أخر تحديث : الأربعاء 19 نوفمبر 2014 - 12:01 صباحًا

ياسين … الفخارة ومرضى الحياة

ذ. حسن ادريسي | بتاريخ 31 أكتوبر, 2014 | قراءة

في كثير من الحالات، وكما هي المظاهر الخادعة، يمكن للكلمة أن تحيلك على أكثر من معنى، وكما حالي الآن، سوف لن أتكلم عن الصناعة التقليدية باعتبار الفخارة من ركائزها وفنونها، فلهذه الصناعة ناسها وفنانوها ممن ضحكت لبعضهم فارتقوا، أو من ضحكت عليهم فقضوا حياتهم في حفر من الطين والغيس، لم تشفع لهم فنيتهم وإبداعاتهم ليرتقوا، وذاك موضوع آخر،

وسوف لن أتحدث أيضا عن أكلة الفخارة … الشعبية الفلسطينية، القريبة من طنجيتنا المراكشية الشهيرة والتي لا تختلف عنها سوى في إكثار الإخوة الفلسطينيين من البطاطس والجزر والبقدونس، وتفردنا بطنجيتنا وإغراقها باللحم والفراقش، ونحن هواة مضغ اللحم الطايب والنيء على حد سواء …

ولم أجد توصيفا … للفخارة … بالمفهوم الذي أتمنى تناوله أو على الأصح تبليغ ميساجه، أحسن من الصورة المجازية الرائعة التي تناول بها المرحوم الشيخ عبد السلام ياسين مفهومها ، من حيث كونها تجسد الهشاشة والفراغ … وقابلية الانكسار … رغم ما تعكسه من جمال في الصنع والزخرفة والشكل،

فكذلك هو الإنسان … هذا المخلوق الفخاري الذي ملأ دنيانا ضجيجا وسياسة وبنى لنفسه نسقا عاجيا ورؤيا مادية من الفخار الصم الخالي من الهدف والغرض والغاية، دون أن يدرك أنه سائر لا محالة إلى حتفه … وأن هناك حقيقة في الآفاق … لن تخطئه بحال من الأحوال، وهي الموت، وأن مرضى الحياة ، وكما هم دائما، لن تسكتهم وتسد أفواههم المتكلمة كثيرا، سوى حفنات التراب … التي ستسكب على أم رأسهم، رغما عنهم، كما سكبت على غيرهم من غابر الإنس والأمم …

وقليل منا اليوم، وخاصة المشتغلين بالسياسة والنقابة، بمفهومهما السطحي والقدحي، وغير المتورعين عن تأليه البشر والنفخ فيه ، وتمثيل الولاء المطلق في أعلى درجات بؤسه وانحداره،
قليل منا، من يطرحون على نفسهم بعض الأسئلة الأساسية، ويفصحون عن شجاعتهم في قبول الفكر الآخر والتماهي معه ومقارعته بالحجة، حتى لا نقول بالموعظة الحسنة،

وعهدي بالشجاعة شجاعة عندما تنخرط في الجواب عن هذه الأسئلة المقلقة … النهائية Ultimate questions كما سماها جميل صليبا في معجمه الفلسفي …
من أكون ؟ ما حقيقتي ؟ وإلى أين أسير ؟ وهل أنا وحدي ؟ وهل منجزاتي المتواضعة والتافهة حتى … كفيلة بجعلي مركز الكون … في تحد سافر لقوانين البشر وناموس الطبيعة ؟
ولا أدري لماذا يجعلني … الشيخ ياسين … على الرغم من عدم اتفاقي مع جل رؤاه … هذا الرجل المتعصي في حياته عن أي تغيير أو مراجعة، وعهدي به لو شاء في فترة من فترات عمره لأعطوه وزنه ذهبا أو نقل ألماسا مع توالي صعود وهبوط هذا المعدن النفيس، إلا أنه اختار ما اختار،

قلت يجعلني هذا الرجل، الذي عادوا أخير وقالوا بأنه لم يجمع في حياته كما بعد مماته سوى حفنة متواضعة من البشر والمريدين، أتذكر أسئلته الحارقة، أو بالأحرى سؤاله في المعنى، كلما قرأت أو سمعت كلام المتكلمين أو بعض الساسة الصغار … من طينة الفخار … القابل للإنكسار، وهم يحولون السياسة إلى همز ولمز وتهكم … ودحض مشاريع الفكر الإنساني كله واختزالها فيهم، وإيقاف عجلة الزمان، بعنف لفظي لا يحتمل، وبتعالي قل نظيره، متوهمين أنهم يديرون الصراع، ويمسحون الخصم ، ويهيئون الطريق للخطاب الأوحد، مستعيضين عن الله بخلق، من إكليروس، لطخوا وجهه من حيث لا يدرون … بتعصبهم الدموي، ومسحهم الحذاء بشكل مرئي ومحسوس كتابة وتنظيرا، من دون أن يدروا أنهم يقتلون بذلك مشروعا قائم الذات ، لم يصنعوه هم بحال من الأحوال، ولم تتح له الفرصة كاملة بعد، أو بالأحرى لم يعطى الوقت اللازم ليوضع على المحك … للحكم عليه بموضوعية … موضوعيتنا الآن … حتى وقد عرفت الأمة في ظله … فترات وصفحات مشرقة في تاريخها البعيد …

وعندما تؤله الفرد أو ترفعه بغباء وولاء ساذج، وتكثر من حولك الأعداء، فلا شك أنك تختار فناءك، وتعيد مسرحيات حزينة عرفها الفكر الإنساني، وعبر عنها بروعة ، غسان كنفاني في مسرحية الباب عندما ذكرنا بالحقيقة المرة التي لا تقبل الجدل … إن الإنسان يختار موته …عندما يفوته اختيار ميلاده …

وأعتقد أننا لم ولن نولد إلا في حضن الآخرين، ولن نحيا … ما دمنا نريد أن نحيا لوحدنا … ونتهكم على الجميع …

لذا … أقول مع جموع المتهكم عليهم، من أجل بصيص من حكم وريادة …

أنت تلغو وتنتشي، وتفرح وترفع إنسانك، وتتفلسف على مستوى حيوانيتك، وحسك وجسمانيتك، وما عداك تسقطه أرضا وتثبط تطلعه للسماء … لتبقى وحدك … تخال …
فقبول الآخر… دون تهكم أو عنف لفظي والإنصات … يعد كرامة …

وأستطرد مع فضيلة الشيخ:
منة السمع، وحاسة السمع، وكرامة السمع … من أعظم عطايا الرب سبحانه، إذ هي القناة التي منها يصل خبر وجود الله، والعلم بالله، والعلم بطريق السعادة وحقائق المحيى والممات.
من كتاب … التنوير, م.س1/259 – 260

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع