أخر تحديث : الأحد 17 أبريل 2016 - 8:51 مساءً

التعليم وفعالية الانخراط الحكومي المأمول

الزكري عبدالرؤوف | بتاريخ 17 أبريل, 2016 | قراءة

عبد الرؤوف الزكري

الزكري عبدالرؤوف-

إن حيوية موضوع التربية والتكوين وأهميته بالنسبة للمجتمع، يستدعي تدخل القطاعات الحكومية بشكل  إجرائي وفعال، لبلورة الرؤى الاستراتيجية عمليا، والتي هي شأن الخبراء والأكاديميين والنخب العالمة. وقد تم إحداث مجلس أعلى للتعليم ،حتى لا يبقى موضوع تنشئة مواطني الغد ،عرضة لتقلب السياسات الحكومية التي تبقى رهينة لخريطة انتخابية ، وحسابات سياسية. فالوزارة الوصية ينبغي أن ينحصر دورها في تنفيذ توصيات المجلس، والتي من المأمول أن تحصن بطابع الإلزامية عوض طابعها الاستشاري المرهونة له اليوم. وأن يقتصر دورها فبما هو إداري. كتدبير الموارد البشرية ، وتفعيل أدواروتوصيات اللجن المختلفة، ومواكبة المشاريع التربوية ،…أما ما هو بيداغوجي وتربوي فالأولى أن يوكل لذوي الاختصاص من المفكرين والتربويين والعلماء. مادام حقل التربة والتكوين،  مجالتتداخل فيه عدة حقول علمية، ومشارب معرفية، وتوجهات سياسية، يحتضنها المجلس  الاعلى للتربية والتكوين. أما تجارب الوزارات المتتالية، فإنها دوما وعبر تاريخ طويل، تعمل على تقريب ذوي الانتماءات السياسية الموالية (المناضلون) وإبعاد الآخرين، دون اعتبار للكفاءات والمؤهلات، مما ينتج عنه نسخ التجارب والمشاريع، عوض تكاملها وتراكمها،  وإهدار للمال والوقت والجهد. وما يستتبع ذلك من تشتيت لذهن العاملين في القطاع، وفقدان الثقة  في كل مشروع إصلاحي تالي، وتضييع فرص على أجيال وجدت نفسها ضحية مخطط  ومشروع لم يكتب له إتمام حلقاته، بسقوط ربابنته والمنتصرين له، عند أي تعديل حكومي، او فرز انتخابي، أفقدهم مقاعدهم.

إن الإنسان الذي تسعى منظومة التربية والتكوين لاحتضانه، له حاجات ومطالب عقلية ونفسية وجسدية لا يستقيم وجوده إلا بتحقيقها، فلا حديث عن تنشئته متكاملة في غياب أي اهتمام بصحته البدنية والتي هي مسؤولية وزارة الصحة. والنهوض بالمستوى القرائي للمتعلمين والرفع من منسوبه، رهين بتوفر مكتبات داخل المؤسسات وخارجها، وتحديثها بما يعرفه العصر من وسائط رقمية، وتنشيطها باللقاءات مع الكتاب والمبدعين، وإتاحة الفرصة للتلاميذ للاحتكاك بالمثقفين وإشباع فضولهم للتزود من معين إنتاجاتهم الفكرية والأدبية. ولقد أثبت هذا الشكل في الممارسة الثقافية جدواه وفعاليته في تحفيز الشباب ودفعهم للقراءة في بعض ثانويات المملكة. كل هذا وأوفى، لا يستقيم بدون مساهمة الوزارة الراعية للثقافة والمثقفين.  ولا مردودية ترجى من رجاله ونسائه إذا الإدارة مركزيا وجهويا ومحليا لم تواكب ما استجد في وضعيتهم الإدارية وموافاتهم بالوثائق التي يطلبونها في الزمان والوقت المتعين لذلك. وجعل باب التواصل معهم مفتوحا دوما، بالإجابة عن استفساراتهم، وتحديث المعطيات معلوماتيا في زمن التواصل الرقمي الي تصبو المنظومة إلى الاستفادة من فتوحاته. ولن يتأتى هذا بدون المساهمة الوازنة لوزارة الاتصال، ذات المسؤولية المباشرة في تسهيل ولوج المدرسة المغربية واستفادة روادها من الخدمة الرقمية التي تسهل التعلم وترسخه، وتفتح الافاق العلمية أمام المتعلم التي يصعب بل يستحيل ارتيادها بالاعتماد على الطبشورة و القلم. التي لا يزال تعليمنا لا يعرف غيرهما، ما خلا من تدخلات معزولة وبإمكانيات فردية لبعض الأساتذة الذين يأبون أن يبقى من يشرفون على تكوينهم خارج الزمن الرقمي، التي وإن زودت المرسة ببعض عدته، تبقى مقصورة على العمل الإداري في أقصى الحالات. وما وُفر من قاعات متعددة الوسائط، يشكو غياب الصيانة وانعدام التجديد. فمدرسة اليوم والمستقبل لا تقوم لها قائمة، بدون هذه القاعات والسبورات التفاعلية، والصبيب العالي للأنترنيت الذي لا يهدر الوقت بل يوفره، ولا يرهق المتعاملين به كما هو حاصل مع منظومة مسار، بل ييسر العمل، وجعله وسيلة للتراسل الإداري تغني عن الاصطفاف أمام أبواب الوزارة والأكاديمية والنيابة. مع تنظيم ورشات للمتعلمين في المجال الإعلامي السمعي البصري من تأطير متخصصين في المجال الذين يقبعون في مكاتب الوزارة وملحقاتها، واستغلال الطاقات الذين أبانوا عن علو كعب من خلال ما يبثونه في المواقع المختلفة  من إبداعات وبإمكانيات متواضعة، فالزمن زمن الصورة المتحركة والمعلومة الخاضعة لإخراج فني لا يقل عن قيمتها الفكرية. وتبقى التسوية المالية  والإدارية بين الموظفين العموميين، شرط لازم لبعث روح المواطنة بين أباء الوطن الواحد، وذلك بالقضاء على كل أشكال التمييز بينهم في المنح والتعويضات، والخدمات الاجتماعية للتلاميذ ولأساتذتهم و التي تعد الأسوأ بين عموم الأجراء، ضدا على أعراف العمل الاجتماعي الذي كلما اتسعت قاعدة منخرطيه، إلا وكانت الخدمة الاجتماعية أجود. فرغم التفوق العددي لهيئة التربية والتكوين، لا يقابله تفوق في الخدمة الاجتماعية المقدمة لهم، ويتبين هذا بإجراء مقارنة بسيطة بين مصطافات ومصحات ونوادي …مختلف القطاعات الحكومية .

وتبقى الجماعات المحلية، اهم شريك محلي للمدرسة، بفعل عامل القرب، والمستشارون الجماعيون، هم أكثر دراية بالمشاكل التي تتخبط فيها المدرسة التي تقع تحت نفوذهم الترابي من جهة، ومن جهة ثانية، فإن تزويدها بما يعينها على القيام بواجبها اتجاه أبناء الناخبين لا يقل أهمية عن الاهتمام بالإنارة العمومية، ونظافة الأزقة وتشجيرها، وإعداد الساحات العمومية والفضاءات الرياضية. فكل هذا وغيره، هو ما يبرر وجود المجلس البلدي والقروي، الذي يعد أهم رافعة تنموية التي تغديها المدرسة بالطاقات والكوادر التي لولاها لتعطل وصدأ محركها. فعليها تقع مسؤولية تأهيل المدرسة وتجهيزها، كما ذهبت بعض الجماعات وهي قليلة، إلى تخصيص  منحا للمدارس الواقعة تحت نفوذها، وليس فقط  للجمعيات الموالية للرئيس تصرف جلها في الحفلات بمناسبة وبدونها،  مادام فيها الشكر موصول للرئيس مع الإشادة بمنجزاته التي لا يراها غيرهم. وهناك من الجماعات التي وفرت النقل المدرسي للمتعلمين والمعلمين، فارتفع سقف زمن التعلم، وتنافس الناس في الدفع بأبنائهم إلى المدارس وخصوصا الفتيات، حينما أحسوا بالأمن في ذهابهن وإيابهن، وقلت تكلفة متابعة الدراسة، فهبط مؤشر الهدر المدرسي بالجماعات المشمولة بهذا النقل. وخصوصا بالعالم القروي . ومن الجماعات من جعلت ترسانتها اللوجستيكية رهن إشارة المدرسة، عوض أن يتوسل المدير من يساعده في نقل المطعم المدرسي، واللوازم المدرسية عند كل دخول مدرسي.

كل هذا لا يغني عن شراكة القطاع الخاص، وتسخير بعض إمكانياته لخدمة التربية والتكوين . والتعامل مع من يقصدونه رغبة في استكمال التكوين أو التدريب، من مختلف مؤسسات التكوين المهني، بالجدية المطلوبة، وعدم البخل بالمعلومة والمهارة. فالعائد من كل مجهود يبذل راجع إليه لا محالة بالمنطق الاقتصادي نفسه.

 

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع