أخر تحديث : الأربعاء 8 يونيو 2016 - 11:42 مساءً

التربية النفسية في الفكر الإسلامي

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 8 يونيو, 2016 | قراءة

zekri

عبد الرؤوف الزكري
لقد تعددت تعاريف التربية بتعدد المهتمين بها أفرادا ومدارس وفلسفات، وكلها تروم حول إخراج الإنسان من حالة الطبيعة إلى الحالة الإنسانية و الاجتماعية. وهذا لا يتأتى إلا بتهذيب الجانب الحيواني الشهواني الأرضي كما نحت إلى ذلك الأدبيات التربوية في فكرنا الإسلامي، ودعم وتعزيز الجانب الروحي التواق إلى معانقة السماء وكذا إخراج حبه الغريزي إلى الاجتماع من الكمون إلى الظهور.

التربية الداخلية والخارجية:
باستنطاق الإنتاج التربوي للفكر الإسلامي، سنجد ودون كبير عناء أن المدرسة الصوفية قد انتدبت نفسها بالمطلق إلى القيام بمهمة التربية وتركيز كل الجهود لإصلاح باطن الإنسان وتطهيره، والانتقال به من مقام إلى مقام أعلى منه، ومن حال إلى حال أشرف منه، بعدما تكون الشريعة قد هذبت جوارحه وضبطت سلوكه الخارجي. «فالصوفية راضوا نفوسهم بالمكابدات والمجاهدات حتى أجابت إلى تحسين الأخلاق، وكم من نفس تجيب إلى الأعمال ولا تجيب إلى الأخلاق، فنفوس العباد أجابت إلى الأعمال وجمحت عن الأخلاق ونفوس الزهاد أجابت إلى بعض الأخلاق دون البعض، ونفوس الصوفية أجابت إلى الأخلاق الكريمة كلها». من هنا يتبين لنا أنه بالقدر الذي يزداد به العبد تخلقا، يزداد ترقيا في مدارج التصوف والاكتمال الإنساني.

فانطلاقا من التقسيم الشائع لدى الصوفية، بين أعمال الجوارح من صلاة وصيام و… وأعمال الباطن بتطهير النفس من الكبر والحسد…ثم تحليتها بمكارم الفضائل بحب الخير للناس والجود والسعي في الإصلاح…يتضح مدى المعاناة التي يجدها الإنسان في تحصيل الثانية، مع ما يتطلب ذلك من مجاهدة وصبر على سلوك هذا الطريق. بالمقارنة مع الأولى التي تبقى أعمالا يتربى المرء عليها بالعادة ومجاراة العامة في ذلك.

ولا بد أن نشير إلى أن أي عمل أمرت به الشريعة، وإن بدا عمل براني من عمل الجوارح، إلا وله أثر جواني تهذيبي لنفس الإنسان، إن صدقت النيات، وحالفه الإخلاص. فالصلاة وإن كانت حركات بدنية فهي أيضا خشوع وتضرع، ولا تكون ذات قيمة إذا لم يعبقها ابتعاد عن الفحشاء والمنكر. الأمر نفسه يتكرر مع الصيام، فالغاية من حبس البدن عن شهواته وتأجيلها، إنما هو حصول التقوى «لعلكم تتقون». وقل ذلك في سائر العبادات. وهي سهلة يسيرة على من سهلها الله عليه ، وليست كذلك بالنسبة للبعض الآخر «وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين». والتاريخ ينبئنا أن المرتدين استسهلوا الجهاد والقتال والتضحية بالنفس على إخراج الزكاة.

النفس:
لقد تزامن ظهور التصوف كممارسة سلوكية، مع اهتمام خاص بالنفس ومراقبتها، والتعرف على ماهيتها، وعلاقتها بالجسد من جهة وبالروح من جهة ثانية. وهذا الاهتمام انعكس على السلوك الصوفي وفي هذا يقول الدكتور التفتازاني: «كان التصوف في القرنين الثالث والرابع علما للأخلاق الدينية أساسا، ومن الطبيعي أن ترتبط الناحية الأخلاقية للتصوف لهذا العهد بالكلام في النفس الإنسانية وقواها، وبيان آفاتها وأمراضها وطريق الخلاص عنها، ولذلك يمكننا القول أيضا بأن التصوف كان مطبوعا بطابع سيكولوجي إلى جانب الطابع الأخلاقي، وإن شئت قلت: إن مبحث الاخلاق عند الصوفية وقتئد كان قائما على أساس تحليل النفس الإنسانية لمعرفة أخلاقها الذميمة والتكمل الخلقي عندهم بإحلال الأخلاق المحمودة محل الأخلاق المذمومة» فهذا الارتباط بين النفسي والخلقي، نابع من اهتمام الصوفية بالاستكمال الخلقي الذي محله النفس، التي ينبغي معرفة حقيقتها أولا، ثم العمل على تهذيبها بالمجاهدة والترويض ثانيا.

تعريف النفس:
لقد تقصى الدكتور- سعيد مراد- استعمالات النفس في القرآن فوجد لها ثلاثة معاني:
المعنى الأول: للدلالة على الذات المطلقة التي لا تدرك بالحواس ولا تقاس بقياس. وذلك واضح في قوله تعالى: «ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد» وقوله: «فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة»
المعنى الثاني: النفس المشخصة للدلالة على المركب من جسم وروح. وذلك واضح في قوله تعالى: «أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا»
المعنى الثالث: وهو الموافق لما ذهب إليه الفلاسفة والعلماء. يقول ابن سينا: «النفس اسم مشترك يقع على معنى يشترك فيه الإنسان والحيوان والنبات، وعلى معنى يشترك فيه الإنسان والملائكة السماوية»
وجاءت السنة مستعملة النفس بهذه المعاني في كثير من نصوصها، وأن هذه المعاني القرآنية توجه الأنظار إلى قيمة النفس وضرورة رعايتها وتهذيبها حتي يتأنسن الإنسان، وهذه هي مهمة التربية. لأن النفس لا وجود لها إلا في الجسد، وبهذه المخالطة للجسد «أصبح لها تطلعات، ومن تطلعاتها الرغبة في الخلود الحسي والمعنوي» وهذا هو الباب الذي طرقه إبليس ودخل منه إلى نفس آدم عليه السلام فغواه وأزله فأكل من الشجرة.

أصول التربية النفسية:
مخالفة النفس إذا طالبت بمعصية، أو التوسع في المباح، هذا الأخير الذي فهمه بعض القوم فهما جعلهم يحرمون على أنفسهم الكثير من الطيبات والضروريات التي لا حياة للجسد إلا بها، فنجد من الشيوخ من ينصح مريده بأن لا يشرب إلا بعد مرور ساعتين من الإحساس بالظمأ، بدعوى أن التأخر في طلب المباح مدعاة للحبس عن طلب الحرام. وهذا المسلك التربوي القائم على الحرمان البدني علق عليه ابن الجوزي قائلا: «أن المتزهدين أخطأوا عندما حسبوا أن ترويض النفس يعني الحرمان للبدن ويعني حمل كل الناس على العزائم، لأن مراد الشرع ليس إزالة ما في الطبع بالرياضة وإنما خلقت الشهوات لفائدة إذ لولا شهوة الطعام لهلك الإنسان، ولولا شهوة النكاح لهلك النسل، ولولا الغضب لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يؤذيه، وكذلك حب المال مركوز في الطباع لأنه يوصل إلى الشهوات وإنما المراد من الرياضة كف النفس عما يؤذي من جميع ذلك وردها إلى الاعتدال فيه»

أنواع النفوس:
يذكر أن حكماء الاوائل رأوا أن النفوس ثلاثة : ناطقة و حيوانية وشهوانية. فالنفس الحيوانية والشهوانية يشترك فيها كل من الإنسان والحيوان، فبالأولى يكون الغضب والحدة ومحبة التفوق و السيادة، وبالثانية الشهوات الجسمية. أما النفس الناطقة فهي التي يتميز بها الإنسان عن الحيوان، فهي محل الفكر والفهم والتمييز. وذكر آخرون تقسيما غير هذا للنفوس: «فهناك النفس مزكاة ونفس مدساة ونفس أمارة بالسوء ونفس لوامة ونفس مطمئنة تستحق الرضى من الله وهي ذاتها راضية عن الله» وهو التقسيم الذي ينهل من الآيات القرٱنية الواردة في شأنها.

والانتقال من نفس لا تأمر إلا بالسوء، إلى نفس مطمئنة مرورا بالنفس التي زكاها صاحبها إنما يكون بتطهيرها من النفاق و الرذائل، وتحليتها بالإيمان بالفضائل .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع