أخر تحديث : الخميس 25 فبراير 2016 - 9:50 مساءً

الأستاذ محمد يتيم والإضراب العام

عبد الله الجباري | بتاريخ 25 فبراير, 2016 | قراءة

jebari_602526427

أياما قبل الإضراب العام، تجندت كتائب حزب العدالة والتنمية في مواقع التواصل الاجتماعي في معركة شرسة ضد الإضراب والداعين إليه ودواعيه …، واستمرت المعركة طيلة يوم الإضراب، متوسلين في غزوتهم بأساليب لا ترقى إلى “العمل الإسلامي”، ولا تناسب أخلاقيات وقيم المنتسبين إلى “الحركة الإسلامية”. ولكيلا أتهم بالكذب أو المبالغة، أورد تدوينتين اثنتين لمنتسبين إلى “الحزب الإسلامي” و”الحركة الإسلامية” دون ذكر أسماء كاتبيها :

نص التدوينة الأولى : “بَهْدَلْتُمْ الإضراب العامّ، الذي كان مجرّد التفكير فيه و التلميح و التلويح به من طرف النقابات يجعل فرائص النظام و الدولة ترتعد، و ميّعتموه، و صيرتموه أضحوكة، حتى غدت الإعلان عن الإضراب العامّ كالدعوة لتخليد عيد الشباب أو أسبوع الفرس ، أو اليوم العالمي لحماية الحلزون من الانقراض..!!؟؟ ”

نص التدوينة الثانية كتبها صاحبها بعد صدور بيان النقابات الذي أعلن نجاح الإضراب : “نتو بتذاكرو من ورانا ولا إيه!؟؟ 84٪ مرة وحدة واحنا قاعدين في نص النهار، ولسة اليوم ماغربت شمسو انتو مجانين بحق انتو… اااااخ منكو اااااااخ”.

وكلما قرأت تدوينة لأحدهم إلا واعتبرت ما فيها من سب واستهزاء وسخرية مجرد هرطقات صادرة من أناس أخذ منهم الانفعال والحمية للحكومة مأخذهما، وكنت أتساءل عن التكوين والتأطير الذي يتلقاه هؤلاء ؟ من يؤطرهم ؟ من يشرف على تكوينهم ؟ ما مدى انتفاعهم بـ”الجلسات التربوية” التي يعقدونها في بيوتهم ؟ وما جدوى انتمائهم لـ”لحركة الإسلامية” أصلا إن لم تتهذب طباعهم ؟

وأنا أسبح في مثل هذه التساؤلات، فإذا بي أفاجأ بتدوينة طويلة، خطتها يراع الأستاذ محمد يتيم، الكاتب الوطني السابق للذراع النقابي لحزب العدالة والتنمية، تمتح من معجم التدوينتين أعلاه، فتيقنت أنهما ليستا هرطقات عابرة، بل هما نتاج تكوين وتأطير أمثال هذا “الزعيم”، وقبل أن أورد نتفا منها مع بعض التعليقات الضرورية، أجدني مضطرا للاعتذار من شرفاء هذا التنظيم وفضلائه، الذين يؤمنون بالاختلاف تنظيرا وممارسة، لكن صوتهم مبحوح لا أثر له مع الأسف.

مقام الحيرة :

بمجرد ما قرأت تدوينة الأستاذ محمد يتيم، عملت جاهدا على تصنيفه، من هو ؟ فوجدت له من الصفات والنعوت ما لا يوجد عند غيره، لأن أتباعه يقدمونه أو يروجون له على أساس أنه مفكر ومنظر أولا، ومناضل نقابي ثانيا، وإطار حزبي ثالثا ؟ … فاحترت في أمر التدوينة، هل كتبها يتيم المنظر الذي يعمل على نحت المفاهيم وغرس النظريات في عقول المنتسبين والأعضاء؟ أم خطها يتيم النقابي الذي ترتعد فرائص الدولة لمجرد ذكر اسمه ؟ أم دونها يتيم القيادي في الحزب والبرلمان ؟

مقام الكذب :

عاب الأستاذ محمد يتيم المحترم على النقابات الداعية إلى الإضراب العام أنها “تعلن نجاح الإضراب بنسب تذكر بنسب نجاح الزعيم في الدول الديكتاتورية العربية 90 في المائة إن لم يقولوا مائة في المائة”، وهذا افتراء على النقابات، كان حريا بالزعيم أن يتحاشاه، لأن النقابات أعلنت في بيانها الرسمي المعنون بـ”نجاح باهر للإضراب الوطني العام …” أن نسبة النجاح بلغت 84 في المائة، وهي الطريقة ذاتها التي تتبعها نقابة الأستاذ يتيم في إعلان نتائج إضراباتها، خذ مثالا على ذلك، بيان نقابتها في القطاع التعليمي المنشور في جريدة التجديد سنة 2002 بعنوان “نجاح كاسح للإضراب رغم محاولات التشويش والتعتيم والتخويف”، حيث ضمّنته الجملة الآتية : “تزف إلى الأسرة التعليمية بشرى النجاح الكاسح لإضرابها الوطني بنسبة عالية تجاوز متوسطها الوطني 76 في المائة”، فما الفرق بين نقابته وسائر النقابات ؟ هم يستعملون عبارة “النجاح الباهر”، ونقابته تستعمل عبارة “النجاح الكاسح” ؟ ولعل ذلك راجع لعشق حزبه لعبارة “الاكتساح”.

وعلاقة بكلام الأستاذ أعلاه، فإنه تجاوز الافتراء إلى محاولة النيل من النقابات الأخرى، وذلك من خلال الإحالة على فوز الزعيم الديكتاتور بما يفوق 90 بالمائة، وهنا أذكر أتباعه قبله أن الدستور الذين يشتغلون به وتحت مظلته لم يسبق له أن “حظي” بنسبة تقل عن ذلك، لذا، واحتراما لعقول المغاربة، ما على الأستاذ “المنظر” إلا أن يشكك في نتائج الاستفتاء على الدستور احتراما لأبسط قواعد المنطق، لكن أنى له ذلك، وقذ ذاق عسيلة الدستور وما يمنحه من امتيازات.

ومن افتراءات الأستاذ المذكور، قوله : “أن تكون نسبة نجاح الإضراب العام في التعليم هي الأعلى هذا في حد ذاته مشكلة، مما يعني أن الإضراب العام قد تحول إلى إضراب قطاعي”، وهذا مجانب للصواب، لأن نسبة نجاح الإضراب في قطاع الموانئ والمكتب الوطني للماء والكهرباء وبعض الشركات مثل طرام البيضاء وحافلات المدينة وغيرها كان يفوق نسبة نجاحه في التعليم، لذا لا توجد مشكلة إلا في مخيلة الأستاذ، ولكن المشكلة الحقيقية التي تحتاج إلى تنظير أعمق، هي لماذا هذا الافتراء ؟ لعله راجع إلى سبب بسيط، هي أن نقابة الأستاذ ضعيفة جدا في القطاع الخاص، وتنشط أكثر في القطاع العام، خصوصا في التعليم، وإذا ما كانت نسبة الإضراب مرتفعة في هذا القطاع فإن البساط سيسحب من نقابته، لذلك استعمل عبارة “مشكلة” وهو محق بهذا المعنى.

مقام التجريح :

عقّ الأستاذ يتيم وما بقّى في كلامه عن النقابات الأخرى، حيث استعمل في حقها أقذع الأوصاف وأحط النعوت مما نسيه أفراد الكتائب، فالنقابات الأخرى لا مصداقية لها، وليست منصفة، وأنها تحتضر، وبقي له أن يقول بأن نقابته هي الوريث الشرعي لهذه النقابات حتى يحقق حلم “الاكتساح”. ولكيلا أُنسَب إلى الكذب على الزعيم، أورد نصوصه كما هي حتى يطلع عليها القارئ اللبيب، قال ذ يتيم : “المشكلة هي انهيار مصداقية النقابيين والنقابات الداعية إلى الإضراب”، “لو كانت النقابات الداعية للإضراب منصفة”، “ينبغي أن نقولها بوضوح ان المسؤولية مشتركة لكنها اكبر بالنسبة لمركزيات نقابية في طور الاحتضار”. لكنه لم يتطرق إلى المشكلة الأكبر، وهي كيف يصف النقابات الأخرى بهذه الأوصاف الآن، وينسق معها في إضراب يوم 03 نوفمبر 2010؟ ولماذا نسق معهم في الدعوة إلى الإضراب يوم 29 نوفمبر 2010 في جميع المقاولات الإسبانية بالمغرب قبل التراجع عنها بعد تدخل حكومة جلالة الملك ؟ هل كانت تلك النقابات ذات مصداقية حينئذ ؟ أم أنها فقدت المصداقية فجأة ؟ أم أن نقابته كانت فاقدة للمصداقية حينئذ ثم تابت الآن ؟ أم أن كلامه مجرد هذيان ناتج عن الخلط بين الحزبي والنقابي ؟

مقام التبخيس :

بما أن المشاركين في إضراب 24 فبراير كانوا في أغلبهم من القطاع العام حسب دعوى الأستاذ يتيم، فإنه كان لزاما عليه أن يعمد إلى تبخيس نضالهم، ليبين لكل ذي لب أن انخراطهم في الإضراب ليس ذا معنى، لأن “مطالب العاملين في القطاع العام هي مطالب خمسة نجوم”، سبحان مبدل الأحوال، ولماذا يسمع شرفاء نقابيي العدالة والتنمية مثل هذا الكلام من زعيمهم دون أن ينبسوا ببنت شفة ؟ أليس فيهم رجل رشيد ؟ أم أن الوجود في مواقع الحكومة تغري بالتبخيس وتوافق عليه. ما هذا التناقض ؟ ولماذا نسق الأستاذ يتيم نفسه مع النقابات الأخرى باستثناء ك د ش في إضراب 3 نونبر 2010 ؟ مع العلم أنه كان إضرابا عاما في القطاع العام لوحده، ألم تكن المطالب حينذاك مطالب 5 نجوم ؟ مع العلم أن انخراط القطاع العام في الإضراب له ما يبرره، لأن النقطة المفصلية في الملف المطلبي هي إصلاح التقاعد، وهو لا علاقة له بالقطاع الخاص في هذه المرحلة.

مقام التناقض :

قال الأستاذ حفظه الله وهداه : “إن أوضاع العاملين في القطاع الخاص هي أدعى للإضراب منها في القطاع العام”، وفي المقابل يقول الأستاذ الحلوطي الكاتب الوطني الحالي للنقابة : “إن دواعي الإضراب العام غير قائمة، لأن الحكومة قامت بمجهودات كبيرة وجبارة وغير مسبوقة”، ولست أدري، أيهما أصدق، الأستاذ الحلوطي أو الأستاذ يتيم ؟ ومن معاناة القطاع الخاص حسب الأستاذ يتيم، أنهم “بمجرد التفكير في تأسيس مكتب نقابي معناه تشريد أسر كاملة، وطرد جماعي”، وبناء على هذا الواقع، فلماذا يعارض الأستاذ يتيم خوض الإضراب ؟ نعم، له الحق أن يخوض الإضراب أو ألا يخوضه ؟ لكن أن يعارضه ويسفه الداعين إليه ويقر بأسبابه ودواعيه، فهذا تناقض يترفع عنه العقلاء.

ومن تناقضاته تشكيكه في مصداقية النتائج المعلنة، حيث قال : “من الناحية العملية والإجرائية لا تملك المركزيات النقابية من الآليات العملية لإصدار نسبة حول نجاح الإضراب العام”، وهذا كلام مناقض للممارسة العملية للأستاذ ونقابته، حيث كانت دائما نقابته تتولى وحدها أو مع من تنسق معه الإعلان عن نتائج الانخراط في الإضراب، ولعل شخصية يتيم السياسية غلبت شخصية يتيم الفكرية، لذا سقط في شراك هذه المتناقضات. غفر الله له.

مقام الانبطاح :

بما أن الأستاذ المنظر المناضل صادر حق النقابات في إعلان نتائج إضرابها، فإنه لم يلذ بالصمت (وهو من ذهب)، بل قدم لنا مشكورا البديل، وبيّن أن من له الحق في إصدار النتيجة الحقيقية للإضراب هو وزارة الداخلية، فقال عافاه الله من كل سوء : “وهناك جهة واحدة لها هذه الإمكانيات، هي وزارة الداخلية، من خلال إدارتها الترابية الممتدة من أكبر مسؤول إلى عون السلطة في الأحياء والمداشر البعيدة”، وغني عن البيان أن الإضراب العام يكون في جوهره موجها ضد الحكومة، وبما أن وزارة الداخلية من مكونات الحكومة فيعسر عليها أن تتصف بالحياد لتعلن عن النتائج كما هي، إذ من غير المعقول أن تكون خصما وحكما في الآن ذاته، ولو استدعينا ذ يتيم المنظر ليرد على هذا الكلام الصادر عن ذ يتيم النقابي الحكومي لقال في نقده ونقضه ما لم يقله مالك في الخمر. ولعل قرب موسم الانتخابات وحب ذ يتيم لخوض غمارها أوجب هذا الكلام قربانا له أمام الجهة المخول لها الإعلان عن نتائج الانتخابات.

مقام البلادة :

قال الأستاذ محمد يتيم : ” أما اذا كان البلاغ الذي يتحدث عن نسبة تفوق 96% قد تمت صياغته قبل ان تنتهي 24 ساعة او ليلة الإضراب فالمصيبة اعظم ، ويعطي دليلا اخر على انهيار المصداقية ، وهذا هو الاخطر” !! والأخطر من هذا هو عقلية الأستاذ المصدرة لمثل هذا الكلام، ولست أدري ما ذا تعلم في النقابة ؟ وهل هو عضو فيها مناضل في صفوفها أم أنه ساقط على زعامتها من أعلى ؟

معلوم عند أصغر منخرط في العمل النقابي أن نتيجة الإضراب تحتسب ابتداء من الصباح، بعكس نتائج الانتخابات التي لا تحتسب إلا بعد إغلاق الصناديق ليلا، ففي الثامنة صباحا تكون نتائج الإضراب متوافرة عند النقابات بالنسبة لمن يشتغل ليلا، حيث ينخرطون في الإضراب ابتداء من منتصف الليل، (مثال ذلك توقف عمال شركة رونو في منتصف ليل 24 فبراير)، وكذلك الأمر بالنسبة لمن يشتغلون في الصباح الباكر كالسادسة صباحا (المعامل – عمال النظافة …)، أما الموظفون والمستخدمون الذين يلتحقون بمقرات عملهم فيمكن التوصل بنتائج مشاركاتهم في الإضراب في الحادية عشرة صباحا على أكثر تقدير، ولا يبقى في الحساب إلا القليل من الموظفين الذين يشتغلون في الحصة المسائية (قليل من رجال التعليم)، لذا فإن الإعلان عن النتائج عند منتصف النهار لا يدل على “انهيار المصداقية” كما ادعى الأستاذ، نعم، قد يدل على انهيار مصداقية قائله، ويظهر بجلاء أنه لا علاقة له بالعمل النقابي وأبجدياته، مما يجعلنا نتساءل عن الطريقة التي أصبح بها “زعيما” نقابيا.

مقام الختام :

لا يسعني في الختام إلا أن أبحث عن توصيف النقابة التي يصدر قادتها ومنتسبوها مثل هكذا مواقف، هل هي نقابة الحكومة ؟ أم نقابة الشغيلة ؟ وهل بينها وبين حزب العدالة والتنمية علاقة شراكة أم علاقة استتباع ؟

كما لا يسعني إلا أن أعبر عن اعتزازي بكثير من مناضلي نقابة الأستاذ يتيم الذين لم يضعوا جميع بيضهم في سلة الحزب، عسى أن تتقوى شوكتهم، ويعلو صوتهم، ولو بعد الخروج من الحكومة، وما ذلك على الله بعزيز، لأنه سبحانه القادر على ذلك، “يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي وكذلك تخرجون” صدق الله العلي العظيم

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع