأعدائهم، على اعتبار أن معاوية ممن أسهم في قتل الحسن عليه السلام.

• اهتمام السلاطين بالشرفاء وإصدار ظهائر التوقير والاحترام لهم، وإعفائهم من بعض المكوس ومن الخدمة العسكرية.

• الاعتناء بالشرفاء آل البيت وتكريمهم ومحبة جنابهم، والتماس البركة منهم، ومن ذلك معاناة أهل تافيلالت مع التمر غير الجيد في بلادهم، فلما ذهبوا إلى الحجاز، قصدوا بعض الأشراف، فسألوه أن يتفضل عليهم بأحد أنجاله تبركا بالسلالة النبوية، فأعطاهم إياه ودعا له ولهم بخير، وقد أصلح الله به البلاد والعباد، وصلح حال التمر كما يحكى.

• وقد غلا جل المغاربة في تعلقهم بآل بيت النبوة والرسالة، فتشبثوا بتقاليد غريبة طيلة شهر الله المحرم، منها عدم استعمال النساء للإثمد في عيونهن، وعدم شراء المكنسة وإدخالها إلى البيوت، وعدم طلاء الجدران، وعدم إقامة حفلات الأعراس، وغير ذلك من مظاهر البهجة والفرح والسرور، كما يملؤون القدور بالماء ويكسرونها في الطرقات، ظنا منهم أنهم يروون الحسين الذي استشهد وذووه وهم في حال عطش شديد بعد أن حاصرهم عسكر يزيد بن معاوية ومنعوا عنهم الماء.

ومن لطائف المغاربة مع عاشوراء، أن جمعوا بين الأضداد، وبذلك تميزوا عن الشيعة، فتراهم مع كل ما سبق، يفرحون ويبتهجون، فيشترون لأبنائهم اللعب والحلوى توسعة عليهم، ويطبخون بعض الأطباق الخاصة بهذا اليوم، ويمارسون طقس “شعالة” الذي يصاحبه في العادة رقص وطرب وضرب بالدفوف، ولعل هذا مما تسرب إلى المغرب من الدولة الأموية بالأندلس.

علماء المغرب وآل البيت :

خص علماء المغرب السلالة الفاخرة بالاحترام والتوقير، والإجلال والتقدير، وهم بذلك يتمثلون قول الشاعر :

نور النبوة في كريم وجوههم // يغني الشريف عن الطراز الأخضر.

ومن كبير عنايتهم بالشرفاء أن أفردوهم بالتأليف، مثل صنيع المحدث سيدي محمد بن جعفر الكتاني رضي الله عنه في كتابه “الأزهار العاطرة الأنفاس، بذكر بعض محاسن قطب المغرب وتاج مدينة فاس، إدريس بن إدريس باني فاس”، ختمه بذكر أربعين حديثا في فضل آل البيت، وألف قريبه الشيخ عبد الكبير الكتاني كتاب “الانتصار، لآل النبي المختار”، كتاب مولاي إدريس العلوي الفضيلي الموسوم بـ”الدرر البهية، والجواهر النبوية، في الفروع الحسنية والحسينية”، وألّف الفشتالي “مناهل الصفا، في أخبار الشرفا”، وقبلهم صنّف ابن السكاك المكناسي “نصح ملوك الإسلام، بالتعريف بما يجب عليهم من حقوق آل البيت الكرام”، وغير ذلك من التآليف في الموضوع.

وبناء على تعلق علماء المغرب بآل البيت، اتخذوا موقفا سلبيا من القاضي أبي بكر بن العربي رحمه الله، لأنه وإن كان أندلسي الموطن، مغربي الوفاة، لكنه كان شامي الهوى، أموي النزعة، فصدرت منه عبارات لا تليق في حق آل البيت، منها :

• خرقه الإجماع على أفضلية السيدة فاطمة على نساء العالمين، وادعاؤه أن السيدة عائشة أفضل منها، وليته أتى بدليل أو برهان على دعواه، لكنه أتى بالعجب العجاب، فاستدل لرأيه بكون أبي عائشة أفضل من زوج فاطمة، وليت شعري أي برهان هذا، ومن قرأه يتعجب صدوره من عقلية علمية ذكية مثل القاضي ابن العربي، وغني عن البيان، أن الموازنة تقتضي منه أن يوازن بين أبويهما، وليس بين أبي الأولى وزوج الثانية، لكن التنقيص من قدر آل البيت وعدم محبتهم لا يمكن أن يترتب عنه إلا هذا التهافت وأمثاله.

• صرح ابن العربي المعافري أنالحسين لم يكن مظلوما، وأنه قُتل بسيف جده وشرعه، وفي ذلك تبرئة للسفاح يزيد بن معاوية الفاسق الفاجر السكير.

لمثل هذه المواقف وغيرها، كان للمغاربة مع ابن العربي المعافري موقف خاص، فسلموا له بالإمامة في الفقه المالكي، لكنهم لم يتعاملوا معه مثل سائر العلماء، فلم يحتفلوا بشخصه، وأهملوا قبره، فأداروا عليه الحجارة المجموعة، وتركوه عاريا بلا بناء ولا كبير احترام، بخلاف عادتهم مع العلماء، ولما علم السلطان أبو عنان المريني بموقفه من استشهاد الحسين عليه السلام، همّ بإحراقه في قبره، فروجع في الأمر حتى تراجع عنه، وبقي قبره مهملا على تلك الحال حتى عهد السلطان إسماعيل العلوي، وبالضبط، حين تزوج خناثة بنت بكار المغافرية، فسألت عن قبره لانتسابها إلى البيت المعافري الذي ينتسب إليه، ولما علمت بحاله أمرت عامل فاس ببناء روضة عليه، وهي الموجودة إلى اليوم.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع