أخر تحديث : الأربعاء 7 سبتمبر 2016 - 3:04 صباحًا

التدبير الحكومي للملف الاجتماعي: إنجازات متعثرة

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 7 سبتمبر, 2016 | قراءة

zekri

عبد الرؤوف الزكري
يتردد على لسان الكثير من المحللين السياسيين والاقتصاديين على أن يد الحكومة غير مخول لها الامتداد إلى الحقلين السياسي والاقتصادي بنفس القدر المسموح لها به في المجال الاجتماعي، فهو المجال الأرحب لإبراز كفاءتها ومقدرتها على الفعل، خصوصا وأن قيادة الحكومة أوكلت إلى من لهم باع طويل في العمل الاجتماعي والخيري الذي كان عاملا من بين أخرى، سببا في حصد أصوات الناخبين. فيحق لنا اليوم أن نسائلها عن ما أسدته للمغاربة من خدمات خصصت لها« أكثر من نصف اعتمادات الخزينة» (1) وجعلت من التماسك الاجتماعي وتقليص الفوارق الاجتماعية إحدى ركائز برنامج عملها.

لكن الذي يستشف من تقارير المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية أن الحصيلة لم ترق إلى مستوى الوعود المقدمة للناخبين، وأن« أسبقية الاقتصادي على الاجتماعي» (2) هي الموصي به من طرف الفاعلين في الساحة، وأن التوازنات الماكر واقتصادية هي المهيمنة على قوانين المالية و«تعزيز الإصلاحات الهيكلية والبنيوية ونظام المقاصة» (3). الشيء الذي انعكس سلبا على مستوى عيش المغاربة، و« تزايد الفجوة بين الطبقات الغنية والفقيرة» (4) وعدم تحقيق أي تقدم معتبر في ترتيب مؤشر التنمية البشرية الذي وعد حزب العدالة والتنمية بالمرتبة 90 التي تبعد كثيرا عن المرتبة126 التي نقبع فيها حاليا. والتي تؤكدها وضعية القطاعات الاجتماعية .

الصحة:
جعل وزير الصحة إغلاق بويا عمر قضية وجود أو عدم، ورهان يضع مستقبله الوزاري على كف عفريت إن لم يتحقق. ولم يتساءل عن مصير المقيمين فيه وذويهم أمام شح الطاقة الاستيعابية للمؤسسات الاستشفائية العمومية لهذه الفئة، وغلاء فاتورة العيادات والمصحات الخاصة. متغافلا عن الوعد الحكومي بتخفيض نسبة تحمل الأسر للتطبيب إلى 30% عوض 53.6%. حين تم إطلاق المخطط الوطني للتكفل بالمستعجلات الاستشفائية وما قبل الاستشفائية بتعزيز  شبكة المستشفيات وتأهيلها وتحسين خدماتها، التي ما فتئت تتدهور حالتها مع تمركزها في المدن الكبرى. ولا تنفع بطاقة راميد حاملها الاستفادة منها لبعدها وتعطل أجهزتها، بعد أن عانى للحصول عليها الأمرين، لكثرة المتدخلين وتعقيد المساطر الإدارية والوثائق المطلوبة. فأصبحت مثل « الشيك بدون رصيد» الذي لا يمنحك سريرا ولا دواء رغم المجهود الذي بذل لتخفيض أثمنة بعضه ( حوالي1800 دواء).

التعليم ومحاربة الامية:
والذي يعد بالإضافة إلى الفقر والفساد من أهم معيقات الحياة السياسية والاقتصادية. « كنا نتوقع تحسين مؤشرات ترتيب المغرب في التنمية البشرية والحرية والتربية والتكوين» (5) وهو القطاع الذي توالت البرامج الإصلاحية للنهوض به لكنه لم يزدد إلا تدهورا، فركبت الحكومة الحلول السهلة عملا بالمقولة التراثية« كم حاجة قضيناها بتركها». فأمام حجم الفساد الذي استشرى في القطاع، حيث أقدمت الحكومة على إعفاء أكثر من 60رئيس قسم أو مصلحة و30 نائبا و4 مدراء أكاديميات، وما زال الملف مفتوحا للتحقيق في الاختلالات المتعلقة بتدبير صفقات البرنامج الاستعجالي. فكان الوقت مناسبا« لكي ترفع الدولة يدها عن مجموعة من القطاعات الخدماتية مثل الصحة والتعليم» ( 6) وهكذا تم تشجيع التعليم الخصوصي والترخيص لمؤسسات لا تتوفر فيها أدنى شروط التربية والتعليم بأطر لم تلتزم الدولة بتكوينها والإلزام بتشغيلها. وإضعاف التعليم العمومي بالقرارات التي اكتوى بنارها نساؤه ورجاله، مما كان عاملا في فتور البعض وإضعاف الهمم لدى الكثير ممن فضل التقاعد النسبي على العمل في القطاع الذي لم يعد « أشرف المهن» فازداد جرح الخصاص غورا، والاكتظاظ استفحالا. وأصبحت الجودة كلاما للاستهلاك المجاني. وخدمات هذا المرفق العمومي في أسفل الدركات رغم التباهي بالجهود الكبيرة التي بذلت لتأهيله وإصلاحه.
ويعد برنامج« تيسير» من النقط المضيئة في هذا القطاع، الذي عمل على تشجيع أبناء القرى على التعلم والاستمرار فيه، لكن الذي يسجل بصدده أنه لم يعمم على جميع قرى المملكة، التي لا تختلف هشاشة ساكنتها إلا بنزر يسير. التدبير نفسه نجده في مبادرة مليون محفظة، حيث يتساوى أبناء الميسورين الذين يتابعون تعليمهم بالعمومي مع أبناء الفقراء في العطاء، ولو اقتصر الامر على الفقراء لكان حظهم أوفى. ومع كل هذه العيوب، لم نجد لمثل هذه المبادرات سبيلا في مجال محو الأمية، التي لا يماري أحد في انعكاساتها الاقتصادية والسياسية، وعرقلتها للمسيرة التنموية. ولم تعمل على التخفيض من نسبتها، وبلوغ الرقم الذي وعدت به في التصريح الحكومي المتمثل في 20 % حيث تشير أحسن التوقعات بشأنها اليوم إلى 30 %.

الفقر:
تولى السيد بنكيران رئاسة الحكومة،  و« نسبة الفقر في حدود 8.8 % » (7) ووعد البرنامج الانتخابي لحزبه بتخفيضه إلى 4.4 % لكن الذي حصل هو أنه ارتفع إلى 11 % بمعنى أن كل الإجراءات المتخذة والتي يحلو لأطر الحزب التغني بمنجزات لم يسبقهم إليها أحد، لم تعمل إلا على زيادة عدد الفقراء، كإحداث صندوق دعم التماسك الاجتماعي، وصندوق التكافل العائلي، وصندوق دعم الأرامل، وتفعيل المبادرة الوطنية للنمية البشرية. كل هذا لم يصمد عندما تم«  ضرب القدرة الشرائية من خلال تعطيل محرك الاقتصاد- صندوق المقاصة-» (8). وللعالم القروي الحظ الأوفر من أسهم الفقر، أمام ضعف التأهيل الترابي بالتجهيزات الأساسية، وأثر الجفاف، وعدم انتظام التساقطات لسنوات متوالية، وغياب التأطير الفلاحي للقرويين، أثر على مدخولهم السنوي، بالمقابل تزايد الطلب وسبل الإنفاق بعدما تم تزويد القرى بالماء (96 % ) والكهرباء ( 99% ) وانعدام الخدمات الاجتماعية العمومية الأخرى الكفيلة بالنهوض بالساكنة ماديا وفكريا في مجالها  الاجتماعي، مما رشح نسبة الهجرة نحو المدن للارتفاع، والقضاء على مدن الصفيح في غاية الصعوبة، مع تنامي ظاهرة الباعة الجائلين والفراشة، ومهن موسمية لا تفي بالغرض، وأخرى مستفزة للمواطنين ككثرة راكني السيارات في الشوارع العامة بدون ضوابط، وكثرة المشردين والمتسولين الذين يفسدون على الناس عبادتهم وترفيههم وحلهم وترحالهم. وهذا دفع رئيس الحكومة إلى الإقرار ب« أن المجهودات المبذولة على أهميتها لا يصل تأثيرها إلى الحياة اليومية للمواطن بالشكل المطلوب» فالخصاص كبير والموارد محدودة التي كان عليه أن يفكر في تنميتها، وكذا ضعف الحكامة التي كان ينبغي العمل على تقويتها، ونقص وفعالية ومردودية الإنفاق العمومي في المجال الاجتماعي الذي كان ينبغي تدبيره بعيدا عن جيوب الفقراء إن كان يريد لنصبه إصابة.

الهوامش:
1-السيد بنكيران 2-محمد بوبكري 3-نوفل الناصري 4-اسماعيل العلوي 5-المصطفى المعتصم 6-السيد بنكيران 7-المندوبية السامية للتخطيط 8-عادل الدويري

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع