أخر تحديث : السبت 15 أكتوبر 2016 - 6:51 مساءً

الزمن الضائع في الإدارة العمومية

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 15 أكتوبر, 2016 | قراءة

mouden

ذ. محمد الموذن
قد يكون من سوء حظك أن تكون مضطرا ﺇلى مقابلة مسؤول، أو استخلاص وثيقة من ﺇحدى المصالح اﻹدارية العمومية بمدينة القصر الكبير، أو على امتداد جغرافية الوطن، وقد يطول بك الانتظار، انتظار جناب المسؤول أو نائبه، أو أحد الموظفين المصنفين خارج السلم أو أسفله، من أجل أن يستقبلك أو يوقع على وثيقة أو قرار، ﻔﺈن فقدت الصبر وضبط الأعصاب، وحاولت تذكير موظفي اﻹدارة العمومية والمنتخبين على حد سواء بمبدأ تقريب اﻹدارة من المواطنين، أو باحترام التوقيت اﻹداري اتهموك بالشغب، ومحاولة اغتيال شرف اﻹدارة عن سابق ﺇصرار، وربما احتجزوك في مخفر الشرطة، وقيدوا “فضولك” بين سؤال وجواب.

في الزمن الضائع في اﻹدارة العمومية وحوالي العاشرة صباحا، وأمام أنظار المواطنين تمر كل يوم موظفة بخطوات متثاقلة في اتجاه مقر عملها، قد تصل بعد عشرين دقيقة ﺇلى قصر العدالة، التي اختل ميزانها، فلم يعد يحقق التوازن بين ثقافة الحقوق والواجبات، واضطرب ميقاتها الزمني، وتعطلت عقارب ساعة العمل بها، فضاع الانضباط، وخلد ﺇلى الاسترخاء والاستخفاف بحقوق المواطنين الضمير المهني.

وبجانبي، بالمقهى موظفون في منتهى الحيوية، أنيقو الملابس والمظهر والجوهر، يوزعون ابتسامات الأمل بالمجان على زبناء المقهى، ويحسنون فن الحوار واﻹصغاء، و بعد العاشرة كذلك يتململون للالتحاق بقصر البلدية، لأول وهلة تحسبهم يغتالون الزمن اﻹداري، ولكن عندما تعلم أن رئيسهم المباشر يلتحق بمقر العمل حوالي الساعة الحادية عشرة تعذرهم، لأن الرئيس سوف يسرحهم بعد التوقيت المعتمد بساعة أو ساعتين، يعملون خارج جدول العمل، ﺇنهم يعملون في الوقت بدل الضائع!.

وفي المستشفى المركزي، بقسم المستعجلات حيث تشير الساعة ﺇلى السادسة صباحا –ا لمداومة الليلية- حملت ابني حمزة على أجنحة اﻠﺴـرعة في حالة إغماء من جراء تسمم أصابه عن طريق أكلة خفيفة تناولها خارج البيت، وخارج مراقبة المصلحة الصحية – التابعة للبلدية- لمطاعم المدينة، فلم أجد لا طبيبا ولا ممرضا، فاستفسرت الحارس عن هذه الوضعية الغريبة، فأخبرني أن كلا من الطبيب والممرض نائمان، ولا يجرؤ على ﺇيقاظهما حسب التعليمات، ولما هددته بأنني سأرفع دعوى قضائية ضده وضد هذين الرجلين اﻠﻤﺘﺴثرين وراء وزرة وزارة الصحة أيقظهما، فقدما اﻹسعافات الأولية ﻹبني في شح وتدمر، وعادا من جديد ﺇلى فراشهما. ﺇنه الزمن الضائع الذي قد يتسبب في موت المرضى، والمستغيثين بقسم المستعجلات، وخاصة أثناء الثلث الأخير من الليل.

بهذا المستشفى كذلك يوجد قسم جراحة العيون الذي حنطت أدواته الطبية في بهو الشطط اﻹداري منذ سنتين، حيث عين به طبيب لجراحة العيون يقيم بمدينة الرباط، و يتردد على مدينة القصر الكبير مرة أو مرتين في الأسبوع، ويقضي جل أوقاته خارج الزمن الوظيفي، وفي الزمن المهني الضائع يفعل كل شيء إلا الكشف عن مرضى العيون، بدعوى أنه عندما ينظر ﺇلى المجهر- “الميكروسكوب”- يحس بألم حاد في عينيه، ويصيبه دوار وحالة ﺇغماء، ومع ذلك تصـر وزارة الصحة أن يظل هذا الطبيب يشغل هذا المنصب على حساب صحة ومصلحة المواطنين، ﻔﺈن كانت وزارة الصحة مصابة برمد العيون، وربما هي الأخرى يؤلمها النظر في مجهـر المراقبة ومنظار التتبع، فلتنظر بعين العقل، والضمير المهني ﺇلى هذا المشكل الكبير، وتصحح النظر في مرضى العيون بمدينة القصر الكبير.

أما في حقل التعليم فحدث ولا حرج، عند دق الجرس يلتبس عليك الأمر، ولا تدري أهي بداية الحصة الدراسية أم نهايتها، ازدحام شديد عند مدخل المؤسسة، وتدافع بين التلاميذ: أولائك حضر مدرسهم، وهؤلاء قد تغيب أساتذتهم، وفي وسط الساحة حارس عام تحول قهرا ﺇلى شرطي مرور، ينظم حركة سير التلاميذ خارج الزمن التعليمي، وبعد خمس عشرة دقيقة أو أكثر أو أقل قد يلتحق مدرس بعد أن اغتال الزمن اﻹداري، وأقبر زمن التلاميذ التعلمي، دون ملاحقة أو متابعة من الجهازين اﻹداري والتربوي، أو اقتطاع من الأجر من طرف المراقب المالي، وأمام مؤامرة الصمت بين جمعية الآباء والحس الوطني، وبعد أسبوع أو أكثر يعود مدرس آخر لاستئناف العمل بعد عطلة محصنة بشهادة طبية، تسلم في غالب الأحيان خارج سلطة الضمير المهني، وتحت ﺇغراء الدرهم، وحب الثراء، ومضاعفة الرصيد المالي من طرف بعض الأطباء الذين نتمنى لهم الشفاء العاجل من الجشع وحب المال، وفي البادية التي تسعى الحكومة لانتشالها من هوة التهميش، وتجتهد المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لتأهيلها، فحجم المصيبة أكبر، والزمن الضائع أكثر، فهو يتضاعف عشرات المرات عنه في المدينة، المطر والحر والقيظ، ووعورة المسالك، والبعد عن أعين المدير ونيابة التعليم، و… كل ذلك يفرخ لدى المتهاونين دواعي ومبررات وأسباب هدر الزمن المدرسي، وضياع الزمن اﻹداري في وزارة التربية الوطنية على وجه الخصوص، وفي اﻹدارة العمومية على وجه العموم.

هذه مجرد أمثلة قليلة عن هدر الزمن الوظيفي، وعدم احتساب أو خصم الزمن الضائع في اﻹدارة العمومية، فالمقال الصحفي لا يسمح بأكثر من هذا الحيز احتراما لوقت القارئ، ولكي لا نسقط في فخ الزمن الضائع الذي يضعف اﻹدارة العمومية المغربية، ويجعلها بعيدة عن الفعالية المطلوبة، وعلى حساب التنمية البشرية والمصلحة الوطنية، نكتفي بهذا القدر، أما ظاهرة اغتيال الزمن اﻹداري فهي شبح يهدد المشروع المجتمعي التنموي بالإفلاس، وزمن ضائع يتطلب التقويم واﻹصلاح، وسؤال عريض نطرحه على المسؤولين بألف صيغة وعلامات استفهام.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع