أخر تحديث : الثلاثاء 26 يوليو 2016 - 9:12 صباحًا

بيان “خدام الدولة” .. تحليل وبيان

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 26 يوليو, 2016 | قراءة

jebari_602526427

عبد الله الجباري
اشتهرت حكومة السيد عبد الإله بنكيران بمقولات وتصرفات وأشخاص، أكثر من اشتهارها بأوصاف أو مواقف أو إنجازات، وكل ما اشتهرت به الحكومة يستند إلى السلبيات، ويعتمد على الهنات، مثل وزير الكراطة، ووزير الشوكلاطة، ووزيرة جوج فرنك، ووزيرة 22 ساعة، أو وزيرة النفايات، وإقدام وزيرين في الحكومة على مقاضاة صحفي بناء على قضية صندوق دعم البادية، … وختاما بوزيري “خدام الدولة” وغني عن البيان أن كل واحدة من هذه الحالات إلا وكانت مثار اهتمام الرأي العام سواء في المقاهي والمنتديات العامة، أو على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي، أو على مستوى الكتابات الصحفية في المنابر الورقية والإلكترونية، الوطنية والدولية.

ولو كان لهذه الحكومة من الإنجازات والمواقف ما يشفع لها لحجبت كل هذه الهنات وغطت عليها، لكن الواقع لا يرتفع.

وبدل تهيئة الأجواء لإجراء انتخابات تشريعية في جو يسوده الهدوء، انفجرت قضية تفويت بقعة أرضية لوالي جهة الرباط،”عبد الوفي الفتيت” بثمن بخس دراهم معدودة، لا يتلاءم ألبتة مع قيمتها المنصوص عليها من قبل مديرية الضرائب، فكان الرأي العام المغربي يقظا كعادته، وواجه عملية التفويت بقوة على مستوى وسائل الإعلام، (خصوصا وسائل الإعلام الجديد)، إلا أن الحكومة وبدل أن تقوم بواجبها الدستوري في وقف نزيف الملك العام والحفاظ على المالية العامة، نكصت على عقبيها، في انتظار هدوء العاصفة، وأمام الضغط القوي، اضطر وزيرا الداخلية والاقتصاد والمالية إلى إخراج بيان لتوضيح القضية وملابساتها للرأي العام، وهو عمل يشكران عليه من حيث المبدأ، لكن بالنظر في البيان وتحليل لغته، وقراءة مضامينه وما بين سطوره، تبدت لنا الملاحظات الآتية :

** كان حريا بالوزيرين أن يتحليا بمواصفات رجل الدولة، وأن يقدما المعطيات الخاصة بالنازلة للرأي العام، دون أن يغرقا بيانهما بالتحليل والنصائح، لأن ذلك من مهام المحللين والباحثين وليس من مهام رجال الدولة، إضافة إلى أن المعطيات بطبيعتها تكون صحيحة وواقعية، أما التحليل، فيختلف باختلاف المقاربات والمواقع، ورجل الدولة ينأى بنفسه عن هذا الأمر.

** تشكل المعطيات ثلث البيان أو أقل، وغطى التحليل مساحة الثلثين أو أكثر، مما يدل على عدم حِرفية كاتب البيان.

** من التحليل السياسي الذي تورط فيه الوزيران، أن الضجة مجرد حملة مغرضة من قبل [حزب سياسي] و[المنابر الإعلامية التي تدور في فلكه]، وأن الحملة مجرد [تشهير بمسؤول سام مشهود له بالكفاءة والحرص على خدمة الصالح العام]، وأن الأمر ليس إلا [حملة انتخابية سابقة لأوانها]…..

دعونا نتأمل هذه العبارات وندقق فيها لنبين خطورة انزياح رجلي الدولة من ضفة إعطاء المعلومة إلى ضفة التحليل السياسي :

أولا : المقاربة القانونية:

— إذا كان والي جهة الرباط يعتقد أن الوزيرين مسؤولان حكوميان، ويسهمان في التشريع، ويسيران دولة قائمة، وأنهما وقّعا المقال وهما متمتعان بكامل قواهما العقلية، وأنهما لم يوقعاه تحت أي إكراه … فإنه من حقه أن يتابع قضائيا كل صحيفة أو موقع إليكتروني أو شخص تكلم في هذا الموضوع، لأنهم جميعا وحسب بيان الوزيرين وقعوا في “التشهير” بسعادته، والتشهير جريمة يخالف عليها القانون…..

وإذا كان السيد الوالي يعتقد بأن الوزيرين رجلان قاصران أو مغررا بهما أو لا يفهمان ما يصدر عنهما من كلام أو أنهما وقعا البيان تحت الضغط والإكراه ،،، فإنه قد لا يبالي ببيانهما ولا يعيره أدنى اعتبار، لأنه فاقد للصفة القانونية التي يمكنه الاعتماد عليها إبان مسطرة التقاضي.

–وصف الوزيران المذكوران الضجة الواقعة في المجتمع حول نازلة التفويت بأنها حملة انتخابية سابقة لأوانها، ومعلوم أن القيام بحملة انتخابية قبل موعدها المؤطر قانونا ولو بساعة واحدة يستوجب العقاب،،، هنا نحن أمام خيارين اثنين : أولهما : أن تعتبر النيابة العامة الوزيرين ممن لا يلتفت إلى كلامهم، وبالتالي تعرض عنه صفحا،،،، ثانيهما : أن تعتبر النيابة العامة الوزيرين المحترمين رجلين كاملي الأهلية، وبالتالي فإنها ملزمة بفتح تحقيق في النازلة، وإحالة كل من تكلم في الموضوع إلى القضاء بتهمة القيام بحملة انتخابية قبل الأوان….

–أشار البيان الوزاري إلى أن التجزئة المعنية مخصصة لموظفي و”خدام الدولة”، ومعلوم أن رجال القانون وخبراءه على علم تام بمعنى “موظفي الدولة”، لكن لا أحد من رجال القانون يفهم معنى “خدام الدولة”، ولا يوجد أي قانون تنظيمي يبيّن لنا من هم ؟ وكم عددهم ؟ وما هي الإدارات التي تحتضنهم ؟ كما يستبطن البيان الذي كتبه أحد “خدام الدولة”، ووقعه “خادما الدولة”، أن في المغرب مواطنين لا ينطبق عليهم وصف “خدام الدولة”، وهنا يسقط الوزيران المحترمان في مخالفة دستورية، حيث ينص الدستور على مبدأ المساواة بين المواطنين، وينص البيان على التمايز بين المواطنين، وهو تمايز غير مبني على أساس.

ثانيا : المقاربة السياسية

مباشرة بعد صدور بيان الوزيرين، عمم رئيس الحكومة باعتباره أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية منشورا يطالب من خلاله منتسبي حزبه التزام الصمت وعدم التعليق، وهو ما يعني أنه غير راض على البيان، وأنه فوجئ به واطلع عليه مثله مثل باقي المواطنين والمهتمين،،، وأن الوزيرين لم ينسقا معه ولم يستشيراه في أمر البيان، ولم يطلعاه على نصه، مما يدل على زيف الادعاءات التي تروج للتفاهم الحكومي، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو : لماذا تجرأ الوزيران على إصدار بيان ذي طبيعة سياسية دون الرجوع إلى رئيس الحكومة ؟

بما أننا نفتقر إلى الجواب القطعي لهذا السؤال، إلا أننا نفترض له إجابتين اثنتين :

الفرضية الأولى: تجرأ الوزيران وأصدرا البيان السياسي دون الرجوع إلى رئيس الحكومة، لأنهما جرباه وخبراه، وعرفا أنه يتجاوز عن مثل هكذا تصرفات بعبارات من قبيل : هذه قضية سرطناها، مافراسيش، أو غيرهما من العبارات الكيرانية، وهذا ما جعل الوزراء يستسهلون جنابه، ولا يهابون غضبته وقدرته على قلب الطاولة إن اقتضى الأمر.

الفرضية الثانية: تجرأ الوزيران وأصدرا البيان السياسي دون الرجوع إلى رئيس الحكومة، لأنهما مدعومان من جهة أخرى أقوى منه، أو أن لهما رئيسا آخر يستشيرانه في مثل هذه القضايا، وكأنهما مكلفان بمهمة في الحكومة، وليسا وزيرين يمارسان مهامهما وفق أعراف سياسية متوافق عليها.

ثالثا : المقاربة الأخلاقية:

إذا كان الوزيران المذكوران يفتقدان للحس القانوني، ويفتقدان للثقافة السياسية، إلا أنه كان حريا بهما ألا يضمنا بيانهما معلومات مخالفة للواقع، لأن من تحدث عن التفويت ليسوا من “حزب سياسي” واحد كما ادعى البيان، بل هم فعاليات من أحزاب متعددة، ومنهم من أوصل القضية إلى البرلمان، كفريق العدالة والتنمية، ومنهم من تطرق إلى الموضوع، وتساءل عن مستقبل الوالي، وهل سيحضر صلاة الجمعة مع الملك ؟ وهو الاتحادي حسن طارق … كما أن صاحبي البيان مارسا تدليسا على المغاربة، حين وصفا وسائل الإعلام التي تطرقت للأمر بأنها “منابر إعلامية تدور في فلك ذلك الحزب”، ومن المعروف عند المغاربة أن كثيرا من المواقع الإلكترونية التي تناولت المسألة لا علاقة لها بالأحزاب السياسية، وبعضها يعاني من الخط التحريري لتلك المواقع، وقد صرح رئيس الحكومة بمواقف عدائية تجاه بعضها… هذه العبارات التي استعملها الوزيران يمكن أن نفهمها في سياق آخر، وهو أنهما يقومان بحملة انتخابية سابقة لأوانها ضد حزب سياسي معين، وهو ما يعطي الفرصة لأي حزب سياسي شعر باستهدافه من قبل الوزيرين أن يحتج عليهما، وأن يشكو أمرهما إلى رئيس الحكومة، وأن يتخذ في حقهما كل الوسائل المتاحة قانونا، أو على الأقل أن تنسق مجموعة من الأحزاب لإصدار بيان تنديدي بتصرفات الوزيرين، يعيد للعمل السياسي عذريته ووهجه، ويفرمل جنون بعض منتحلي صفة السياسيين، أو المكلفين بمهمة في الحقل السياسي.

ملاحظات هامشية:

** أحال البيان إلى مرسوم صادر في 26 ديسمبر 1995، ولم يذكر تاريخ صدوره في الجريدة الرسمية، وهذا أمر معيب يؤكد فرضية جهل كاتب البيان بألفباء القانون.

** صدر يوم 26 ديسمبر 1995 مرسوم بشأن إحداث تجزئة سكنية في إطار محاربة السكن غير اللائق بجماعة الشلالات (سيدي الببرنوصي)، بمعنى أن الحكومة أصدرت في يوم واحد مرسومين أحدثت من خلالهما تجزئتين اثنتين، إحداهما لخدام الدولة، وأخراهما لأناس لا نعرف لهم وصفا ولا نعتا.

** أشار البيان إلى تاريخ صدور المرسوم، وكانت الإحالة إليه موثقة بتاريخ الصدور وبتاريخ النشر كافية، لكن البيان أضاف عبارة “منذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني”، وهذه الزيادة لا قيمة لها من الناحية القانونية، وهي من اللغو الذي يترفع عنه المبتدئون في صياغة البيانات، وبناء على هذه البدعة، يمكن للباحثين أن يقولوا بعد اليوم : (ظهير الحريات العامة الصادر بتاريخ كذا في عهد محمد الخامس، مرسوم كذا الصادر بتاريخ كذا في عهد الاستعمار ….) وهكذا.

** استعمال عبارات التشهير / الحملة المغرضة … يدل على عدم مواكبة الوزيرين للتطورات والمستجدات، وأنهما لم يستوعبا بعد التحولات المجتمعية، وانفتاح العالم بشكل لم يسبق له مثيل، وطغيان السلطة الخامسة المتولدة من رحم السلطة الرابعة، وسرعة انتشار المعلومة … وكأن الوزيرين باستعمالهما لتلك العبارات لا زالا يعيشان في عهد الحسن الثاني، حيث لا وجود للمعلومة إلا إن أخذناها من النشرة الجهوية سيئة الذكر.

** ارتدى الوزيران قبعة الأستاذ الناصح، فنبّها المتناولين للموضوع إلى أن الأجدر بهم أن يطالبوا بتغيير المرسوم المذكور، وأشارا إلى قاعدة قانونية، وهي أن المرسوم لا يتم تغييره إلا بمرسوم،،، وهذا عذر أكبر من زلة، إذ كان الأجدر بالوزيرين المحترمين – بناء على غيرتهما على المال العام وممتلكات الدولة – أن يبادرا إلى تغيير المرسومين، وأن يجمدا العمل به في انتظار التغيير، لأنه لا يلزمهما أحد ببيع القطعة الأرضية الآن قبل إصدار مرسوم جديد يتضمن القيمة المالية المتطابقة مع السعر المرجعي المنصوص عليه من قبل مديرية الضرائب.

بناء على ما سبق، يتبين لنا أن صيغة البيان تضمنت عبارات غير قانونية، وغير دستورية، وأنها كشفت لكل ذي لب، أن الوزيرين ليسا رجلي دولة، ولا يصلحان لحمل حقيبتين مهمتين في حكومة دولة ترفع شعار “دولة الحق والقانون”، وبالتالي وجب على رئيس الحكومة تفعيل المقتضيات الدستورية اللازمة من أجل إقالتهما وإعفائهما من مهامهما، فهل يستطيع ؟

أوسمة : , , , ,

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع