أخر تحديث : الأربعاء 30 ديسمبر 2015 - 9:37 صباحًا

الإدارة التربوية في صيرورة الإصلاح

عبدالرؤوف الزكري | بتاريخ 30 ديسمبر, 2015 | قراءة

zekri

لقد انصب الاصلاح الذي تعرفه المنظومة التربوية على مستويات عدة، و تبقى الادارة التربوية أهم ركن فيها لم يأخذ نصيبه الذي يستحقه من هذا الإصلاح، ذلك أن كل الجهود التي تبذل تحتاج إلى قيادة و إدارة راشدة و فعالة تستطيع أن تقود المؤسسة نحو تحقيق الأهداف المنشودة، و تفعيل البرامج و المشاريع الجديدة في ميدان التربية، و تنقلها من القول إلى الفعل و من التفكير إلى الإنجاز، فإليها يعزى النجاح لكل إصلاح منشود، و لا تتحمل طبعا كل المسؤولية في الفشل كما هو حاصل الآن .
نتساءل هنا عن تاريخ ظهور الإدارة في الجسم التربوي، وعن ملامح الإدارة الفعالة ،والأدبيات والدراسات التي تناولتها بالبحث والتنقيب. ثم نعرج على واقعها في منظومتنا التشريعية والتربوية.
لمحة تاريخية :
لقد ظهرت أولى البحوث المرتبطة بالإدارة، في الولايات المتحدة الأمريكية في المجال العسكري ،كالكثير من المفاهيم الأخرى التي برهنت عن نجاعتها وفعاليتها عسكريا ليتم سحبها لاحقا إلى الميادين الأخرى ومنها التربوي .فحسن إدارة الحرب هي الوسيلة التي تبرهن على مدى استغلال الإمكانيات المادية والبشرية المتاحة .
ولم تظهر الإدارة كعلم مستقل إلا في منتصف القرن الماضي في أمريكا أولا ،ثم بعد ذلك في أوروبا واليابان والاتحاد السوفياتي سابقا. ومنذ ذلك الحين بدأت السلطات التعليمية في الدول المتقدمة تدرك عبء إدارة التعليم، وأنه أخطر وأضخم من أن يتحمله من لا خبرة له ،ولاتكوين مسبق له .لذلك بدأت تظهر في بعضها برامج لتدريب وإعداد مديري المدارس .ومن هذه الدول المتقدمة ،انتقل هذا الاهتمام إلى العالم الثالث ومنها البلدان العربية .
ولقد أرجع تقرير المجلس الأعلى للتعليم بالمغرب التأخر في عدد من الأوراش إلى مجموعة من العوامل وفي مقدمتها القيادة ،حيث نص على :
– غياب الإدارة الضرورية لإنجاح التغيرات المتوخاة.
– افتقار المنظومة التربوية إلى الآليات اللازمة للقيادة.
– عدم قدرة نظام الإعلام على الاستجابة لمتطلبات القيادة.
– حاجة المنظومة إلى تطوير آليات فعالة لقيادة مختلف مستويات ومكونات المنظومة .
انطلاقا من هذا التشخيص ،الذي ما ترك نقيصة ولا شاردة ولا واردة في تعثر قطار الإصلاح وعدم وصوله إلى المحطة المنشودة ،في الوقت وعلى الهيئة التي أريد له ، إلا وألصقها بالإدارة التربوية ،آخر حلقة في العقد الإداري ،واللبنة الصغرى في هرمه المتعالي . جاء البرنامج الاستعجالي من بين ما جاء به:
– بات من اللازم إرساء حكامة تذكي روح المسؤولية ، و تضمن قيادة فعالة للمنظومة وتحسين أدائها باستمرار .
– نجاح إنجاز مقتضيات البرنامج الاستعجالي رهين بتوفر شرطي التغيير العميق لأساليب التدبير ،ووضع عدة متينة لقيادة مراحل إنجازه .حيث يتعين على نظام القيادة أن يسمح بتحديد سريع للاختلالات (التأخرات والتعثرات والإكراهات والمشاكل المحتملة المرتبطة بقابلية الإنجاز )وينبغي إزاء هذا الحجم من التحديات تمكين نظام القيادة المذكور من الوسائل التي تضمن له سبل النجاح.
ولنا أن نلمس بوضوح المكانة التي بوأها منظورا الإصلاح ومهندسوه للقيادة التربوية من مسؤولية مركزية لنجاح وفعالية المنظومة التربوية. والقيام بأدوار جديدة لم تألفها من قبل ، وهذا يتطلب ثورة في المفاهيم وإعادة صياغتها من جديد ،حتى تتماشى والأدوار المنوطة بها في صيرورة الإصلاح . وهذا ما بشر به البرنامج الاستعجالي حين حديثه عن القيادة والتدبير وهي مفاهيم جديدة على الحقل التربوي ،بدل الإدارة والتسيير التي شاع استعمالهما في الأدبيات التربوية السابقة على ميلاد البرنامج الإصلاحي . فما المقصود بهذه المفاهيم ؟وأين تتقاطع ؟ وفيما تفترق؟
الإدارة : تهتم بالجانب المادي في المؤسسة ، أي التي يجب القيام بها لكي تؤدي المؤسسة الخدمة العمومية المطلوبة منها ،بشكل لا يؤدي إلى اضطراب في السير العادي للحياة الاجتماعية .
التسيير : مأخوذ من سير وهو مرادف لفعل ساس أي ساق الناس وفق إرادته ، والمقصود حمل الناس ممن هم تحت إمرته على تطبيق القواعد الشكلية و الأدوار الرسمية والإجراءات القانونية والعمل وفقا لما تفرضه بعض التقنيات الإدارية .
التدبير : بوجه عام ،هو حسن استعمال الموارد البشرية والمادية المتاحة بأسلوب يضمن سير العمليات (التعليمية /التعلمية) وتنفيذها في أفضل الظروف سعيا إلى تحقيق المردود المنشود .
القيادة : تهتم بالجانب الإنساني في المؤسسة ، أي الإنسان الذي يؤدي الخدمة العمومية ، من حيث ظروف العمل وإكراهاته ،التوفيق بين ما ينبغي أن يكون وما تسمح به الإمكانيات المتوفرة .
وتحقيق الفعالية لأي نشاط ،هو الغاية التي تبرر وجود الإدارة .لكن النزوع نحو التركيز على الإجراءات الإدارية والقانونية الشكلية ينتهي بكل مشاريع الإصلاح إلى نقطة بدايتها ،دون تحقيق الأهداف المتوخاة ، وقد تحقق نتائج عكسية .من هنا تبدو الحاجة إلى الالتفات إلى مفاهيم من قبيل التدبير والقيادة ،لإضفاء اللمسة الإنسانية للعمل الإداري ، كإنسانية العمل التربوي التكويني .
الإدارة على مستوى التشريع :
أوكلت مهمة تسيير المؤسسة إلى مدير الذي يتحمل عبء نجاحها في أداء رسالتها التربوية. ولكي يحقق فعاليتها يتعين عليه حسب المذكرة الوزارية رقم 213 بتاريخ 19 نونبر 1968 ما يلي :
1/ أن يعرف الأهداف والوسائل الكفيلة بتحقيقها .
2/ أن يكون واعيا بمهمته التربوية وأن يؤديها بجدية وإخلاص .
3/ أن يكون قدوة للمدرسين الذين يجدون في سلوكه نموذجا عمليا يذكي الضمير المهني لديهم ،وفي تكوينه العام وثقافته المهنية تشبتا واندفاعا نحو الإبداع والتجديد .
وعلى مستوى التعليم الابتدائي لا نكاد نعثر على هيكلة إدارية ،حيث أن الحديث يقتصر على شخص واحد هو المدير .فحتى المرسوم الصادر سنة 1975 والذي يعد بمثابة النظام الأساسي الخاص بتعليم الطور الأول ،يحصر موظفي التسيير في المدير ،والذي يمكنه بناء على نفس المرسوم أن يستعين بشخص أو اثنين حسب وضع المدرسة وعدد تلامذتها . الأمر الذي لا يعرف طريقه نحو التطبيق إلا في حالات محدودة جدا ولأسباب هي أشبه بإحالة على معاش مقنع ،يتنافى والعمل الإداري المتطلب لقدرات تواصلية ،وكفاءة تدبيرية والتفرغ لها. وبالنسبة للمجموعات المدرسية بالعالم القروي ، فقد تم تكليف أستاذ بكل فرعية يفوق عدد العاملين أربعة أساتذة ، ليكون مساعدا للمدير ،في مهام حددها منطوق المذكرة رقم 132 الصادرة في 26 نونبر 2008 وقد لاقت من الرفض من طرف الفاعلين التربويين تم التعبير عنه إعلاميا وفي الإجتماعات الرسمية ، وتم التأكيد عليه عمليا في الطريقة التي يعامل بها هذا المكلف ، والنعوت التي تلصق به من طرف الزملاء إلا فيما ندر، حيث يتم حصر اختصاصه في التبليغ عن الغيابات ،أما الأدوار الاخرى ،فليس له من الوقت ولا الأهلية للقيام بها. وهذا يعني أن العملية التعليمية التعلمية على مستوى التعليم الابتدائي الذي هو اللبنة الأساسية للبناء التعلمي للفرد ،وقاعدة الهرم للمشروع التربوي المجتمعي ،تبقى تحت مؤهلات شخص واحد ، وكفاءته التدبيرية .
مجلس التدبير:
والذي يمثل نقلة نوعية ،وخطوة تجديدية ،تحاول اقتلاع البيروقراطية من جسم المؤسسة التربوية ،وتضعها في رحاب العمل التشاركي حين تسند مهمة تسييرها إلى ثلة من الناس ، تتعدد مشاربهم واهتماماتهم فضلا عن تفاوت قدراتهم وتنوع اختصاصاتهم ،التي قد تتكامل لتحسين جودة المنتوج التربوي ، والرفع من مردوديته .حيث تختص هذه الهيئة بتسيير المؤسسة إلى جانب مديرها الذي يمثل المحرك الأساسي للحياة المدرسية ،والإطار الذي يسهر على تنفيذ الأنشطة التربوية بشكل فعال ومؤثر .
فالقائد التربوي الفعال هو القادر على تأمين الحاجيات المادية ،والخدمات التربوية للمؤسسة ،متجاوزا التدبير اليومي القائم على التجربة الشخصية فقط ،وتمرير التعليمات نزولا ،والطلبات صعودا .فخلق مثل هذه المجالس جاء استجابة لتقييم مستوى أداء الإدارة ،وحددت مسؤوليتها في توفير الشروط الملائمة لتحقيق الأهداف الكبرى المرصودة للقطاع الذي تتحمل عبء تأطيره وتدبير شؤونه .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع