أخر تحديث : الثلاثاء 2 فبراير 2016 - 10:58 مساءً

حسن المقال فيما بين التقاعد والرشوة من الاتصال

عبد الله الجباري | بتاريخ 2 فبراير, 2016 | قراءة

jebari_822452809

يعد النقاش العام حول الظواهر الاجتماعية والسياسية في مجتمعنا ظاهرة صحية، يجب تشجيعها وتثمينها ورصد آراء المجتمع حولها، دون أن نسقط في فخ تبخيسها والحط من قيمتها بدعوى الشعبوية والعدمية وغيرها من أحكام القيمة التي يجب أن يترفع عنها الفاعل السياسي والجمعوي من أجل الرقي بوطننا والتقدم به إلى الأمام.

ويعد النقاش حول تقاعد البرلمانيين والوزراء من أهم النقاشات التي عرفها مجتمعنا في الآونة الأخيرة، وهو ما يفرض على الفاعلين السياسيين والإعلاميين والجمعويين التفاعل معه والتعريف بإيجابياته وسلبياته، بدل الصمت والمراهنة على عامل الزمن من أجل نسيانه وإلهاء المجتمع بقضايا أخرى تنسيه قضاياه الرئيسة.

إذا أردنا أن نعرف الحق من الباطل في مسألة التقاعدين، فإنه يجب علينا أن نعرف واضعهما ومقررهما، وأرضيتهما الفلسفية، والغاية المتوخاة منهما، وغني عن البيان أن مبتدع هذين النظامين هو الراحل الحسن الثاني رحمه الله تعالى، ومن المعروف عنه كما يحكي كثير من المقربين منه أنه كان معجبا بكتاب الأمير لميكيافيلي، وهو الكتاب الذي بين فيه صاحبه طريقة التعامل مع عامة الشعب ونخبته، فالعامة يجب أن يتركها الحاكم/الأمير “ترفل” في الفقر والبؤس والشقاء، وإلهاؤها بالتفكير في أوليات الحياة مثل الصحة والتطبيب، بل والتغدية. أما النخبة فيجب إرشاؤها، وذلك عبر إكرامها وإغداق النعم عليها، وربطها بالأمير/الحاكم ولي نعمتها، لأنها تساعده في سياسة عامة الشعب وقيادتهم وتأطيرهم.

تأسيسا على ما سبق، قرر النظام المغربي تخصيص رشوة – بمفهومها الميكيافيلي – للسادة البرلمانيين والوزراء، وذلك عبر إقرار عدة امتيازات، منها التقاعدان المذكوران.

ولكي لا نتهم بالتسرع في إصدار مثل هكذا أحكام، وبعيدا عن المزايدات، فإن التقاعد كيفما كان نوعه، لا بد أن يرتكز على الآتي :

المرتكز الأول : كل تقاعد لا يسري مفعوله إلا بعد انتهاء عقد الشغل، سواء كان في القطاع العام أو الخاص، وبما أن الحكومة أو البرلمان ليسا مشغلين للوزراء أو البرلمانيين، فإن البرلماني أو الوزير ليسا موظفين أو أجيرين، ولا يرتبطان بالبرلمان أو بالحكومة بأي عقد من عقود الشغل، لذا، فإن عملهما لا يعدو أن يكون مهمة من المهام السياسية التطوعية وغير الإلزامية.

المرتكز الثاني : كل التقاعدات في العالم تنبني على مساهمة طرفين اثنين، المشغل والأجير، وذلك بنسب متفاوتة أو متماثلة بينهما، وبالنسبة للسادة الوزراء المحترمين، وحسب علمنا، فإنهم لا يساهمون بأي نسبة تقتطع من أجورهم، أما السادة ممثلو الأمة من النواب والمستشارين، فتُقتطع حوالي سبعة في المائة من أجورهم كمساهمة في تقاعدهم، وهي مساهمة بسيطة جدا، لأنها أقل من نسبة الاقتطاع بالنسبة للموظفين في القطاع العام أولا (10%)، إضافة إلى أن أغلب البرلمانيين يقدمون مساهماتهم لمدة سنوات قليلات، ويبنون عليها تقاعدا راقيا ومحترما، خصوصا إذا استحضرنا أن تقاعد الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لا يتجاوز 6000 درهم، (بمعنى أن إطارا عاليا في شركة ما قد يشتغل 30 سنة ويخرج بتقاعد 5000 درهم، في حين أن برلمانيا يحمل الصفة لمدة خمس سنوات فقط يخرج بتقاعد 5000 درهم، مع الفروق بينهما في الامتيازات، والفروق بينهما في المحاسبة والعقاب إن وقع منهما تغيب عن العمل …).

المرتكز الثالث : تنضبط الإحالة على المعاش بوصول الأجير إلى سن معين (60 سنة مثلا)، ويتم احتساب مبلغ المعاش بناء على مدة العمل، (بناء على سنوات العمل في القطاع العام، أو عدد أيام العمل في القطاع الخاص)، أما تقاعد البرلمانيين والوزراء ففي غنى عن هذه الحسابات، فهو لا يخضع لسن معين، ولا يخضع لمدة عمل محددة، إذ يمكن للوزير أن يحصل على معاش مريح ولو تحمل الحقيبة الوزارية لمدة سنة أو ما يقاربها، (نموذج ثريا جبران وسمية بنخلدون)، كما يمكن للبرلماني أن يحصل على تقاعده وعمره لم يتجاوز الثلاثين سنة، ومن عجيب الاقتراحات، أن حزب التقدم والاشتراكية حاول أن يتفادى مثل هكذا حالة، فتقدم بمقترح يقضي بعدم استفادة البرلماني من معاشه إلا بعد وصوله إلى سن التقاعد، وهذا اقتراح عجيب، ولعل محرريه قاسوه على مقتضيات قانون الشغل، وهو قياس فاسد، لأنهم غفلوا عن فارق جوهري، وهو أن الموظف يغادر عمله بعد وصوله السن المنصوص عليه في النظام الأساسي للقطاع الذي ينتمي إليه، في حين أن البرلماني قد يلج قبة البرلمان بعد سن التقاعد.

وبناء على ما سبق، يتبين أن معاشات السادة البرلمانيين والوزراء لا تتوفر على الصفة التي من أجلها شرع التقاعد (عقد الشغل)، ولا تتوفر على الشرط القانوني للحصول عليه (المساهمة مع المشغل ووصول سن معين)، لذا كان لزاما علينا أن نفكر في الأرضية الفلسفية المؤطرة لهذا “المعاش”، لنَسِمَه بالوصف المناسب، وهو ما يصفه البعض تلطفا بأنه ريع، إلا أننا نميل إلى تسميته رشوة متكاملة الأركان والأوصاف، لشراء ذمم النخبة المؤطرة للمجتمع، على اعتبار أن الراشي هو النظام، والمرتشي هو كل المستفيدين وإن تعددت انتماءاتهم وميولاتهم، وبقي أن نبحث عن الرائش بينهما، وهو ما قد يوصف به جميع من يبرر هذا الفساد بمسوغات عديدة، من أجل تبييض سواده، دون أن يكون من المستفيدين مباشرة، والله أعلم.

بقي أن أشير في الختام إلى أنه إذا تم الإبقاء على تقاعد البرلمانيين بدعوى أنهم يسهمون في تقاعدهم بما يقارب 2900 درهم، فإنني لا أجد غضاضة في توريث تقاعدهم لذوي الحقوق، لأنه من غير المعقول أن نقر الأصل وننكر الفرع، خصوصا إذا استحضرنا أن بعض البرلمانيين أمضوا تحت قبة المجلس ثلاثة عقود أو يزيد، ومنهم من لا يغادر المجلس الموقر إلا بعد تدخل مباشر من ملك الموت عليه السلام، فمن الظلم والإجحاف أن نأخذ منه اقتطاعا طيلة هذه المدة ثم لا يستفيد من تقاعده، وإذا لم يستفد هو – وهو الذي ضحى ثلاثة عقود من أجل الوطن حسب زعمهم – فمن المنطقي أن تستفيد زوجاتهم وذووهم، وإذا ما أبقى النظام المغربي هذا التقاعد العبثي، فإنني لا أستبعد أن أرى في المستقبل القريب تنسيقية زوجات وأزواج البرلمانيين للمطالبة بتوريث هذا العبث.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع