أخر تحديث : الأحد 11 ديسمبر 2011 - 5:34 مساءً

محمد سعيد الريحاني : “المغرب لم يفشل فيه التعليم. المغرب يُرَادُ له أن يفشل فيه التعليم”

الشاعر أنس الفيلالي | بتاريخ 11 ديسمبر, 2011 | قراءة


سؤال: منذ عشر سنوات وأنتم تخوضون حربا شعواء ضد التلاعب بالامتحانات المهنية في المغرب. وقد جمعتم البيانات التي أصدرتموها ما بين 2004 و2009 في الجزء الأول من كتاب “تاريخ التلاعب بالامتحانات المهنية في المغرب” الصادر صيف 2009 بينما جمعتم الرسائل الموجهة إلى وزير التعليم وكبار المسؤولين على القطاع  التعليمي إقليميا وجهويا ووطنيا في الجزء الثاني من كتاب “تاريخ التلاعب بالامتحانات المهنية في المغرب” الصادر صيف 2011 تحت عنوان “رسائل إلى وزير التعليم المغربي”.

جواب:  ربما كان للقارئ المتمعن في الكتابين القدرة على الاستنتاج بأن ثمة ثلاثة محاور توجه طاقة الاحتجاج وتتحكم في وحدتها وقوتها. المحور الأول تستحوذ عليه هيأة “الإنصاف والمصالحة” كمرحلة زائفة للهروب إلى الأمام من ملاحقات التاريخ؛ والمحور الثاني هو محور “المخطط الاستعجالي للنهوض بقطاع التعليم في المغرب” الذي كرس القاعدة الأزلية التي تجعل من قطاع التعليم حلبة للصراع السياسي بين القوى التي لا حلبة لها لإبراز عضلاتها؛ أما المحور الثالث فهو تعقب الإرادة السياسية الثابتة في تزوير إرادات الموظفين والعبث بأوراق امتحاناتهم من الجهتين الرسمية والنقابية وفضحها ومحاولة جرها من غيران الإدارات المعتمة إلى أنوار المحاكم…

سؤال: لنبدأ بالمحور الأول. فقد بدأ العهد الجديد بالمغرب بمحطة كبيرة عرفت بهيأة “الإنصاف والمصالحة”. ما موقفكم منها؟

جواب: هيأة “الإنصاف والمصالحة” جاءت  لتعويض من صمدوا من ضحايا سنوات الرصاص ب”مغرب ما بعد 1961″، بعدما تم إبعاد ضحايا سنوات الرصاص ب”مغرب الخمسينات”، ثم غيروا تفكيرهم بتكريمهم  في إطار عملية تحويلهم إلى رموز سياسية جديدة لمرحلة جديدة من خلال تسويق صورة “الفاعل المظلوم”. وهي، بذلك، وضعت ضمن أولوياتها تسوية ملفات قديمة (1961- 1999) تهم الحلفاء السياسيين الذين (س) يتولون مهام تدبير الشأن العام عبر تقزيم غيرهم من التشكيلات السياسية التي ستظهر بدون ماضي نضالي. ومن بين أدوات هذا التكريم: التعويض المالي الكبير والجولات الوطنية لتقديم الضحايا القدامى الذين سيصبحون مسؤولين جدد والتغطية التلفزية الموازية لها.

ففي الوقت الذي كانت فيه هيأة “الإنصاف والمصالحة” تقوم بجولات لجمع ملفات جميع الضحايا القدامى لمغرب العهد القديم كانت ملفات جديدة تتراكم في أقبية سجون العهد الجديد. وفي الوقت الذي عوضت هيأة “الإنصاف والمصالحة” علنيا الضحايا الأفراد لسنوات الرصاص ب”مغرب ما بعد 1961″،  كان قطاع بالكامل يُعوّض ( قطاع التعليم) وقدماء المناضلين من الفنانين ممن كانوا ضحايا سياسات الأمس وغيروا طريقة تفكيرهم اليوم لكن الأمر لم يشمل من لا زال صامدا كالفنان أحمد السنوسي المعروف ب “بزيز” والمفكر المستقبلي المهدي المنجرة وغيرهما ما دام الصامدون لا يعوضون.

هذه هي فلسفة هيأة “الإنصاف والمصالحة” وهي ليست فلسفة من فلسفات التسامح وتقبل الاختلاف وإنما هي بكل بساطة أداة من أدوات التطويع المخزني ظاهرها تعويض ضحايا سنوات الرصاص وباطنها مكافأة من غيروا رأيهم ليتحلقوا حول السلطة ويلتحفوا بلحافها…

سؤال: لننتقل إلى المحور الثاني. ما موقفكم من “المخطط الاستعجالي للنهوض بقطاع التربية والتكوين”؟

جواب: قرأت مرة بأن صَرْحَ ” خليفة بن زايد” بالإمارات العربية المتحدة  أعلى من كل صروح كوالالمبور الماليزية المصنفة الأولى في العلو والارتفاع عالميا. لكن الصروح بمعمارها الغربي تبقى مجرد غابة إسمنتية من الصروح الحديثة الإنشاء في مجتمعات عربية موغلة في التقليد. وأنا  أتمنى ألا يكون “المخطط الاستعجالي للنهوض بقطاع التربية والتكوين” صرحا آخر من الصروح المستوردة إلى مجتمعنا الغارق في تخلفه وفي الجهل بحقيقة تخلفه…

في كل القطاعات التربوية في أرجاء العالم، تبقى المخططات الهادفة للنهوض بالتعليم دوما ولا زالت تتكون من أربع دوائر: الدائرة الأولى هي دائرة الأستاذ، والدائرة الثانية هي دائرة التلميذ، والدائرة الثالثة هي دائرة المحيط الاجتماعي، أما الدائرة الرابعة فدائرة الإدارة والتسيير الممسكة بخيوط الحلقات الأربع.

لكن المخططات الحكومية المغربية المسلطة على قطاع التعليم المغربي، على الأقل منذ سنة 1986 حتى اليوم، تسير في منحنى ثابت وهو تغييب الحلقتين الأولى والرابعة من كل إرادة إصلاح: تغييب حلقتي الأستاذ والإدارة.  إذ تُهَرّبُ حلقة الأستاذ للنقابات والحوار الاجتماعي والظرفية السياسية فيما تُغَيّبُ حلقة الإدارة تغييبا مطلقا وربما رفعت  إلى درجة ” المقدس” رغم العبث الإداري الذي يبقى لها فيه اليد الطولى. بينما يستمر الحضور الثابت لحلقة التلميذ تحت عدة مسميات: مصلحة التلميذ، الرفع من الجودة… كما يستمر الاهتمام والانفتاح على المحيط  الذي كان محصورا عام  1986 في جمعية آباء التلاميذ مع حزب الاستقلال على رأس الوزارة التعليمية ثم اتسع المفهوم وتغير الاسم مع حزب الاتحاد الاشتراكي و”الميثاق الوطني للتربية والتكوين” عام 1998ثم صار عام 2009 “هدم أسوار المدرسة” مع حزب الأصالة والمعاصرة و”المخطط الاستعجالي للنهوض بقطاع التربية والتكوين” الذي جعل من شعار انفتاح المدرسة على محيطها مجرد محاولة لتصدير أزمة القطاع التعليمي على الشركاء والفرقاء…

سؤال: لماذا “المخطط الاستعجالي للنهوض بقطاع التربية والتكوين” أصلا؟

جواب: “المخطط الاستعجالي للنهوض بقطاع التربية والتكوين”، كما يدل على ذلك اسمه ” استعجالي”، ليس ثمرة إرادة في الإقلاع. إنه مجرد رد فعل على الإهانة التي شعر بها المغرب بعد تصنيفه كآخر دولة في العالم في مجال التعليم في “تقرير التنمية البشرية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط” عام 2007.

في تقرير”السكتة القلبية” الذي قدمه صندوق النقد الدولي للملك الراحل الحسن الثاني عند نهاية سنة 1996 ثم وضع اليد على مكمن الداء الذي هو “الإدارة المغربية” ولكن بعد مرور أزيد من ستة عشر سنة وتمرير مخططين في التعليم يتفقان في كل شيء غير الاسم، لا زالت  الإدارة المغربية محذوفة من أولويات الإصلاح في المغرب…

سؤال: من خلال معاينتكم لأشكال الخلل الإداري، ما هي أبزر العيوب الإدارية في قطاع التعليم؟

جواب: على مستوى المؤسسة، لا يزال رهان تسيير القطاع قائما على معيار كبر السن والأقدمية في المنصب من خلال قيم  احترام الصغير للكبير والمجرب…

فعلى مستوى النيابة ، لا زالت السلالم الدنيا من “كبار السن” و”المجربين” هي المسيرة لأمور النيابات الإقليمية لوزارة التعليم في كل البلاد: السلالم الدنيا تختار المتبارين من السلالم العليا وتقصي من تراه خصما حتى من الحصول على الدعوة…

أما على المستوى الوزاري، فتُسَوَّقُ مذكرات وزارية للتباري على منصب إداري في قسم أو مصلحة بشكل يُصاغُ على مقاس موظفيها وأقاربها الذين “يفوزون” بالصفقة تماما كما يفعل المخرجون السينمائيون الذين يكتبون بأيديهم سيناريوهات أفلامهم لتتأقلم مع إمكانيات زوجاتهم اللائي “سيمثلن دور البطولة” في الفيلم…


سؤال: التشريع الإداري والتسيير التربوي والترسانة القانونية المنظمة لسير الأمور في قطاع التعليم بالمغرب، ألا تمارس عملا رقابيا أو فعلا زجريا عند حدوث شطط أو انحراف؟

جواب: في البلدان الديمقراطية، القانون هو ساحة للفصل بين الآراء المتخاصمة والمصالح المتعاركة. أما في البلدان غير الديموقراطية، فالقانون سلاح المستبد الذي يحرره على هواه ويقرره على هواه ويفسره على هواه وبذلك يبقى المواطنون مغلوبين على أمرهم…

لقد وصل العبث بنتائج الامتحانات المهنية في المغرب بمباركة النقابات وتزكية الأحزاب السياسية السمينة إلى درجة إلغاء القانون:  ففي المباراة المهنية لسنة  2009، تقدم مرشحون لا يتوفرون على شرط الأقدمية في السلم ولو لمدة ست  سنوات وتم تنجيحهم ورفضت وزارة المالية صرف مستحقات ترقيتهم غير المشروعة فتدخل الوزير الأول وضغط بثقله حتى تم الصرف وتمت الترقية وظل المظلومون من باقي الأساتذة ممن لا نصير لحقوقهم يرمشون ويبصرون وفي رصيد بعضهم من الانتظار خمسة وعشرين عاما!…


سؤال: هل هي بوادر النهاية؟

جواب: “النهاية” التي تخيف البعض هناك ويقرنونها ب”القيامة” هي هنا شعار الإدارات وشركائها تماشيا مع خرجة “فلسفة النهايات”  التي أسس لها العالم المتحضر للحفاظ على مكتسباته.

فقد كان الفيلسوف الألماني هيغل أول من صط المفهوم بعد إعلان توحيد ألمانيا كما يعتبر المفكر الأمريكي فوكوياما آخر من استعمله كإعلان لهيمنة أمريكا على العالم وإرادة لتخليد هذه الهيمنة…

فلسفة “النهايات ” أعجبت العديد من الأنظمة الاستبدادية التي وجدت فيها خدمة عظيمة، تبطل فيها  فاعلية خصومها وتضمن تواطؤ النخب. لكن ماذا حقق المغرب وغير المغرب من الدول المتخلفة كي سضع نفسه في مصاف غيديوليوجيات الدول المتقدمة وينهي التاريخ ويصل إلى النهايات؟

سؤال: هل فشل التعليم في المغرب؟

جواب: المغرب لم يفشل فيه التعليم. المغرب يُرَادُ له أن يفشل فيه التعليم.

كيف يعقل أن ” يفشل” في مغرب ما قبل 1986  في الوقت الذي كانت فيه الباكالوريا المغربية تعادل الباكالوريا الفرنسية، والإجازة المغربية تعادل الإجازة الفرنسية، وباقي الشهادات العليا المغربية تعادل نظيراتها في فرنسا وغير فرنسا من الدول ذات التقاليد العريقة في التربية والتدريس؟!

كيف يتم إعلان فلسفة تعليمية جديدة ونظام تعليمي جديد بينما وزير التعليم آنذاك وهو يعلن للصحافة الفرنسية أن الهدف من تغيير نظام التعليم في المغرب هو ” تحديد النسل” من خلال  إدراج مواد التربية الجنسية ابتداء من القسم السادس أساسي وستفرض إجبارية التعليم على التلاميذ حتى السنة التاسعة من التعليم الأساسي  أي حتى وصوله سن الخامسة عشر من العمر.

أين الرقي بالتعليم في جواب الوزير؟
وأين الفشل الذي دفعه للانخراط في هذه التخريجة التي لم يبرأ الجسد التعليمي من جراح أخطائها؟
وأين هاجس تدارك الخلل في العملية التربوية بالمغرب؟…

في الوقت الذي كانت فيه أسباب تغيير النظام التعليمي ظاهر من خلال تعيين وزير يميني- سلفي في بداية الثمانينيات من القرن العشرين هي مقاومة زحف اليسار وتعديل كفة التوازن فضلا عن تطبيق التعريب وفتح شعب دينية جديدة…


سؤال: هل كانت السياسة هي المتحكمة في رقبة التعليم بالمغرب منذ الاستقلال؟

جواب: الذين يتناوبون على تسيير البلاد هم مجرد “سياسيين محترفين” لا علاقة لهم لا بالتربية ولا بالثقافة ولا بالعلوم ولا بغيرها. ولذلك، كانت سياساتهم تفرض على التربية دون ان تكون “سياسة تربوية” وكانت تفرض على الثقافة دون ان تكون “سياسة ثقافية” وكانت تفرض على غيرها دون أن تكون وليدة القطيعة أو نتيجة الإصغاء للقطاع…  
وعليه، فقد كان المتحكم في العملية التعليمية بالمغرب هو الهاجس السياسي الذي اتخذ ثلاث تجليات:

التجلي الأول، حصر المعارضة السياسية المغربية في العمل بقطاع التعليم دون غيره منذ 1963
التجلي الثاني، محاربة اليساريين بتقوية المواد الدينية في المقررات الدراسية وإنشاء شعب دينية جديدة في الجامعات
التجلي الثالث، تحديد النسل من خلال إدراج التربية الجنسية والأسرية في المقررات الدراسية ابتداء من السلك الابتدائي…


سؤال: أين استقالية التعليم واستقلالية القرار التعليمي وإرادة الشعب في الاتحاق بالركب الإنساني؟

جواب: لا أحد يلمس هذا على الأرض. التعليم في المغرب هو ساحة لتصفية الحسابات مع الخصوم الذين يتغيرون بتغير الأزمنة والعهود. لا احد هنا يعرف بأن من يصارع الإسلاميين مثلا، وهم خصوم اليوم بامتياز، عليه النزول إليهم ومقارعتهم وليس تمييع الإعلام الفضائي وإفراغه من محتواه أو التحكم التعسفي في نتائج الامتحانات المهنية أو تزوير الانتخابات والإرادات الشعبية أو إشراك الجماهير في خنق الحريات ومطاردة المعارضين…

غايات التعليم في اليابان هي رقي المجتمع. ولكن غايات التعليم هنا هي محاربة الخصوم الداخليين ومكافأة الحلفاء والشركاء. غايات التعليم هنا لا علاقة لها بالتعليم. إنها غايات غير تعليمية من اجل أجل مقاصد غير تعليمية.


سؤال: في كتابكم  “تاريخ التلاعب بالامتحانات المهنية في المغرب”، هل كانت مواجهة المسؤولين في قطاع التعليم بالمغرب حاضرة في حساباتكم عند قراركم الجهر بالحق ومحاربتكم الشطط الإداري العام في قطاع التعليم بالمغرب؟

جواب: كتاب “تاريخ التلاعب بالامتحانات المهنية في المغرب” كان في أصله ثلاثي الأجزاء: الجزء الأول خاص برصد أجواء التلاعب ونقل أصدائه داخل أقسام التباري، الجزء الثاني خاص بالمواجهة مع الإداريين والمسؤولين والقيمين على القطاع، وأما الجزء الثالث فخاص ب”إخراج المتلاعبين من ظلام الغيران إلى نور ساحات المحاكم الإدارية بالمغرب”.

فبعد سبع سنوات من البيانات الراصدة للتلاعب بالامتحانات المهنية بالمغرب والموجهة إلى الرأي العام عبر البوابات السلمية (الصحافة الورقية، المواقع الإلكترونية، توزيع في الأيدي)، جاء دور مواجهة الإداريين المسؤولين مباشرة من خلال المراسلات الإدارية أو جلسات الحوار المباشر فجمعت هذه المواد في الجزء الثاني من كتاب “تاريخ التلاعب بالامتحانات المهنية في المغرب” الذي صدر جزؤه الأول صيف عام 2009 وجزؤه الثاني عام 2011 تحت عنوان “رسائل إلى وزير التعليم المغربي”.


سؤال: في حروبك ضد التمييع وضد الإفساد وضد الهدم والتخريب الممنهج في قطاع التعليم، ألم تضرب حسابا لرد فعل الإدارة التعليمية من أعلاها إلى أدناها؟

جواب: البعض حذرني من مغبة إيصال الملف إلى القضاء الغربي لسببين: السبب الأول، عدم استقلالية القضاء وتحيزه الحتمي للإدارة ضد المتضرر. والسبب الثاني، انتقام الإدارة المؤكد بأكثر الطرق سفالة ودناءة في حالة مقاضاتها لأنها سترد الهجوم بهجوم عن طريق ما دُسَّ من مدسوسات في “الملف الإداري” الذي يبقى قنبلة موقوتة تشغلها أو تحبطها الإدارة حسب حضور أو غياب روح الانتقام…

كان لمفعول النصيحة فعل السحر في ذاكرتي إذ استرجعت للتو لقطة غابرة اكتست للتو بعدا دلاليا جديدا: ذات مرة، كنت رفقة بقية الزملاء في مكتب مدير المؤسسة الذي أخرج من الدولاب “ملفي” لمقارنة وثيقة منسوخة بأخرى  أصلية. ولا أنسى الدهشة العظيمة التي اعترت الزملاء حين شاهدوا “حجم” ملفي.  لقد كان ملفا واحدا لموظف واحد ولكنه بحجم عشرين ملفا لعشرين موظفا…

آنذاك فقط أيقنت “حقيقة” دور “الملف الإداري للموظف”. إن ما تعرفه “العامة” من الموظفين في المغرب هو أن الملف الإداري هو حامي المعلومات المهنية للموظف وحافظ وثائقه الإدارية من الضياع والتلف. بينما الحقيقة أن للملف الإداري دور ثان يدرج ضمن المسكوت عنه في سير العمل الإداري. وهذا الدور لا علاقة له لا بالحماية ولا بالصيانة ولا حتى بحقوق الموظف: إنه “قنبلة موقوتة” في جيب الموظف. قنبلة قد تبرمج حسب أهواء أيدي خفية “دون دراية الموظف” ذاته وقد تكون موادها “شكايات كاذبة” و”حروب زائفة” و”قيل وقال”…

على الأرض، اكتشفت بأن القضاء المغربي محمي بمجال حيوي يرتدي موظفوه اللباس الأسود: المحامون.

فمن بين الخمس والعشرين محاميا  ممن اتصلت بهم عبر”كل” جهات المغرب من وجدة إلى تطوان وطنجة إلى الرباط والدار البيضاء حتى أكادير ومراكش، لم يبد ولو محام واحد استعداده للدفاع عن القضية كما لم يتفق واحد منهم في مبرره مع  الآخر. فبينما برر هذا تهربه من الملف بكثرة الانشغالات لديه، عبر ذاك عن كون القضية خاسرة من الأساس وانه لا يقبل إلا القضايا التي يثق هو في ربحيتها، فيما ذهب ذاك إلى كوني اكبر من الدخول في معارك صغيرة، أما الأسوء فكان التساؤل الذي طرحه بعض المحامين عن انتمائي الحزبي والسياسي…


سؤال: كيف كنت تشعر كل مرة كنت فيها تصدر بيانا ضد التلاعب بالامتحانات المهنية في مغرب ما بعد 1998؟

جواب:  أذكر بأنني كنت أشعر بسعادة غامرة تتملكني وتطهرني من كل ثقافات التواطؤ المتفاقمة حولي والمستشرية في قلوب وعقول من اختاروا الحل السهل: حل شراء الترقيات بمائة درهما التي تعادل ثمن بطاقة الانتماء إلى المقاولات المفلسة: النقابات.

سأظل أتذكر تلك المشاعر الفردوسية السامية التي كانت تغمرني بكثير من السعادة والحبور. أستطيع بكل فخر أن أؤكد بأنها كانت نبض التاريخ في شراييني.


سؤال: ألا زلت تشعر بتلك السعادة الآن وأنت تتعرض لهذا الحجم الهائل من العقوبات؟

جواب: اشتهرت الفترة الأخيرة من حكم الرومان بالصراع مع المسيحيين الأوائل. ولأن غضب المسيحيين أدى لحرق مدن بكاملها كالعاصمة روما في عهد نيرون، فقد كان غضب الرومان مختلفا حين اختاروا حرق الأفراد من المؤمنين الموحدين بدل حرق قطاع الطرق والقتلة واللصوص ومكافأة الوشاة بالذهب والفضة  وترقية الطفيليين والمنافقين. وهذه الدورة من دورات التاريخ تكررت في أكثر من حضارة وفي أكثر زمان ومكان. ولسوء حظنا، فنحن نعيشها اليوم حد الغثيان…


سؤال: حروبك ضد تمييع التعليم وإفساده كانت تدار على جبهتين. الجبهة الأولى هي جبهة الإدارة التعليمة من الوزارة حتى أصغر وحدة إدارية في القطاع. أما الجبهة الثانية في هذه المعركة فكانت “النقابات”. لماذا الدخول في معارك مع نقابات يفترض فيها أن تمثل الشغيلة التعليمية؟

جواب: العمل النقابي عرف منذ نهاية  التسعينيات من القرن العشرين انحرافا خطيرا ليس على صعيد التحالفات والتكتلات ولكن أيضا على صعيد الممارسات الفردية على الأرض. فلم يعد ثمة “نقابيون” شرفاء تحركهم روح دخول التاريخ وإنما صار هناك مجرد “انقايبية” وضيعين  تحركهم روح دخول البنك وتفقد الأرصدة التي تجود بها أيدي الكرماء…

و”انقايبية”، على وزن “امفاعلية” التي توافق “امخازنية” (أعوان السلطة) في الدارجة المغربية، هم بشر لا يقرؤون ولا يسافرون ولا يفكرون ولا يهتمون إلا بالدسائس والمكائد ويحيطون أنفسهم بدروع من “الحشاشين” الذين يطيعونهم طاعة عمياء  فينفذون تعليمات ما كانوا لينفذوها في أوقات “يقظتهم”…

“المخازنية” الجدد لعهد ما بعد سنة 1998، عهد “التناوب والتوافق والت…”، من رهط “المْثَاقْْفية” و”النّْقايْبية” و”الحْزَابْية” وكل أشباه الفاعلين على وزن “المفاعلية” ممن يعيشون حياتهم بلا وجه وإنما بقناعين اثنين: قناع أول للسلطة مشغلتهم وقناع ثان للعامة التي يسمنونها ليبيعوها في المناسبات التي لا تخفى على بال…


سؤال: كيف تصرفت النقابات المغربية فيما فهمته إعلانا من طرفا للحرب عليك؟

جواب: حين علمت بأن المخزن والأحزاب المخزنية وأذيالها النقابية والجمعوية قد منعت “مريديها” من الاتصال بي “أمام العموم”، كان رد فعلي الأولي والفوري هو عدم تشجيع مريديهم على المضي قدما في أخلاق النفاق وحياة السكيزوفرنيا بالحفاظ على الولاء لتنظيماتهم “أمام الملأ” والحفاظ على علاقتهم بي “بعيدا عن أنظار الملأ”. بهذه الطريقة، أغلقت باب بيتي في وجه ثعالب الأمس  وأرانبه وحددت لنفسي موعدين أسبوعيين اثنين في المقهى كي يظهر “أمام الملأ” من يجالسني وكي أعاين بنفسي حجم الضغط الذي يمارَسُ على جلسائي وأن أتعرف مصدره. وكم كانت النتيجة مدهشة: فحين يكون المخزن خصمك، توقع هروب أقرب أقاربك وأقدم أصدقائك منك وتكالب كل التنظيمات والمنظمات التي تقدم نفسها للعموم كهيئات مستقلة!…

ولأن باب داري أغلق في وجوه غير المرغوب فيهم، ولأن مجالستي في مقهى في قلب المدينة على السطيحة قبالة المارة الذي يعرفون الموعد باليوم والساعة، فقد ابتكر “المخازنية” طريقة جديدة في التواصل وإبقاء شعرة معاوية: ملاقاتي في الأماكن البعيدة أو خارج المدينة. فقد كنت أتابع بغرابة شكل تحيتهم وعناقهم لي مستثمرين عدم وجود متلصصين على سلوكهم ممن يتحكمون في مفاتيح حياتهم وكم كنت أحمد ربي على أنني لم أكن في يوم من الأيام “دمية” في يد أحد ولا رهنت خيوط قدري بيد نذل من الأنذال الذين يتهافتون على المكاتب لرهن مصائر الناس وبيعهم حسب قوانين العرض والطلب. كانت الخطوة الأولى هي عدم تشجيعهم على تمثيل دور المنافق، والخطوة الثانية هي جعل المتمادين في الأمر مسخرة لعموم الناس من خلال إعطائه معلومات شخصية كاذبة ومشاريع مستقبلية زائفة تجعل من يرسله للتلصص عليَّ يحتقره بعد عند جلاء حقيقة التشويش ووضوح انقلاب الصورة…

يقولون لي في الخفاء في مدن أخرى:
-“نعم، هكذا تعاملت السلطة دائما مع المعارضة وهذه هي أساليبها مع من يخالفها الرأي: الضرب تحت الحزام والعقاب خارج حلبة اللعب…”

ويقولون في ظهري بمدينتي:
-“هذا يعتبر نفسه تشي غيفارا. مرّ معارضون وثوار أشد بأسا منه وأثقل وزنا ولم تعاملهم السلطة بخُمُسِ ما يزعم أنه كان ضحية له…”

يقولون لي في اللقاءات العابرة في الفضاءات البعيدة:
-“نحن معك من أجل ضرورة تخليق الجو المهني التنافسي…”

ويقولون في ظهري:
-“طروحاته مجرد خيال مبدع. لا أساس لما يدعيه. لقد اختلطت على الرجل اهتماماته الإبداعية الأدبية باهتماماته النقابي…”


سؤال: كيف بدأت قصة حربك مع النقايبية؟

جواب:  في ديسمبر 2003، تم إجراء أول امتحان مهني خاص بترقية أساتذة السلم 10 إلى السلم 11 الذي طرح عام 1986 على وزير التعليم المغربي آنذاك الطبيب عز الدين العراقي ورفضه تحت مبرر استحالة مساواة الأستاذ بالطبيب الذي يصنف في ذات السلم المقترح إدراج الأستاذ فيه والذي ينتمي هو قبل أن يكون وزيرا إلى فئته.

وفي يناير 2004، أي بعد ثلاثة أسابيع من جمع أوراق الامتحان المهني، أعلن اثنين من المحسوبين مسؤولين في فروع نقابية بمدينة القصر الكبير أنفسهم لعموم الموظفين بأنهم اتصلوا بمركز الامتحانات وعلموا بأنهم “ناجحون” اعتقادا منهم بأن النتائج ستظهر في ذات الأسبوع وأن الأمر عادي وفاتهم أنهم يقفون شهودا على أنفسهم في أكبر فضيحة أخلاقية غرقت فيها النقابات التعليمية في تاريخ مغرب الاستقلال وهي فضيحة تعويض إعلان نتائج الامتحانات المهنية بقوائم النقابيين المرشحين للمباراة، وفاتهم أيضا أن النتائج لن تظهر لعموم المتبارين إلا بعد عشرة أشهر فوجدوا أنفسهم في “حالة شرود”، في ملعب قطاع تعليمي يضم أربعمائة ألف موظف من أصل ثلاثين مليون مغربي في عهد المغرب فيه أحوج إلى الارتقاء بقيم الشفافية والكفاءة والمنصب المناسب للرجل المناسب…


سؤال: السؤال الأخير يبقى ما الذي يجب فعله في هذا الإطار؟

جواب:  بين العادة والقناعة خيط رفيع يصعب الإمساك به، لذلك نعتبر في الغالب القناعة عادة والعادة قناعة…

القناعة تبدأ بمبدأ وقيمة يؤمن بها الفكر وتصبح سلوكا مرئيا لكنها تعي جيدا أسباب سلوكها. أما العادة فتبدأ بالترويض ولذلك فهي لا تعي أسباب وسلوكها لأنها غير صادرة عن إرادتها…

المغرب في مسيس الحاجة إلى تجديد العقل الإداري المغربي بدل تجديد القواميس الإدارية والمنهجية. فقد كنت دائما أومن بأن “استيراد المفاهيم والتنظيرات” لا يؤدي حتما إلى تأصيلها في المجتمع المغربي. “العناكب” وحدها من يتحمس لهذا المسلك لأنها بكل بساطة  تختفي تحت لونها تماما كما يساق “النجم السينمائي” إلى الشاشة ليروج لمنتوجات الصابون وجافيل والخميرة والغاسول…

أنا الآن أنظر إلى البسطاء من المواطنين وهو يكدحون سعيا لدراهم قليلة من عرق جبينهم وأوقن بأنهم سيبقون كما أراهم إلى الأبد في مجتمع تتكالب فيه السلطة والنخب ضد الجميع: ضد الضعيف وضد المظلوم وضد الحق وضد قيم الإخاء والمساواة والحرية التي لم يع البسطاء بعد بأن السبيل إليها هو الطوفان…

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع