أخر تحديث : الخميس 6 أكتوبر 2016 - 4:42 مساءً

الحملة الانتخابية بين التسييس والتيئيس

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 6 أكتوبر, 2016 | قراءة

zekri

عبد الرؤوف الزكري
تشكل الحملة الانتخابية لحظة سياسية، تمكن المشتغلين بها من الاتصال بالمواطنين، وإقناعهم بأهمية الممارسة الديمقراطية أولا، وببرنامج الحزب ثانيا. بالإضافة إلى كونها فرصة لتشكيل الوعي السياسي والدفع بالمواطنين إلى الاهتمام بالشأن العام، اقتناعا بالممارسة الديمقراطية كأسلوب فعال لإدارة الصراع السياسي والتداول على الحكم، بشكل حضاري وخلاق، لكونها كما قال تشرشل أقل الأنظمة سوءا. إلا أن حال حملتنا ينبئ بكونها سائرة في عكس هذا التيار الذي سارت عليه الأمم الديمقراطية، والتي نريد أن نحذو حذوها في بناء صرح ديمقراطي، بما يحمله من معاني الحرية والمساواة ويمضي بنا قدما نحو الإقلاع التنموي المنشود.

تعرف الحملة الانتخابية بأنها «جهود منظمة وعملية مستمرة، توظف فيها الإمكانات والموارد المتاحة لتحقيق أهداف معينة» فالحملة إذن فعل قصدي، يخضع للتخطيط المعقلن لتحقيق أهداف حاضرة في ذهن المعنيين بها، وتتمثل إما في الفوز أو تشتيت الأصوات أو الشهرة تمرينا واستعدادا لما هو قادم من استحقاقات. فبأي أسلوب وبأي رهان يخوض سياسيونا الانتخابات؟ وأي مقصد يرجونه من العملية برمتها؟

في الخطاب: يجنح الكثير من السياسيين في خضم الحملة الانتخابية والحراك الحزبي إلى تناول الآخر بالحديث في جل تدخلاته، بالتجريح والهمز واللمز، وكيل التهم مع غير قليل من السب والشتم. عوض تقديم الذات للناخب، بطرح الاقتراحات والمبادرات التي ينوي اتخاذها لجعل الحياة أكثر جودة، والكيفية والإمكانيات التي يتم بها ذلك. وهنا نتحدث بالضبط عن البرنامج، الذي« ينبغي أن يتلاءم مع الصورة الذهنية المحببة والمرغوبة لدى الناخبين، مع مراعاة الخصوصية والتأكيد على الممكن والواقعية والصدق». الشيء الذي تم استبداله بالخطب والكلام المكرر الذي يعلم المُلقي قبل المتلقي طوباويته وتهافته. وقد اتسمت الحملة هذه المرة بخطاب جديد يمتح من قاموس الرعب والدمار التي تعيشه بعض الأقطار العربية، وتهديد الناخبين بكوننا مهددين في أمننا إن فاز الحزب المعلوم. و زعيم آخر، ينذر المغاربة بالإفلاس الذي يقفون على حافته بفعل السياسة والسياسيين. والذي نستنتجه من هذا وذاك، أن السياسة لم تعد كما هي في معجم روبير:« فن إدارة المجتمعات الإنسانية» بقدر ما صارت، التهويل والتخويف من فوز الآخر، وتوقع الأسوأ. فالسياسي إنسان يقود بلده إلى الهاوية، ولا يبشر بخير، همه كسب المواقع وإلحاق الاذى بالخصوم. بالمقابل اتخذ فريق آخر من البكاء شعاره ومنهجه في مناسبة يخاطب فيها الجمهور، وكأنه يشكو مظلومية لحقته هو منها براء. عوض الدفاع عن حصيلته والإكراهات التي حالت دون تحقيق الوعود التي سبق أن وعد الناس بها. مع ما يصاحب ذلك من مصطلحات غريبة عن الحقل السياسي يتدثر بها ليخفي فشله وعجزه. وهو الأمر الذي يستحق الدراسة في مختبرات العلوم السياسية، وخصوصا إذا كلن بكاء يجيش الأتباع ويحصد الأصوات. فالحزب وزعيمه تحول من مؤطر للجماهير، إلى باك وشاك على الجماهير الذين عليهم أن يتعاطفوا معه إن كانت لهم عاطفة.
إن حملة انتخابية، بممارسة سياسية أومأنا إلى بعض تجلياتها، كفيلة بأن تدفع الكثير إلى التشكيك في العملية الانتخابية برمتها، والابتعاد عن ساحة السياسة والسياسيين، . ونعي الخطاب السياسي الذي يستقي مفرداته من عصارة الفكر الإنساني. و يترجم إلى فعل نبيل وخلاق، في خدمة الإنسان ولصالحه.

في الأسلوب: لكل ممارسة سياسية حماة ورسل يبشرون بأفكارها ويدافعون عنها بالأسلوب الذي يليق بالنخبة التي تدعي تأطير الشعب وتمثيله. وقد كانت الميادين العامة والقاعات مجالا لطرح الأفكار والمبادرات الكفيلة بإقناع الناخب واستمالته، وكان يتصدى لهذه المهمة قيادات تاريخية يعز نظيرها اليوم، مع وضوح التصور والتعبير عنه بلغة سياسية بعيدة عن المزايدات، يصل معناها إلى كل فئات الشعب، ارتقاء بوعيه السياسي إلى مستوى يؤهله لحسن الاخيار بين الفرقاء السياسيين، والتمييز الليبرالي من اليساري. والحداثي من المحافظ ومن لا لون له .فتغدو الحملة الانتخابية مناسبة للتكوين السياسي، بتواصل القيادات مع قواعد لا يقل إخلاصهم وتفانيهم في خدمة الحزب عن القائد، لأنهم يستقلون نفس المركب، إذا نجا نجوا جميعا، وإذا هلك هلكوا جميعا. أما وقد تحول الزعيم إلى بائع لصكوك التزكيات، والحزب إلى ناد للأعيان تتغير عند كل محطة انتخابية، فإن القواعد استبدلت بالأجراء الذين لا يفقهون من الانتخابات إلا كونها فرصة للاسترزاق، وموسما للانتصار على البطالة. وأضمرت الشعارات السياسية الحماسية تاركة المجال للأغاني الشعبية أو ضجيج لا معنى له تلوث الإنسان والأشياء. ونثر الأوراق الدعائية هنا وهناك للتخلص منها بأسرع وقت، والتحلل من عبئها.

على سبيل الختم: إن مبرر وجود الأحزاب في الأنظمة الديمقراطية، هو تسييس المواطن، ودفعه للانخراط في الحياة العامة والمساهمة فيها، بما ترسخه فيه من قيم ومواقف تضمن تواصله مع الأسلاف واستمرار العمل على بقاء النظام في إطار الصراع على الصالح العام بالنضال الفكري والميداني الذي يتجسد بقوة عبر الانتخابات ، التي ينبغي أن تصان من الانحراف الذي اعتراها، والتي عرت عن سيئات الكثير من طبقتنا السياسية نفرت الناس منها وعزفوا عن المشاركة فيها، وهو ما يضر بمستقبل الديمقراطية، التي تعد الانتخابات أحد بواباتها الكبرى. ولا يجرؤ أحد اليوم أن يدعي بديلا عنها، يضمن للناس حريتهم وأمنهم.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع