أخر تحديث : الإثنين 25 ديسمبر 2017 - 1:05 صباحًا

الحرمان

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 25 ديسمبر, 2017 | قراءة

إدريس حيدر
لا زالت تتراقص أمام عيني صور و حالات الحرمان التي كان يعيشها أطفال جيلي.
حرمان على مستويات عدة و خاصة المادية و المعنوية منها.
كان أغلب الآباء فقيرا و يمتهن مهنا بسيطة و غير ذات مردود، ك: بناء ، مساعد بناء، جندي، خياط، طباخ في المطاعم، كسال في الحمام، سائق عربة بحصان …الخ.
أما الميسورون منهم ، كان إما فلاحا،قاضيا ، عدلا أو معلما…الخ. و كانت هذه الفئة تشكل أقلية.
كانت الأسر ، على العموم، كثيرة الأطفال وبالتالي فهذا الوضع كان ينعكس عليها سلبا.
و هكذا كان أطفال نفس الأسرة يتناوبون على نفس الملابس ، و أحيانا كان الصغار منهم يأتون للمدارس في أيام البرد القاسية تقريبا حفاة عراة ، بكسرة خبز مدسوسة بين الدفاتر ، و كانت زادهم الوحيد طيلة اليوم.
و عند انصراف الأطفال لللعب أو لحصة الرياضة ، كان جلهم يلعب حافي القدمين ، و إذا انتعل حذاء رياضيا ، فأقدامه كانت تدوس الأرض حافية لكون نعلها يكون قد اندثر أو تمزق.
من جهة أخرى كان التلاميذ يحملون دفاترهم و كتبهم و أقلامهم في أكياس مخصصة للدقيق و التي كانت الولايات المتحدة الأمريكية تقدمها للمغرب هبة ، أو في صناديق خشبية ، تستعمل كمحفظة و كرسي و أحيانا كرقعة يلعب الأطفال عليها لعبة ” الضاما” .
و في أحايين أخرى تصبح بمثابة سلاح يدافع بها التلميذ عن نفسه أو يعتدي بها على غيره.
و لكن ما كان يثير الانتباه كثيرا هو أن جل الأطفال ، كان يعيش نقصا في التغذية لدرجة أنهم كانوا جائعين طيلة الوقت.
كان بعضهم يتيه في أرجاء المدينة و يأكل كل شيء، و أحيانا يتسلل إلى بعض البساتين المحاذية لها ، يتسلق الأشجار بغية أكل الفواكه و التي في غالب الأحيان لم تكن ناضجة.
ثم إن صورة صديقي ” محمد الصرصري” تكاد لا تفارقني، ذلك أنه كان عندما يأكل فاكهة ، يمدغها طويلا و يبطىء بل و يرفض بلعها.
و عندما كنت أسأله لماذا يقوم بهذه العملية ؟
يجيب بكثير من الأسى : أنه إذا بلعها، فعليه الانتظار لأيام ليتمكن من أكل أخرى.
و كان الذهاب إلى الحمام من أجل الاغتسال، يعتبر حدثا، حيث كان الأطفال يقضون أوقاتا في مرح و نشاط.
ثم لا أنسى عندما كنا نؤخد للكتاتيب من أجل حفظ القرآن .فقد كانت العادة أن يمحي الأطفال ألواحهم بعد استظهار السور أمام الفقيه، و تتم هذه العملية عادة بالماء و ” الصلصال”.
و عندما كان الماء غير متوفر لسبب من الأسباب كان الأطفال يستعملون لعابهم، و يستحلون ذوق ” الصلصال” لنعومته و ملوحته .
و كان صديقي الفقير جدا “أحمد الكتامي” يأكل ” صلصاله” و يقول :”إنها ” شكولاتة “الفقراء.
الطفل بالرغم من سوء تغذيته كان في الغالب مساعدا لأبيه في مهنته.
و قد لازم العنف و الضرب المبرح هؤلاء الفتية في مرحلة طفولتهم.
و عند حلول فصل الربيع و بحكم انتشار كثير من البساتين و ” العرصات” بنواحي المدينة و على جنبات نهر ” اللوكوس” ، كانت الأسر الميسورة تنتقل إليها لقضاء فصل الربيع تستمتع فيها بجمال الطبيعة و تنتشي بالروائح الزكية الفواحة للزهور و الورود.
و كان بعض أصدقائنا من تلك الأسر يأخذوننا معهم لمرافقتهم ، و كنا نشعر و كأننا في الجنة و نتمنى لو كانت تلك البساتين لآبائنا لنمكث بها طويلا نستمتع بجمالها .
نفس الشيء ، تقريبا، كان يحدث في فصل الصيف ، حيث كانت نفس الأسر تسافر لقضاء عطلتها الصيفية بشاطىء البحر ، فيما كان يزج بنا في الكتاب ، لقضاء فصل الصيف في حفظ القرآن و سط ازدحام رهيب
لأطفال آخرين يتواجدون هناك لنفس الغاية.
و كان الأباء يعتقدون أنها الطريقة الجيدة و المثلى للتربية الصالحة ، ثم أن إمكانياتهم المادية كانت جد محدودة لا تسمح بالعطلة من هذا النوع.
و بالرغم من تلك الظروف القاسية و الحرمان المرير و الفقر المذقع و صعوية العيش ، فقد خرج من هذا الركام البئيس خيرة أبناء هذا الوطن و كذا نبغاء عز نظيرهم ، سواء على المستوى الإبداعي ، العلمي، الأكاديمي و الثقافي.
كما أن كبار المناضلين و المنتصرين للشعب ، ترعرعوا وسط هذا الحرمان و دافعوا طبعا على قيم المساواة و توزيع ثروات الوطن على أبنائه، و ناضلوا كذلك على ردم الهوة بين الفقير و الغني.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع