أخر تحديث : السبت 24 يونيو 2017 - 4:41 صباحًا

تقلب التعليم بين الحراك والضبط الاجتماعيين

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 24 يونيو, 2017 | قراءة

عبد الرؤوف الزكري
الارتقاء الاجتماعي وما يرافقه من تحسن في الوضع المادي هو مسعى مشروع وفطري في الإنسان، فهو دائم البحث والسعي للتموقع في أحسن المواقع التي تؤمن له ولذويه عيشا كريما بعيدا عن الخصاصة والعوز. فمساعدة الطفل على اكتساب المهارات الحركية الأولى، والارتقاء به في مدارج التربية والتكوين، ما هي إلا خطوات في هذا الاتجاه. اتجاه التنمية الذاتية والمجتمعية ذات المردودية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.

مفهوم الحراك الاجتماعي:
وهي الظاهرة التي بموجبها ينتقل الفرد أو الجماعة من مستوى اجتماعي واقتصادي إلى آخر، نتيجة قدراته واستعداداته وجهده الذاتي، أو المكتسبات التي يحصل عليها بفضل انتمائه العائلي أو المهني. بحيث يرتبط هذا الانتقال بتغيير في الوظيفة ودخل الفرد. وقد يكون هذا الانتقال إلى أعلى أو إلى أسفل. ويقول عنه عبدالله العروي سمة المجتمعات البشرية وخاصيتها، ومؤشرا على العدالة في توزيع القيم والفرص. التي تتاح لأفراد المجتمع بالتساوي، ولقيمة الكفاءة والمقدرة وحدها مشروعية الفرز والتعيين. وهو في « المجتمع المفتوح حراك تسابقي، وكلما ازداد الانفتاح زاد الحراك الاجتماعي، وكلما قل الانفتاح قل الحراك الاجتماعي» والانفتاح المقصود، هو الانفتاح على قيم الديمقراطي وما يرتبط بها من النزاهة والشفافية وحقوق الإنسان، ومنها حقه في الترقي الاجتماعي وأن تتاح له نفس الفرص التي تتاح للآخرين وأن يعامل على قدم المساواة معهم دونما تحيز للعائلة أو الجغرافية أو… تحميها مؤسسات منتخبة تقوم بدورها الرقابي الذي وجدت من أجله، وهي الضامن لسيادة العدالة والحيلولة دون نقض عراها في إسناد المسؤوليات وتبوئ المناصب.

دور التعليم في الحراك الاجتماعي:
في المجتمعات التقليدية، تتوارث المهن كما الثروات، وساد بينهم القول: « حرفة أبوك أو يغلبوك». فالعصمة من الفقر والهروب من قاعدة الهرم الاجتماعي المكتظ غالبا، كفيل به تعليم الأب لابنه صناعته وحرفته، في غياب مؤسسات تساعد الأسر والأولياء على تنشئة أبنائهم، مؤسسات عصرية تستلهم معطيات العلوم الحديثة في التنشئة والتعليم، المراعية لميولهم واستعداداتهم أثناء توجيههم في اختيار المسالك التي تناسب مقدراتهم والتي أصبحت اليوم من الغنى والتنوع ما لم يتح للأجيال التي مضت، وتتيح للمتمكن والمبدع من خريجيها إمكانية ارتياد آفاق في وقت وجيز، ولا يستسيغ صاحبها المكوث في مهنة واحدة الدهر كله إلى حين التقاعد. فهو دائم البحث و التنقيب عن الجديد والمتطور، وذلك نتيجة النفس التجديدي لمناهجها وبرامجها الذي ينعكس على فكر متعلميها، ليس على المستوى المهني فقط، بل يمتد إلى مجالات الحياة عامة، السياسية والاجتماعية و…. تواق إلى الانسلاخ من الجلباب الأبوي والسياحة في أرض الله الواسعة لتحقيق الذات، وإعلانها مدوية «هأنذا وليس كان أبي» واكتساب المكانة الاجتماعية التي تسمو بقدر تحصيله العلمي وتفوقه الإبداعي وجهده العقلي. على أن تتاح لأبناء الوطن الواحد نفس الفرص التعليمية، المتصفة بالجودة والمسايرة لمستجدات العصر وما بلغه من تطور تقاني وفني. وهي الأشياء الغائبة في منظومتنا التربوية، المعمقة لتخلف البعض الذي تلقى تعليما لم يراعي قدراته وإمكانياته، والبدائل التي يوفرها محدودة، وبمناهج متجاوزة لا تضمن قبولا في سوق الشغل، ولا حماس في المبادرة الذاتية للتشغيل في انعدام المحفزات والتسهيلات اللازمة.
في المقابل نجد تعليم النخبة المدفوع الأجر ولا يقدر عليه إلا من ولد والذهب في فمه ، والضامن لصاحبه الشغل الذي يرتضيه، بل يتقلب في المهن والوظائف ويجرب هنا وهناك حسب ما تتيح له إمكانياته التي لا تعترف المقاولة بغيرها. والتي يتهيبها خريجو التعليم التقليدي المتشبثون بالعمل في الوظائف الحكومية المضمونة الأجر عند نهاية كل شهر، لأن الانعتاق من الفقر هو عائلته على رأس أولوياته، ولا تتطلب كفاءة عالية لأداء وظيفتها. وذوي النبوغ منهم حين لا تسمح له طبيعة العمل الإداري بالإبداع والتميز، يلتجئ هو وقرينه المعطل عن العمل سواء، إلى بدائل احتجاجية وانشغالات سياسية القادرة على خلخلة الوضع وتحريك المياه الراكدة لتجري بأحلام الفاعلين إلى الوجهة التي يريدونها، بخلق شروط أخرى تسمح بالحراك الاجتماعي الطبيعي. الذي يحاربه المتنفدون والمستفيدون من الأوضاع القائمة ويمعنون في تسييج مصالحهم بكل الوسائل ومنها تبني سياسية لتعليمية كابحة للفعل الحراكي وضابطة للاجتماع البشري.

الضبط الاجتماعي:
تروم التنشئة الاجتماعية، إلى إكساب الفرد طفلا ومراهقا قواعد السلوك، ومعايير أخلاقية وقيمية، واتجاهات مناسبة للقيام بأدوار اجتماعية تليق بالراشدين، ويتطبع بالطابع الاجتماعي الذي أريد له، تيسيرا للاندماج الاجتماعي المرغوب. الذي يتحقق بتمثل إرث السلف ونقله بأمانة للخلف وجعله معيارا للحكم عند كل اختلاف الذي لابد منه في كل اجتماع مما يستدعي وجود « حاكم يرجعون إليه، فهم إما أن يستندون إلى شرع منزل من عند الله يوجب انقيادهم إليه، أو إلى سياسة عقلية يوجب انقيادهم إليها» (ابن خلدون) ومن نافلة القول أن الشرع يخالطه في جل المواقف تأويل عقل المالكين للسلطة والثروة ف« صاحب الملك صاحب الفكر» (نيتشة) المنوط بهم توطيد النظام الاجتماعي، و« توجيه سلوك الأفراد في ضوء المعايير الاجتماعية والقانونية السائدة في مجتمعهم » ( اللفريد وفيرلان) لأن التقيد بالقانون والامتثال للأعراف والتقاليد، والإيمان بأن « كل مهيأ لما خلق له» التي ترد على لسان فقهائنا كثيرا، فالأدوار كما الأرزاق سبق تقسيمها وما على الإنسان إلا أن يرضى بما قسم له، لان في ذلك عصمة من الفتنة، وكل جنوح لإعادة التقسيم هو مرادف للضياع وعدم الاستقرار والتشرد و« انهيار بنيات السلطة القائمة وانتشار الفوضى وما يرافق ذلك من انفجار الهويات وبروز الأقليات وتصفية الحسابات، فضلا عن انقسام حاد وعميق في الرأي» ( محمد بنعيسى) إنه السعي إلى تهويل الكارثة المحقة نتيجة التغيير الغير المحسوب والمضبوط، التغيير في ظل الاستمرار. ويتم تدبيره بوسائل شتى بالإضافة إلى الدين والموروث الشعبي، المدرسة كإحدى « أجهزة الدولة الإيديولوجية » الضابطة للتوازنات الاجتماعية. المدرسة التي ترسخ الطبقية، وتعمق الفجوات، وتباعد المسافات بين التعليم المنشود والتعليم الموجود.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع