أخر تحديث : السبت 21 نوفمبر 2015 - 12:56 صباحًا

التطبيع مع الدماء

سليمان الحقيوي | بتاريخ 21 نوفمبر, 2015 | قراءة

48b261b4-230c-43e4-82d3-8bf93ee8b47b

ثمة جاذبية للعنف تدفع الجمهور إلى طلبه في أفلام السينما، العنف الذي نراه على الشاشة فيما نحن ناجون منه يمنح متعة للمتفرج
إن أفيشات الأفلام التي تظهر صوراً عنيفة؛ انفجارات ومطاردات، أو بطلا يمسك مسدسا رشاشا… تكون اختيارا أول للعديد من الناس الذين يذهبون إلى صالات السينما من دون تعيين مسبق للفيلم الذي سيشاهدونه. لأن العنف أصبح عنصر اجتذاب مهماً إلى جانب موضوعات أخرى كالجنس والكوميديا. العلاقة بين جمهور السينما ومشاهد العنف فيها، علاقة ملتبسة، ينتقدها الجمهور لكنه يُقبل على مشاهدتها، يحبها رغم عرضها للدماء والقتل والقسوة، وذِكر ثنائية السينما والعنف يحمل عادة اتهاماً للفن السابع بكونه يحرّض على العنف.

إن العنف بأنواعه حاضر في أكثر من نصف الإنتاج السينمائي في العالم، والأفلام التي توظّف مشاهد العنف تحقق إيرادات كبيرة أكثر من غيرها، وأكثر الأفلام تحقيقاً لإيرادات في السينما العالمية والعربية هي أفلام وظفت العنف. وهنا يمكن أن نستحضر تجربة المخرج الأميركي سام بكنباه (1925- 1984) الذي عُرف بإخراجه أفلام عنف كثيرة منها؛ (العصبة المتوحشة)، الذي نال نجاحا جماهيريا كبيرا، لكن النقاد هاجموه كثيرا، وعندما تخلى المخرج عن العنف في أفلام وسترن تالية لم يُقبل عليها الجمهور.

ومع نهايات الثمانينيات عرف الجمهور حقبة أخرى من أفلام الحركة والانتقام، وظهرت كوكبة من أبطال شباك التذاكر مثل (أرنولد شوارزينيغر، سيلفستر ستالون، جاكي شان…) وسيطرت أفلام الحركة والعنف والقتل على سنوات التسعينيات كلها، حيث أصبحت موضة ذلك الوقت، ولم تختفِ الظاهرة بل زادت قوة بظهور جيل آخر من أبطال الحركة، ومؤخرا أخرج ستالون نفسه أفلاماً دموية تذكّر بعاداته القديمة كثلاثية المرتزقة التي استدعى لها أصدقاءه من ممثلي الحركة المعروفين مثل جون كلود فاندام وشوارزنيغر وجيتلي وجايسون ستايتم وغيرهم.

الأمر لم يتوقف عند أفلام الحركة، بل سارعت شركات الانتاج الكبرى إلى صناعة أفلام دماء كثيرة موجهة أساسا لفئات المراهقين، كسلسلة أفلام «ساو، وسكريم، والوجهة الأخيرة…»، هذه الأفلام أزالت القيود أمام سينما العنف، وأصبح الجمهور يستمتع بمشاهدة عمليات الذبح، وتطاير الأشلاء في الهواء بشكل مقزز وفج بمتعة تزداد كلما زادت جرعة العنف في ما يشاهده.
مصدر الاجتذاب

السؤال الصعب هنا هو: كيف أصبح القبح مصدرا للاجتذاب؟ ما الذي يقود الجمهور في اختياره المعلن هذا! حيث يصبح العنف مجرد فواصل ثابتة من دون ضرورات فنية أحيانا، وتفقد قصصه شروط بناء الفيلم وتحقيق معادلة السينما/الفن. يفسر هيتشكوك ميل الجمهور لهذا النوع من السينما بقوله: «لا شيء يمتع أكثر من شعور الخوف الناتج من مطالعة أو مشهد عندما يكون صاحب هذا الشعور نفسه جالساً في مقعد مريح حيث لا يجازف بشيء». فاقتران العنف بالمتعة هو ثنائية قديمة جدا، لنأخذ مثلا حلبات المصارعة الرومانية التي يمكننا هنا أن نقارنها بالسينما، حيث كانت حشود الناس تأتي لتشاهد بطلا يقتل خصمه بأبشع الطرق؛ بل يقوم الجمهور نفسه بإصدار أمر القتل في نهاية المعركة، فالسينما من نواح عديدة تقدم نفس الوجبة لكن بطرقها الخاصة.

وتستهدف أفلام العنف عادة فئات الشباب والمراهقين، وهي الفئة التي يركز عليها الاقتصاد الإعلامي بكل أنواعه، والسينما كأداة تواصل فعالة تمتلك ما لا يمتلكه غيرها مستفيدة من خصائص هذه المرحلة المضطربة من حياة الانسان؛ بحيث يكون السلوك العدواني، والغضب، والحقد، والإحساس بالاستياء والقلق. فتصبح هذه النزاعات الداخلية للمراهق هي المرجع الذي ينطلق منه إعجابه بأفلام العنف. وإن شئنا الدقة فالأمر حقيقة لا يقف عند السينما وحدها، فاليوم كل وسيلة إعلامية تشحذ لنفسها كل الوسائل لتحقيق الربح التجاري، وحقل الإعلام تحكمه مقولة «ليس للدراهم رائحة»، وللسينما وسائلها الفنية كما لها أيضا وسائلها القذرة لبلوغ هذا الهدف المعلن، وتدفع المنافسة الشديدة بين كبربات شركات الإنتاج إلى البحث عن قصص عنف جديدة مهما كانت بشاعتها ما دامت تجد تجاوبا في شبابيك التذاكر. الأمر لا يختلف بالنسبة للسينما العربية، فأفلام العنف كانت دائما محببة عند الجمهور، منذ أفلام فريد شوقي، مرورا بعادل إمام، وصولا إلى أحمد السقا. فالعنف عملة مربحة، أفلام السقا مثلا تحقق دائما أعلى الإيرادات.

مسألة التحريض على العنف، هي واردة في السينما بكل تأكيد، وهو أمر قد لا يحتاج إلى جدال، فكما يقلد الشباب أبطال الأفلام في أزيائهم وقصات شعرهم، فهم حتماً سيقلدونهم في سلوكات أخرى؛ يمكن هنا أن نعود لبعض الأحداث التي تناولتها وسائل الإعلام الأميركية التي تتخذ من بعض الأعمال السينمائية وأبطالها قدوة، لكن مسألة التأثير والمسؤولية ليست كل شيء في سينما العنف، بل تتجاوز ذلك بكثير، فسينما العنف عبر تقنيات الإبهار الحديثة، خلقت علاقة تطبيع مع الدماء والعنف والشر، ومشاهدتها باستمرار تجعل إحساس الجمهور اتجاه المبادئ الإنسانية يضعف، ويختفي أحيانا أمام القضايا العادلة، هذا الأمر ساهم في خلق أجيال من دون مبادئ ثابتة وبعواطف هجينة ومفككة.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع