أخر تحديث : الأحد 6 مارس 2016 - 6:37 مساءً

صفحات من حياة السلطان عبد الحفيظ العلوي

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 6 مارس, 2016 | قراءة

abdellah_jebari_886162200

انتشر السخط على السلطان المغربي عبد العزيز العلوي، وكاد يحصل الإجماع من قبل العلماء على خلعه، وبايع جمهورهم أخاه عبد الحفيظ الذي اشتهر بكونه السلطان الذي وقع على معاهدة الحماية مع سفير جمهورية فرنسا، والتي دخل بموجبها المغرب إلى الحقبة الاستعمارية، وهو ما يسجل ضمن مثالب السلطان المذكور، وقد لقي معارضة شديدة قبيل توقيعه على المعاهدة وبعدها، بل لعله وقع عليها حفاظا على مصلحته الشخصية لضمان بقاء جلوسه على العرش مدة أطول، إلا أن الأقدار لم تمهله، فتخلى عن العرش لأخيه، وبعد ذلك أظهر التوبة والندم على ما فعل، فصدّقه بعض الناس وشكك الآخرون في “توبته”، كما أن مثالبه لم تنحصر في توقيع الحماية فحسب، بل تعدتها إلى تعذيب واغتيال العلامة الشهيد سيدي محمد بن عبد الكبير الكتاني، وهو ما سيعاني من آثاره في مرحلة ما بعد الاعتزال، وهو ما سنعمل على تجليته من خلال علاقاته مع ثلاثة من علماء المغرب، مما لا يكاد يعرفه كثير من الباحثين.

علاقة السلطان عبد الحفيظ بسيدي محمد بن عبد الكبير الكتاني:

اشتهر العلامة سيدي محمد بن عبد الكبير الكتاني قدس الله سره منذ شبابه بالعلم الواسع، والقدرة على الاستظهار، مع تصوف ومعارف ذوقية عسر على علماء عصره التعرف على كنهها، ومجاراته في حل ألفاظها، فرفع علماء فاس شكوى في أمره إلى علماء مراكش، فما كان منه رحمه الله تعالى إلا أن رحل إلى مراكش ليجتمع بعلمائها، وعقدوا لذلك مناظرات عديدة امتدت إلى ما يقارب الشهرين، واستدعى لذلك السلطان عبد العزيز الشيخَ محمد مصطفىى ماء العينين الشنجيطي الحسني ليكون حكما بين الشيخ الكتاني وعلماء الحضرة المراكشية، فرجح رأيَ الكتاني على غيره، وبناء على ذلك، أصدر السلطان عبد العزيز ظهيرين لخليفته بفاس ولقضاتها، يدعوهم إلى عدم التعرض للشيخ وطريقته … كل هذا زاد من شهرة هذا العالم الشاب، وسعة انتشار طريقته الكتانية، في المناطق العربية والأمازيغية، وفي الحواضر والبوادي … هذه الشهرة سيستغلها فيما بعد عبد الحفيظ العلوي، الذي رأى غليانا شعبيا وعلمائيا ضد أخيه عبد العزيز، فاستكتبه طالبا منه مبايعته سلطانا خلفا لأخيه، واستفتح خطابه الموجه إليه يوم 10 رجب 1325 هـ بما نصه : “الشيخ الأجل العارف بالله تعالى، الولي الكامل، الشريف البركة الأخير، السيد محمد بن الشيخ عبد الكبير الكتاني”، ثم ذكر له ما وقع بوجدة والدار البيضاء، وأن العدو بصدد الحلول بفاس ومراكش، لذلك طلب منه مبايعته “للنظر في مصالح المسلمين والدفاع عنهم، وإخراج العدو من ثغور المسلمين”، فما كان من الشيخ إلا أن بايع السلطان الجديد، وأعجب بذلك السلطان غاية الإعجاب، وفرح ببيعته غاية الفرح، لرمزية الشيخ ومكانته في المغرب، فأرسل إليه رسالة شكر، ومما تضمنته :”محبنا الأرضى، الفقيه المنتسب الشريف السيد محمد بن عبد الكبير الكتاني … وتحققنا من محبتك وصفاء حسن سريرتك، ولا غرابة في ذلك، حيث إن الدر من معدنه، والخير والفضل من موطنه” (رسالة جوابية من السلطان مؤرخة بـ: 18 ذي الحجة 1325 هـ). وبالموازاة مع ذلك، وفي نفس التاريخ، أرسل رسالة إلى والد الشيخ، ومنها : “محبنا الأرضى الفقيه الشريف المنتسب السيد عبد الكبير الكتاني … ولا يضيع لك شيء من جانبنا، وستجازى بحول الله بما يسرّ بالك منا”، وقد كتب الرسالتين معا من “مخيمه السعيد على ضفة وادي أم الربيع”.

وكعادة المتزلفين مع السلاطين، توالت عبارات الثناء على السلطان وتواترت، وبدأت تفد عليه قصائد المديح تترى، منها قول الطاهر الإفراني سنة 1325 هـ :

وعليك يا تاج الملوك تحية**تزري بعرف نسيم روض نَوَّرا

وعلى جدودك سادة الأشراف من**زكّاهم نص الكتاب وطهرا.

وفي سنة 1326 هـ، وفد إليه الحاج الحسين الإفراني ومدحه بقصيدة، منها :

كما بأمير المومنين ونوره اهت**ـدى الناس من بعد الغواية للرشد

إمام الأنام المرتضى الناصر الرشيـ**ـد (عبد الحفيظ) ابن الرضى الحسن المهدي.

حمى بيضة الدين الحنيفي بعدما**تطاول لاستلحامها الكفر بالأيدي.

هو الملك المنصور بالرعب والقنا**وبالجند جند الله ناهيك من جند

خليفة رب العرش وابن رسوله**وصفوة آل البيت ذي الشرف العد

أما أبو عبد الله محمد التهامي المكناسي فقال مادحا :

لك العز والتأييد والفتح والنصر**أيا مالكا يصبو له البَرُّ والبحر

هزمتَ جيوش الكفر في كل معرَكٍ**وشيدت ركن الدين فانتقَضَ الكفر.

إلى أن قال :

أمولاي أمّنْتَ البلاد وأهلها**فلله رب الناس ثم لك الشكر.

وهذه القصيدة والتي قبلها، نظمتا على وزن بحر العجب العجاب، الذي يحير الألباب، وهو من باب “ألم تر أنهم في كل واد يهيمون”، ولعل أعطيات عبد الحفيظ كانت الباعث على هذا النظم، (كان السلطان كريما مع العلماء والأدباء، ومن ذلك أنه نفذ للشيخ عبد الحي الكتاني شقيق سيدي محمد بن عبد الكبير ريالا ونصفا مياومة من أحباس القرويين، إضافة إلى دار يسكنها، وأربعة وعشرين جلاسيا خليعا).

لم يكن الشيخ سيدي محمد بن عبد الكبير الكتاني من المتزلفين الذين يقدمون الولاء مقابل فتات السلطان، ولم تكن بيعته بمثابة توقيع شيك على بياض، بل كان يتعاهده بالنصح والإرشاد، والتحذير من المكائد، والتبصير بالواقع، فبعث إليه برسالة قصيرة، يحثه فيها على ضرورة الإسراع بالإصلاحات التي تتخذها فرنسا والدول الأوربية ذريعة للاحتلال، ويحذره من البطانة التي لم تع خطورة الوضع بعد، فقال له بلطف العالم : “إن هؤلاء الجماعة المعنيين للفصل في القضايا الشرعية، لم تظهر منهم نهضة ولا نجدة، ولعلهم لم يتبصروا بالمعنى المقصود من هذا المجلس، فمآله أنه يكون مجلس الأمة، ولكن إذا شاء مولانا – دام علاه – أن يجعل لهذا الأمر ضوابط وأسسا لا تنخرم، فليعجل بذلك”، وفي شعبان 1326 هـ (1908) أرسل إليه رسالة أطول من سابقتها، ضمنها عبارات رقيقة لطيفة، ليلا ينزعج منها السلطان، لكنه لفت انتباهه إلى أنه بين شعبتين عظيمتين :

الشعبة الأولى : رعيته التي هي ساعده ومعصم كفه.

الشعبة الثانية : دول أوربا التي لا تألو جهدا ولا فخا إلا ونصبته للمغرب. ومنه مؤتمر الجزيرة.

ثم بيّن له أن الشعب المغربي مجمع على عدم تنفيذ بنود المؤتمر، لما فيه من هضم حقوق المغرب والمغاربة.

أما الأوربيون فإنهم لا يلتفتون إلى آراء الشعب، وأحاله على الأمم التي تعرضت للاحتلال لأخذ العبرة منها، حيث يمتص المحتل خير البلاد، و”يتداخلون في الأديان، ويغيرون العوائد، ويبدلون اللغات …”

ثم بيّن للسلطان مقاصد أوربا من المؤتمر، ومنها :

– إضعاف شوكة الإسلام، والانتقام لأسلافهم الذين سبوهم آباؤنا وأشراف أجدادنا في مواطن القتال.

– شد عضد الدول الأوربية لبعضهم بعضا هو مجرد عصبية مسيحية، وفتّا في عضد المسلمين.

– اختلاف ألمانيا مع فرنسا في المؤتمر لم يكن حبا في المغاربة، بل للضغط على فرنسا حتى تنال بعض الامتيازات من خيرات المغرب.

ثم انتقل إلى المقترحات العملية التي يجب على السلطان أن يتوسل بها، فبيّن له أهمية الر جوع إلى الشعب في مثل هذه القضية المصيرية، فقال له ما نصه : “والذي يلوح للعيان، ويشهد بحسنه الجنان، أن مولانا السلطان يتخلص من أوربا ومن شعبه، بأن يجيبها الآن بأن غاية ما يطالب به إلقاء هذه المشكلة وأمثالها على أهل المغرب، ويعلن مولانا أيده الله بأن القول في ذلك للشعب، فما قرره أمضاه ونفذه”، وكأنه يذكر السلطان بمبدأ سيادة الشعب وأنه مصدر السلطات…

وبعد ذلك يحذر السلطان من القيام ببعض الإجراءات، فقال : “أما الآن، فالمطلوب من مولانا الإمام، دام فضله أن :

+ لا يبرم شيئا من قبول المؤتمر أو عدمه، أو قبول الحمايات …

+ لا يطلب شيئا من البنك. لأن قبوله يلزمنا قبول سائر بنود المؤتمر.

+ رفض جلوس المراقب الفرنسي في المراسي.

+ تبديل أعضاء دار النيابة كليا، لأنهم أشربوا سياسة فرنسا في لحمهم ودمهم، ولا يتمشون إلا بإشارتها.

+ الانفتاح على الشباب، يستفاد ذلك من قوله :”وإنا لنعرف كثيرا من ذوي البراعة والتقدم في الناشئة الجديدة الذين يصلحون لحل مثل هذه المشاكل”.

هذه أهم مضامين رسالتَيْ الشيخ سيدي محمد بن عبد الكبير الكتاني للسلطان عبد الحفيظ، وهو ما لم يتفاعل معه السلطان بإيجابية، ولعل الشيخ لم ترضه السياسة العامة التي تنهجها الدولة، خصوصا أن السلطان لم يلتزم بـ”النظر في مصالح المسلمين والدفاع عنهم، وإخراج العدو من ثغور المسلمين”، الذي وعده به حين طلب منه مبايعته، فاتخذ الشيخ لنفسه طريقا معارضا لسياسة عبد الحفيظ، وهو ما حدا بالسلطان إلى تغيير سياسته معه، فاعتقله بفاس، بدعوى الزندقة والخروج عن طريق السنة والجماعة، واتخذ القرار بإغلاق جميع فروع الزاوية الكتانية بالمغرب، وجُلد الشيخ ما يناهز خمسمائة جلدة، استشهد على إثرها يوم 13 ربيع الثاني 1327 هـ، وعمره لم يتجاوز 37 سنة، ولا يعرف قبره الشريف إلى اليوم، لأن عبد الحفيظ يعلم يقينا أن المغاربة سيعظمون قبره ويجعلونه مزارا لهم، وبذلك سيغيظه الشيخ تحت الأرض كما كان يضيق به صدره فوق الأرض.

هكذا كان السلطان عبد الحفيظ متوددا متزلفا للعالم الشيخ، ثم انقلب عليه بعد أن ضاق ذرعا بنصائحه، ولم يراع مكانته العلمية والاجتماعية، ولعل هذا التحول الجذري وما يشبهه في تاريخ المغرب جعل المغاربة يفقدون الثقة في ثلاثة، ومنها المخزن.

رحم الله الشيخ الشريف النسيب سيدي محمد بن عبد الكبير الكتاني وتقبله الله في الشهداء.

في المقال القادم، نجلي صفحة من صفحات السلطان عبد الحفيظ في علاقته مع الشيخ سيدي محمد بن جعفر الكتاني والشيخ سيدي محمد بن الصديق الغماري رحمهما الله تعالى.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع