أخر تحديث : الخميس 21 يناير 2016 - 9:17 مساءً

الأصل التربوي للسلوك السياسي

الزكري عبدالرؤوف | بتاريخ 21 يناير, 2016 | قراءة

zekri

حين تحدث الأزمات السياسية ويتم اللجوء إلى العنف وسفك الدماء كأسلوب في تدبير الخلاف، عوض الحوار الذي تعاقدت عليه الاعراف الديمقراطية. يلجأ رجالات السياسة والدولة إلى المؤسسات الثقافية مستعطفة إياها لإنقاذ الأمة من الهاوية التي تنحدر إليها، بنفض الغبار عن الترسانة التراثية الحاملة للمخزون الثقافي والروحي للأمة، عله يعيد للحياة قدسيتها، ويدفع عن النفس البشرية الدمار الذي لحق بها. كان هذا شأن الرئيس الفرنسي أولاند حين لجوئه إلى اليونسكو ذات الصيت الثقافي والتربوي لمخاطبة العالم، شيبه وشبابه، والتذكير بجوهر الإنسان المتمثل في الجانب المعنوي والقيمي الذي يعلو فوق كل الصراعات السياسية والمذهبية.

والوطن العربي والإسلامي لا يشذ عن هذه القاعدة، وهو الذي له تراث حافل بالكثير من المدارس الفكرية والتربوية، من التنوع والغنى ما يجعل الناشئة أبعد ما تكون عن اللجوء إلى العنف والاقتتال لكسب مواقع سياسية مهما كان بريقها. إن استثمر هذا الثرات، وانتقي منه أثناء التنزيل التربوي، ما يزكي النفس والروح. وما يساهم في تكوين العقل وصقل الفكر. وما يُسدد السلوك والتصرفات، مادام كل هذا موجود وبشكل وافر، لا يتطلب سوى التنقيب عنه وتنزيله من برجه وعالميته إلى حلقات التربية، وقاعات الدرس ومختبرات التجريب، لتخريج أجيال متكاملة التكوين العقلي والوجداني والسلوكي .

ولقد وعى الرواد الأوائل ضرورة الاشتغال على هذا الثالوث أثناء تخطيطنا وهندستنا للفعل التربوي. كما أشار إلى ذلك ابن عاشر في متنه «المرشد المعين على الضروري من علوم الدين» حين يقول :

وبعد فالعون من الله المجيد ** في نظم أبيات للأمي تفيد
في عٌقد الاشعري وفقه مالك** وطريقة الجنيد السالك

ففي مثل هذه المصنفات وغيرها كثير، يتجلى وعي الأقدمين بأهمية البناء المتوازن لفكر ووجدان وسلوك الفرد وأن لا يطغى جانب على آخر. الشيء الذي فُطن له اليوم، حيث يتم العمل على إحياء ما استخف به بالأمس، وأٌبخس شأنه لدى النشء. وهو الموقف نفسه الذي عبر عنه وزير التعليم العالي لحسن الداودي من الدراسات الأدبية. بالمقابل نجد الإعلاء من قيمة التعليم التقني، وتمجيد التخصصات العلمية التجريبية باعتبارها الطريق نحو التقدم وسبيلا للارتقاء الاجتماعي والكسب المادي. فتهافت الآباء على دفع أبنائهم نحو التحصيل الرياضي والفيزيائي والمعلوماتي … وتنافست المؤسسات في عرض منتوجاتها التكوينية. فتخرجت أجيال ونخب تعاطت العمل السياسي وهو الحقل الإنساني بامتياز وهي تشكو الفراغ الروحي وقلة الزاد الثقافي. تفكيرها سجين التراب، لا يتعداه إلى الآفاق الرحبة المتبصرة بالغاية من وجود الإنسان ودوره النبيل والخلاق في العمران البشري الذي يتجاوز بكثير الحسابات الرياضية والمعادلات الفيزيائية. مما جعل العودة إلى ابن عاشور والجنيد والحارث المحاسبي وأبي يوسف الشاذلي وابن عباس … وغيرهم كثير من كبار رجال التربية وعلم السلوك ضرورة تربوية وسياسية علنا نجد عندهم دواء لما أصاب شبابنا من داء العنف و العدوانية والسعي الجنوني لامتلاك القوة التدميرية للآخر لإثبات الذات.

تعددت المفاهيم التي أعطيت للسياسة منذ الفلاسفة اليونان إلى يومنا هذا، بين تعريفات تغوص في مضامينها المعرفية، إلى أخرى ترنو تحديد الجوانب الإجرائية فيها، إلى ثالثة تهتم بشقها القانوني. ويحددها معجم العلوم الاجتماعية: «أفعال البشر التي تتصل بنشوب الصراع أو حسمه حول الصالح العام، والتي تتضمن دائما استخدام القوة أو النضال في سبيلها» بمعنى أن السياسة تنطلق حين نشوب الصراع، والأولى أن تبدأ قبل ذلك تفاديا لحدوثه، ما دامت الغاية هي تحقيق الصالح العام التي يفوتها استخدام القوة المفضية إلى خراب الديار وهلاك الحرث والنسل.

وإبراز القوة، والسعي لامتلاكها أصبح دٙيْدٙنٙ الفاعلين السياسيين، يبدأ بالمستوى اللفظي، ولا ينتهي بالنزاع المسلح وتحويل الشوارع والمرافق العامة، ميدانا للٙعْلٙعٙةِ الرصاص، والتفنن في أساليب التفخيخ والتفجير.

وتبني مثل هذه التصورات للسياسة، وتأطير الأتباع عليه، هو ما يجعل العمل السياسي موصوف بالمكر والخبث والأنانية وفن الكذب وغيرها من الاوصاف اللاأخلاقية والتي تشيطن العمل السياسي، الذي لا يأمر إلا بالسوء. ضدا على جوهره النبيل والخلاق بما هو تدبير لشؤون الخلق وتنظيم لحياتهم التي لا تستقيم بدونها. والتي تزداد الحاجة إليها مع تقدم الأزمان وتجدد الحوادث وتشابك العلاقات وتعدد المؤسسات التي تنظمها، والتي تنقل البشر من الحياة الطبيعية إلى الحياة الإنسانية. التي تحتاج إلى علم وفن لإدارتها، وينقلها تراثنا الفكري من دائرة المادي والدنيوي الضيق، إلى فضاءات أرحب تليق بالاستحلاف الإنساني، ودوره العمراني، كما يقول عنها ابن خلدون: «حمل الكافة على النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبار بمصالح الآخرة، فهي الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدنيا وسياسة الدين» وتصور كهذا، مستلهم من الهدي الرباني والنبوي، الذي يمجد الغرس ولو في آخر لحظة من العمر، لا يمكن أن يسعى إلى الدمار والقتل والخراب. إن وُظف تربويا بالأساليب الفعالة ونهج البيداغوجيات الحديثة المستندة إلى ما استجد في حقل العلوم التربوية حتى تجد طريقها إلى أفئدة الناشئة في غمرة مزاحمة التوجهات الهدامة والعدوانية والتي تستغل التكنولوجيات الحديثة أبشع استغلال .

ksarforum

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع