أخر تحديث : الأربعاء 13 يناير 2016 - 7:38 مساءً

الطريق إلى الدولة المدنية

سعاد الطود | بتاريخ 13 يناير, 2016 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_souad taoudذة: سعاد الطود –

يعتبر المجتمع ناهضا ومتحضرا ومدنيا، إذا قام اقتصاده وسياسته على أساس القانون، وتم تدبير العلاقات بين الأفراد والمؤسسات على أساس الالتزام الصارم به والاحترام الدقيق لبنوده ، وإذا تبنى هذا المجتمع تشريعات كفيلة بحماية أفراده رجالا ونساء وأطفالا بدون تمييز، سواء كانوا سكانا أصليين أم مهاجرين، وإذا كان الناس جميعا أمامه على قدم المساواة، بحيث تكون السيادة المطلقة للقانون. ثُم إن قوة المجتمع تقاس بمدى تماسكه وفاعلية أفراده، وتعدد اختياراتهم وتنوع قدراتهم، وإمكانية تفاعلهم وقدرتهم على فتح مجال عام للتواصل و النقاش القائم على الفكر و العقل، دون إقصاء لأحد المكونات الثقافية أو السياسية لهذا المجال. أما ما يملكه البلد من إمكانيات مادية وطبيعية، فإنه لا يرقى به إلى أن يُصنَّف ضمن البلدان المتقدمة الراقية والحداثية. ولا تستقيم حداثة المجتمع ولا يتيسر تمَتعُه بالرقي والرفاهية، إلا في ظل سيادة القانون، الذي يضمن حرية الأفراد، ويُفصِّل كيفية التصرف باسم الدولة، ويمثل الأساس الشرعي الوحيد للسلطة، ويوضح كيفية وشروط ممارستها. فيكون الدستور هو القانون الأسمى و المعيار الأوحد لتصرفات مختلف السلطات المتفرعة عن الدولة، و تتدرج تحته كل القوانين و التشريعات والأوامر والتعليمات، ويبلغ التدرج إلى القرارات الفردية الصادرة عن السلطات الإدارية. و لا يجوز أن تتجاوز أي سلطة من السلطات أو إدارة من الإدارات المبادئ التي نص عليها الدستور، وإلا فقدت شرعيتها. كما أن حماية الحقوق الإنسانية السياسية والاقتصادية والثقافية و الحريات الفردية، من أهم الأهداف التي يجب أن ترمي إليها الدولة وأن تجعلها من أهم مقوماتها بل من أهم المعايير التي تؤشر على صدقية وجودها. لذلك وجب إيجاد ضمانات لحماية هذه الحقوق و الحريات، باعتماد آليات للفصل بين السلط و تثبيت استقلالية القضاء من أجل تنظيم وتطبيق الرقابة القانونية على كل أجهزة الدولة، مما يؤدي إلى التمتع بنظام ديموقراطي حقيقي. هكذا هي الملامح العريضة للدولة المدنية التي كانت ثمرة جهود مفكري التنوير الذين مهدوا لها الطريق نظريا لكي تقوم على مبادئ المساواة واحترام الحقوق الإنسانية، وتنبني على القيم الأخلاقية التي تسود معها علاقات التسامح والتضامن وحفظ حقوق الأقليات ونبذ العنف والاستكبار من أجل ضمان العيش المشترك.
لا سبيل لنا نحن المغاربة إلى ذلك إلا إذا أصبحت الحداثة واقعا أصيلا نعيشه يوميا، متحررين من الشعور بأنها برانية غريبة مستوردة مهددة لقيمنا. لذا فإنه لا غنى لنا عن استنبات المبادئ و القيم التنويرية الحداثية في تربتنا الفكرية. ولا ينكر متابع للفكر العربي أن هذا التفاعل الثقافي قد انطلق عند العرب و المسلمين منذ خروجهم الأول من شبه الجزيرة العربية، ومعانقتهم للفضاءات الثقافية المتباينة في ذلك العصر، ولعل العرب قبل ذلك، قد تدرجوا في استدماج القيم والأفكار في ثقافتهم أيام رحلتي الشتاء والصيف قبل أن يصبحوا حاملين لرسالة حضارية؛ وإن الحديث الذي دار بين عمرو ابن العاص و النجاشي لإفشال الهجرة الأولى، لدليل على أن هذا الرجل حديث العهد بمغادرة الوثنية كان قادرا على إنشاء خطاب متضمن لكل مقومات الإقناع المؤسَّسة على فهم عميق لثقافة الآخر. ولم يكن ذلك ليتسنى له لو لم تحتك فئة من قريش بالثقافات الأخرى للفرس الوثنيين والروم المسيحيين. وبعد ما تم التوسع في الأرض لنشر الدين، انتاب العرب والمسلمين حس عقلاني بدءا من ابن تيمية في “درء التعارض بين العقل والنقل” الذي انحاز فيه هذا الأخير بوضوح إلى النقل، في حين جعل المعتزلة العقل في خدمة التأويل وكذلك فعل الفلاسفة فيما بعد، فتلقوا الضربة القاضية مع نكبة ابن رشد، رغم أن هذا الأخير قد بنى خطابه الحجاجي فيما بين الملة والحكمة من الاتصال، مع استحضاره لحدود التأويل. وقد كتب للمشروع الفلسفي العربي أن يستمر ويبقى ويتطور فيما بعد القرن السابع عشر بأروبا.
استأنف العرب محاولات استنبات المفاهيم والأفكار و القيم، في ثقافتهم الإسلامية، تحت تأثير فلسفة التنوير الأوروبية في القرن الثامن عشر، بالبحث في أسباب التخلف واستشراف إمكانيات الانعتاق و التحرر، وبتأمل العقل العربي في علاقته مع النص وإمكانيات التأويل، مع مفكري النهضة والتنوير العربي من أمثال الرائد رفاعة الطهطاوي و المعلم محمد عبده، الذي خرج من جبته رجال فكر متعددو المناحي والمشارب، أمثال السلفي محمد رشيد رضا والليبرالي قاسم أمين والمعتدل علي عبد الرازق، ومؤرخ الحياة الفكرية للمسلمين أحمد أمين.كما أن أعمال مفكري النهضة العربية، كان لها تأثير متميز في المغرب مع الشيخ شعيب الدكالي والمختار السوسي وعلال الفاسي. وقد جاء من بعد هؤلاء خلف من المغاربين الذين كانت لهم تأملات في التراث الفكري العربي الإسلامي والفكر الغربي، مركزين على التأريخ والنقد للفكر الإسلامي والفلسفي والعلمي، وعلى قضايا العقل والعقلانية والحداثة، من أمثال محمد عابد الجابري وعبد الله العروي ومحمد سبيلا وطه عبد الرحمن ومحمد أركون… ، ممن انكبوا على التطلع إلى آفاق الفكر في الغرب فحص فكر الحداثة وتجلياتها أو نقد التراث وفحص جذوره والبحث عن آليات اشتغاله اعتمادا على المنهج النقدي. لقد شكل ذلك أهم مظهر من مظاهر مخاض الحداثة التي عاشته أمتنا في المشرق والمغرب، وهي تعاني لمدة طويلة من ضغط الاستعمار، الذي تلته إكراهات أو خيارات التبعية للغرب المهيمن، الذي أصبح اليوم يعاني بدوره وفي نفس الآن من عقدة الإرهاب ومن فوبيا الإسلام.
لنتوقف الآن، ولنتأمل التحولات التي عاشها الغرب، فيما بعد القرن الخامس عشر، ولنلاحظ أن أولى الخطوات التي قادته إلى الانعتاق من التخلف، كانت بعيد سقوط الأندلس في الثاني من ربيع الأول 897 ه الموافق 2 يناير سنة 1492، وهي السنة التي اكتشف فيها كلومبس القارة الأمريكية لتبدأ هيمنة الغرب المسيحي على المشرق الإسلامي. في تلك اللحظة بالذات كان الغرب يعاني من التخلف الشامل، وكان سقوط غرناطة بمثابة الشرارة التي أنارت الطريق لرجال فكر الأنوار الذين كانت أولى أولوياتهم قضية التربية و التعليم. لقد انتبهوا إلى هزالة مردودية نظامهم التعليمي، فانطلقت عندهم مرحلة التشخيص.
فعلى سبيل المثال، أشار أحد المؤرخين لقضايا التربية في أوروبا، إلى أنه قد تم تقدير وجود 80 % من الأميين في فرنسا في نهاية القرن السابع عشر وأن عدد المتمدرسين في المدارس اليسوعية السائدة لم يتجاوز المائة ألف متمدرس من كل الفرنسيين. كما أن الوضعية في المعاهد الإنجليزية كانت متردية في نفس القرن، فإن المقررات والمواد المدَرَّسة لم تكن منسجمة مع الأهداف التي سطرتها الفلسفات ذات النزعة التجريبية. ولقد عبرت شهادة جون لوك عن الخلل التربوي بوضوح في الفترة (1730- 1804) بقوله: ” إن جزءا كبيرا من الدراسات التي تحظى حاليا بكثير من التبجيل داخل معاهد التعليم في أوروبا، يمكن أن يستغني عنها الإنسان المتمدن في حدود معينة دون أن يلحق بشخصه أي نقص ودون أن تتأثر أعماله”. ويذكر أليكس فيلولينكو استنادا إلى الدراسة التي أجراها أوكيست بنلوش بعنوان: “إصلاح التربية في ألمانيا في القرن الثامن عشر”، أن المعلمين غير أكفاء، لا يتوفرون على تكوين بيداغوجي ولا على خبرة في التدريس، ولقد أصبحت مهنة التدريس ملاذا لكل من لا يجد عملا آخر، وأن هؤلاء المعلمين لا يملكون أدوات الحوار والسؤال، ويكتفون فقط بالإلقاء.
في ظل هذا المناخ المتردي تربويا، رأى مفكرو الأنوار أن التنوير لا يتعلق بصياغة نظرية للحقوق تضمن التقدم للبشر في مجال السياسة والأخلاق، بل يجب توجيه هذا التقدم الإنساني نحو الغايات السامية من أجل إصلاح جميع مناحي الحياة، لأن الإنسان في اعتبارهم ، هو غاية للطبيعة. من هنا كان تركيزهم على قضية التربية والتعليم، وقد رأى كانط أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي تجب تربيته، لأن الحيوانات لا تتطلب من كبارها إلا التغذية مباشرة بعد الخروج إلى الوجود، بعد ذلك تتدبر أمرها بنفسها. و لقد أكد في كتابه: “ما هو التنوير” على مسألة تدريب الطفل على الانضباط، فعن طريقه يتمكن من الكشف عن إنسانيتِه. لأن الحيوانات ليست في حاجة إلى التدرب على سلوك معين يُسهل عليها الحياة، فما عليها إلا أن تنصاع للطبيعة وتستجيب للدوافع والمؤثرات والرغبات بشكل آلي. أما بالنسبة للإنسان فإن الانضباط هو الكفيل بإخراجه من حيوانيته، ومن حالة الطبيعة و الوحشية، ويجعله قادرا على الاختيار بدل الانصياع للدوافع و المؤثرات، ومن تم تنمو حريته. كانط لا يعني بالانضباط الطاعة العمياء للأوامر والتوجيهات بقدر ما يعني بناء الحرية المؤسسة على العقل بواسطة التربية. وقد اعتبر مفكرو الأنوار أن التربية لا تتعلق بالمسألة الأخلاقية فقط، بل ربطوا المسألة التربوية بنظام الحكم داخل الدولة، فقد أعلن هيلفيسيوس أن ” فن تكوين البشر يرتبط ارتباطا وثيقا داخل كل بلد بشكل الحكم، إلى درجة أنه لا يمكن إحداث أي تغيير ملحوظ في التربية العمومية دون إحداث تغيير مماثل داخل أنظمة الدولة”. وها هي ذي منظمة اليونيسكو اليوم في بداية القرن الواحد والعشرين تربط انخفاض الناتج المحلي لبلد ما بظاهرة الهدر المدرسي في دراسة ميدانية أنجِزت سنة 2004. مما يعني أن هذه الظاهرة تُؤثر سلبا على التنمية البشرية وتعوق تحقيق أهداف الألفية. لأنها تدمر القدرات والموارد البشرية اللازمة للنهوض بجميع القطاعات الاجتماعية السياسية والاقتصادية والثقافية.
لنتأمل مسارنا الحضاري، ومشاريعنا الثقافية والسياسية والتنموية منذ تبلورت إبان الصدمة التي هزتنا بعنف عند هزيمة إسلي، كما فعل كانط عندما تأمل مسار الثورة الفرنسية، وانتهى به التأمل إلى أن الحماسة لا تكفي والنظريات قد تنير الطريق ولكنها لا تفي بالمطلوب على أرض الواقع. ففي مقالته تأملات في التربية رأى إيمانويل كانط ” أنه لا يكفي تحمُّس الفلسفة للأنوار، وصياغتها لنظرية حول الحق السياسي حتى يتحقق التقدم البشري نحو الأفضل سياسيا وأخلاقيا. يجب أن تأخذ الدول الحديثة مبادرة تاريخية لأجل تفعيل هذا التقدم وتوجيهه نحو الغايات التي يضعها العقل الخالص لأجل إصلاح تدريجي للطبيعة البشرية”. لنلتفت الآن إلى المسألة التربوية في بلادنا وفي واقعنا الحالي. فليس من باب الاجترار أن نجزم بأن التربية والتعليم حظيت بأهمية قصوى في ثقافتنا منذ القدم، و أننا اليوم نسجل تراجعا خطيرا في المنجز التربوي ببلادنا رغم جعجعة الإصلاحات وضوضاء نواقيس التنبيه والإنذار بقرب الكارثة؛ كارثة السقوط في الظلام الدامس الذي لم تعرفه أمتنا حتى في جاهليتها؛ علما بأن نقطة الصفر في تاريخنا الحضاري ارتبطت بتوصيف متصل بالجهل. مما يعني أن مخيالنا الاجتماعي قابل للبحث عن مخرج من مأزقنا الحضاري بواسطة التربية و التعليم و التكوين و التنوير.

لقد تتالت سلسلة من محاولات إصلاح المنظومة التربوية التعليمية في المغرب، بدءا من إصلاح 1985 ، الذي تم فيه الحديث عن تعميم التمدرس والتعليم الأساسي وإلزاميته وعن “النجاح “، مع تغييب الحرص على وضع معايير حقيقية و موضوعية لهذا النجاح. ثم أتانا بعد ذلك إصلاح المنظومة التربوية لسنة 1998 التي قدمها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والذي شكل حينها بارقة أمل، إلا أن البرامج الإصلاحية كانت بصيغة كمية، وركزت على رفع نسب التمدرس ونسب النجاح وعلى تقليص نسب الهدر. ورغم تجديد المناهج المقترحة وتعدد الكتب المدرسية، لم يُراعَ مبدأ التطوير الإيجابي الذي يضمن الرفع من جودة التعليم، ولم تعرف أساليب التدريس تحولا حقيقيا يجعلها قادرة على تنمية روح المبادرة إلى البحث عن المعرفة والتكوين الذاتي لدى التلميذ، و تنشئة الفرد على الانضباط والالتزام لتنمية حريته وتأسيسها على ميزان العقل، ولم يوضع المعلم و الفاعل التربوي في اعتبار المخططين للإصلاح، وظل التوظيف المباشر في قطاع التعليم أسهل رد على غضب الجماهير في ساحات الربيع المغربي، وعلى فشل التعليم في البوادي وهوامش المدن، ولم تحظ قضية التعليم العمومي الموحِّد للأمة المغربية ولو بالنزر اليسير من اهتمامات الفاعلين في التربية و التعليم، مما جعل كل هذه الإصلاحات بعيدة عن أن تبلغ الأهداف التي يمكن أن ترقى بمنظومتنا التربوية إلى أن تكون أداة ناجعة تمكن المتعلم من الاندماج تلقائيا في محيطه الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، ومن المساهمة في ترسيخ الخيار الديموقراطي، وأن تكون وسيلة لصناعة الإنسان الفرد الذي لا يُعَرَّف بنسبه أو ماله أو إقليمه أو وظيفته، وإنما يعرف تعريفا قانونيا ببطاقته الوطنية، ويقف على قدم المساواة أمام القانون خاضعا له باختياره وبكل طواعية، باعتباره مواطنا حرا يَعرف حقوقه وكيفية الحفاظ عليها ويقدس واجباته، ويعتبر الوطن من أهم مسؤولياته الشخصية. وأن يكون ممتلكا للقدرات والكفاءات التي تؤهله للمساهمة في خلق مجال للحوار الاقتصادي والسياسي و الثقافي يسوده الاحترام المتبادل بين جميع المكونات الثقافية لمجتمعه. يجب أن نبدع طرقا ومناهج للتربية كفيلة بتمكيينا من قدرات تؤهلنا لهضم تراثنا من أجل تجاوزه، لكي نعيش حاضرنا في توافق تام مع ذواتنا، فلنكف عن البحث عن الدولة المدنية بتمزيق الذات وتخريبها وشن الحرب على اللغة والثقافة الوطنيتين، فإن التنوير بالإصلاح الجاد لمنظومتنا التربوية أداة للتغيير الطبيعي البعيد عن الافتعال والتعسف، وهو الطريق الأول، أو ربما الأوحد إلى الدولة المدنية.

أوسمة : , ,

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع