أخر تحديث : الثلاثاء 3 يناير 2012 - 11:52 مساءً

الإسلام السياسي يثير فزع النخبة العربية

محمد الحمامصي م آ ن | بتاريخ 3 يناير, 2012 | قراءة

كتاب ومثقفون عرب يستعرضون رؤاهم لملامح المشهد العربي بعد انقضاض الإسلاميين
 على السلطة في دول الربيع العربي

يثير صعود نجم تيارات الإسلام السياسي فزع النخب الثقافية وشرائح واسعة من مجتمعات دول الربيع العربي. ويرى المثقفون أن الإسلاميين اغتنموا فرصة الثورات للانقضاض على السلطة مدفوعين بقوة خطابهم الديني الموجه إلى مجتمعات تفتك بوعيها الأمية والجهل والفقر والقمع السلطوي.

 

العمري: شر مستطير

 

ويعرب الناقد السينمائي المصري أمير العمري عن تشاؤمه من صعود التيارات الإسلام السياسي ويرى فيه “شراً مستطيراً”. ويوضح “سوف يتراجع الاقتصاد الوطني بشكل مخيف بسبب الرعونة السياسية وخلط المطلق بالنسبي، وعدم الإيمان بضرورة وجود خطة اقتصادية علمية واضحة اكتفاء برفض النموذج الرأسمالي الغربي انطلاقاً من فكرة تقسيم العالم إلى غرب ‘كافر أو علماني لا يدخل الدين في السياسة’ وشرق ‘مسلم، مؤمن، لذلك فسيبارك له الله’!”. ويقول “أتوقع مزيداً من الاضطرابات السياسية والاجتماعية خصوصاً في مصر تحديداً لأنها قطعت شوطاً طويلاً منذ محمد علي في اتجاه الحداثة أي بناء وتطوير دولة حديثة تقوم على المؤسسات بغض النظر عن سيطرة حاكم ديكتاتور كان يستخدم هذه المؤسسات”. ويرى أن “التيار الإسلامي يمتلك أيديولوجية شمولية تفسر العالم انطلاقاً من مبادئها التي هي في النهاية مجموعة مبادئ أخلاقية استرشادية لكنها لا تمتلك مقومان مشروع نهضة علمية وتكنولوجية واجتماعية حقيقية. وعدم وجود برنامج حقيقي لدى هذه التيارات خصوصاً مثلا التيار السلفي إلي برز دوره فجأة بعد أن كان يقاطع العمل السياسي ويكفر الخروج على الحاكم. ها التيار لا يملك سوى ‘قال الله وقال الرسول’ ولكنه لا يملك أن رؤية للمستقبل ولا للنهوض بالمجتمع من عثرته التي استغرقت عشرات السنين. الإخوان المسلمون من ناحيتهم يمكن أن يبدأوا حملة تصفية حسابات مع خصومهم الفكريين وأعدائهم التاريخيين سواء من داخل النظام السابق ـ الحالي في مصر، أو من التيارات اليسارية والعلمانية التي يصمونها بالكفر. ولعل الحملات الانتخابية ومواقف الإخوان خلال الأشهر الخمسة الماضية كشف الكثير عن ما ينتظر منهم إذا وصلوا للحكم بالفعل أي كونوا حكومة ووصل مرشحهم للرئاسة في مصر”.  ويؤكد العمري أن التخوف الأكبر يتركز أيضاً في موضوع الحريات الفردية “هل يجب أن تتدخل الدولة في حرية الفرد بتوجيهه لسلك سبل محددة من الناحية الأخلاقية وناحية السلوك والملابس وظهور المرأة على محو ما هو في إيران مثلاً، أم سيتبنى الإسلاميون أو الذين يطلقون على أنفسهم هذه التسمية، النموذج التركي المنفتح على الغرب والعالم وهو نموج يستند إلى تراث علماني راسخ. هل الجيش المصري يميل للتمسك بأسس الدولة المدنية الحديثة؟ هناك الكثير من الشكوك إلى أن الجيش نفسه أي عناصر النخبة الرفيعة فيه مخترقة من قبل التيار الديني أو أنها ترغب في احتوائه وربما تعود فتصادم معه كما حدث في أوائل عهد عبد الناصر، أي أننا ننتظر في هذه الحالة المزيد من الصراعات على السلطة والقلاقل الاجتماعية. علماً بأن شبح ثورة الجياع ما زال ماثلاً وهي الكتلة الفقيرة المعدمة لم تخرج أصلاً في يناير 2011. وإذا فشل الإخوان أو غيرهم في سد جوعها سيكون هناك سيناريو دموي. بشكل عام المشهد السياسي لا يوحي بكثير من التفاؤل لأنه حتى في حالة فشل الأحزاب الإسلامية في توفير ما يطلبه الناس سيكون ثمن خروجها من السلطة باهظاً جداً”.

 

سلفيون أصوليون ولو بزي الحداثة

كعوش: اختبار حقيقي لقيم الديمقراطية

 

 ويرى الناقد والشاعر الفلسطيني سامح كعوش أن صعود تيار الإسلام السياسي حق طبيعي لأنصار هذا التيار بما تؤكده نتائج الانتخابات وفرز صناديق الاقتراع، وهذا أمر متفق عليه في كل العالم وبخاصة في بلدان الديمقراطيات العريقة والديمقراطيات الكبرى، كالهند على سبيل المثال، فلم نر صوتاً معترضاً يوما على صعود تيار الهندوسية المتطرفة أو التاميلية العنصرية أو غيرها، وحتى في دول الاتحاد الأوروبي لم نجد من يعترض على صعود تيار الفاشية الجديدة والنازية في دول مثل هولندا أو بلجيكا أو حتى المملكة المتحدة نفسها، مع أحزاب التطرف العنصري الكثيرة.  ويضيف “إذاً نحن أمام اختبار حقيقي لقيم وقوانين انتخاب وتبادل سلمي للسلطة، وهذا ما يجب أن نحرص عليه، وأن نعلّم أنصار الإسلام السياسي احترامه والالتزام به، في ظل حالة عربية جديدة تبقى رغم الكثير من الضبابية والسوداوية والاشتباه بالأجندات الخارجية والداخلية، تبقى شعلة أمل وشمعة تفاؤل تحفزنا على ألا نعود إلى ما قبل يناير الربيع العربي 2011، فلا يمكن بعد اليوم أن نسمح لأنفسنا أو لغيرنا بأن يتسيد المشهد السياسي بالانقلاب والاغتصاب، بل يجب أن نعطي الشعب إمكانية وآليات المحاسبة والمراجعة والنقد، وهنا يكمن دور المثقفين والنخب المفكرة القادرة على نقد الذات أولاً ومن ثم تعميم فكر النقد في المجتمع”.  ويقول كعوش “نعم أنا أتوقع من ممثلي تيار الإسلام السياسي بعض التخلف وربما كثيراً من التخلف في مسايرة نوبات الغضب الجماهيري العربية وتقديم الحلول الناجعة لمشاكلنا المستعصية، وهي المشاكل نفسها التي ينوء تحت حملها كاهل الاتحاد الأوروبي نفسه، والولايات الأميركية. بل أتوقع من أحزاب كأخوان وسلفيين أن تنشق إلى مجموعات وأن يتجه بعضها إلى التطرف ضد نفسه وضد من انتخبه في حال لم يتوافق الطرفان ولن يتوافقا، على آلية المحاسبة والتخطيط والتفكير الإستراتيجي البعيد المدى، وهذا رهن بالمفكرين والنخبة ومراكز التحليل والتخطيط وكلها تقع خارج نطاق ما يعلمه الإسلاميون للأسف، وهذا الأمر يتعلق بطبيعة وصولهم أصلاً إلى السلطة حيث إن فوزهم بالانتخابات جاء نتيجة رغبة انفعالية شعبوية تبحث عن حلول ومخلصين إلهيين، لكن كما يقول المثل اللبناني، بتروح السكرة وبتجي الفكرة، وحينها سيكون للشعب رأي آخر”. ويستطرد “أتوقع من الإسلاميين من الأخوان والسلفيين أن يكونوا كما عوّدونا سلفيين أصوليين ولو تزيوا بزي الحداثة والديمقراطية والشورى فامرهم لن يكون شورى إلا بينهم ولن يتسع للرأي الآخر المعارض والمغاير، يسعون إلى تعميم نموذج الخلافة الفاضلة، ولكن في زمن بات الشعب لا يرضى إلا بكل شيء، أعتقد أنهم سرعان ما سيفشلون في الاختبار، وسيعود الشعب العربي برمته إلى البحث مجددا عن بدائل واقعية تطرح حلولاً واقعية للأزمات المستدامة”.

أفغنة البلدان العربية: السلفيون هم الأخطر

ويقول عدنان حسين أحمد الباحث في الشأن السياسي العراقي “أولاً لابد من الإقرار بأن الأحزاب الإسلامية عموماً بمجمل أطيافها المعتدلة والسلفية والمتطرفة تشكل غالبية في العديد من الدول العربية، ولعلي لا أبالغ إذا قلت إنها تشكل الغالبية العظمى. ويبدو لي أن الأحزاب العربية الأخرى سواء أكانت قومية أم يسارية أم ليبرالية أم علمانية فإنها تشكّل نسبة ضئيلة إذا ما قيست بالأحزاب الدينية، خصوصاً في هذا الزمن الذي تشهد فيه اصطفافاً طائفياً يمكن تلمّسه في العراق وسوريا ولبنان والبحرين ضمن مكوّن مذهبي معروف، وهذا الأمر ينسحب على المكون المذهبي الآخر الذي يصطف أيضاً في كتل بشرية ضخمة كما هو الحال في مصر والجزائر وليبيا وتونس. ربما لا تشكّل الجماعات الإسلامية المعتدلة في كل بلدان العالم العربي خطراً على الديمقراطيات والحريات العامة والخاصة، كما هو الحال في تونس حينما صرّح الغنوشي بأن الحياة العامة المتفتحة ستبقى على حالها في إشارة إلى عدم فرض الحجاب، والسماح للنساء سواء كنَّ تونسيات أم أجنبيات من ارتياد بلاجات البحر بالمايوهات، وما إلى ذلك من أمور حياتية تتماشى مع روح العصر”.  ويرى “أن الخشية الحقيقية تأتي من الأحزاب الإسلامية السلفية والمتطرفة التي تهدد مصالح الغرب على وجه التحديد، وتربك طابع الحياة المتفتحة. فنحن في العالم العربي نكاد نعتمد كلياً على هذا الغرب، ولكننا لا نكّف عن لعنه ليل نهار. الأحزاب السلفية والمتطرفة تريد أن تصل إلى جنة السلطة لكي تحوّل حياة الناس إلى جحيم لا يطاق. خذ مثلاً المشهد العام في العراق بعد وصول الأحزاب الدينية المتشددة التي حولت البلد إلى مناحة كبيرة تبكي الحسين الشهيد شهراً كاملاً في السنة، هذا إضافة إلى العطلات الرسمية التي وصلت إلى ستين يوماً غالبيتها دينية. هذا النمط من الأحزاب لا يبني أوطاناً ودولاً متحضرة لأن المتديّن إذا ما وصل إلى السلطة فسوف يحيل المعلول بدنياً والمريض نفسياً إلى السيّد والدرويش والمزار والتكية، بينما يتوجب على المريض أن يقصد الطبيب المختص. لا بد من الإشارة إلى أن الأحزاب الدينية تسطو غالباً على السلطة كما حدث في العراق مثلاً غب الاحتلال، وفي تونس ومصر وليبيا وسواها من البلدان العربية حيث ينتفض الشباب ويثور وينزف الدماء لتأتي الأحزاب الدينية وتخطف هذه الثورات في وضح النهار. أما إذا وصلت الأحزاب الدينية المتشددة التي تتبنى التطرف منهجاً فإن ذلك يفضي من دون شك إلى أفغنة هذا البلد أو ذلك”.  وهنا يشير عدنان حسين أحمد إلى القرار الذي اتخذته الأحزاب الدينية في ليبيا “حينما تركت كل شيء جانباً لتشرّع قانون الزواج بأربع نساء، وكأن هذا البلد الذي دُمرت بنيته التحتية لا مشاكل فيه سوى تعدد الزوجات! إن مجيء الأحزاب السلفية والمتشددة سيعيد العالم العربي إلى القرن الرابع للهجرة بينما نحن أحوج ما نكون إلى التعددية الحزبية والليبرالية والمناخ الديمقراطي الذي يتيح لجميع الأحزاب السياسية الموجودة في الساحة أن تشترك في السلطة وصناعة القرار. فالبلدان العربية المتحضرة والتي تحاول الانفتاح على العالم الغربي المتطور تحتاج إلى أحزاب علمانية وليبرالية وديمقراطية لا تصادر حقوق الآخرين ولا تفرض عليهم شروطاً قاسية تحوّل فيها الحياة إلى جحيم قندهاري أسود. لقد قالها بعض المحللين والمراقبين السياسيين أن الأحزاب الدينية سرقت جهود الثوار في معظم البلدان التي شهدت الربيع العربي وعلى المثقفين والليبراليين والديمقراطيين أن يتكاتفوا لإعادة الحق المسروق إلى أصحابة الحقيقيين وليؤدي كل منا رسالته من المنبر الذي يليق به ويتماشى مع رؤيته الفكرية والسياسية التي لا تنغّص الحياة على فئة محددة من الناس، وإنما تنظر إلى الجميع نظرة واحدة ولا تفرّق بين هذا وذاك على أساس اللون أو الدين أو المذهب”.

فقه المايوه

الشافعي: هل سنحمي الحرية؟
 

السؤال الملح بالنسبة للكاتب والرسام المصري مجدي الشافعي هو هل سنحمي دولة الحرية والابتكار وما يليها من اختراعات وصناعة مستقلة أم نظل شيوخاً مهووسين بالجهاز التناسلي مستهلكين لاختراعات الغرب؟ ما بعد الإسلام السياسي! ويقول إنها نشوة الحرمان. حرمان من التعبير. حرمان (السلفيين والإخوان) من الحلم على مدى عقود. بالرغم من أنهم سيقابلون ببضعة مشاكل جسيمة إلا إنهم سيفاجئون بها ثم سيتداركونها. المجتمع الديمقراطي الحر هو الشرط الوحيد. هو الحماية لجميع الأطراف. حماية للإسلام السياسي قبل بقية أطراف المجتمع. لن أعود إلى نقطة الصفر وكيف نجح الإسلام السياسي. ولا لكل الذي عمله السلفيون على الأرض منذ عقود في الجمعيات والمستوصفات والمتاجر والمساجد. من قام بهذا غيرهم؟ لن أعود إلى الناخب الذي يستجيب للنعرة قبل الفكرة، من علمه أن يفكر، من علمه أن يختار؟ ولكن هنا تأتى النقطة أن لم نعلمه ونحافظ على اختياراته فصحيح ستحافظ الإسلام السياسي على وجوده إلى فترات طويلة، ولكنه سيهدم الدولة المتحضرة القوية الممكنة، كل المقابلات والتصريحات مع السلفيين صفراء كلها تتحدث عن فقه المايوه، وما من أحد يتحدث عن قيمة الحرية، قيمة الإبداع، الابتكار، إن هذا المجتمع لن يبتكر شيئا في الهندسة الوراثية ولا الكيمياء ولا الفنون ولا البرمجيات، وفكره مقموع فالحرية لا تتجزأ، وعلى الإسلام السياسي أن يدرك هذا بوطنية وشجاعة إن هذا هو ثمن التطور، على فكرة ولا أميركا ولا الصين ولا أى مخلوق سيحبذ هذا بالعكس، أن مجتمع مغلق مستهلك يمثل بالنسبة لهم سوقا هائلا، ولكن مجتمع حر في الابتكار وما يليه من صناعة واقتصاد هو منافس مزعج بل وقد يستدعى إعادة الحسابات والتوازنات”.  ويضيف الشافعي “السؤال هنا: هل سنبتكر ونوفر مخزونا استراتجيا من الاختراعات والصناعات والفنون. هذا ما يجعل للدول ثقلا، أم نظل شيوخاً مهووسين بالجهاز التناسلي مستهلكين لاختراعات الغرب، على الإسلام السياسي أن يحسبها من هنا لا من أي وجهة نظر أخرى، لكن أملى أن الجميع سينضج في حال نجونا من التفافة العسكر وقمع كل القوى..الجميع سينضج”. ويوضح “سيكتشف السلفيون أن ما قاله لهم خطاب الجمعة الساذجون من (جربنا الرأسمالية وجربنا الاشتراكية ولماذا لا نجرب الإسلامية)..أنه كلام نظري، فالإسلامية قد تكون رأسمالية أو اشتراكية أو حتى أناركية وأن الاقتصاد مدارس والاجتماع مناهج وكلها تقبل ان تعيش فيها مسلماً أو ملحداً. سيكتشف الإسلام السياسي أن الإسلام لا يعنى قمة السياسة والاقتصاد ولكنها علوم وإلا ما انطفأت دول الإسلام على مدى التاريخ..ولكنها علوم تتطور ومن يطورها -أيا كانت ديانته- ستكون له الغلبة. وأن على الإسلام السياسي أن يعيد العمل على تطوير علوم توقف العمل عليها منذ قرون وعلينا أن نشرع فى هذا المشوار الطويل”. ويؤكد “سيكتشف الإسلام السياسي أن المرجعية الشرعية فى نظام الحكم معناها أنه لو اختلف طرفان مسلمان لاحتكم كلاهما للشرع ـ الفسيح ـ ولقاتلا بعضهما ولسالت الدماء حتى ولو على أسوار الكعبة كيزيد ابن معاوية. وسيكتشف الإسلام السياسي أن تصور دولة الشريعة مازال مراهقا وأن دولة القانون هي التطوير المدني الذي نحتكم فيه للعقل بتسلسل منهجي يضمن أكبر قدر من سلامة البلاد”. ويتساءل “سيكتشف الإسلام السياسي أن الاختبار الحقيقي لقدراتهم وإيمانهم هو الاختبار فى مجتمع الحريات، فما قيمة داعية كل جمهوره يطيعه يا إما طوعاً وإلا ذاق المهانة ووقع السياط والخيزران؟”. ويضيف “على الجانب الآخر لا يصدر العلمانيون ومناهضو الإسلام السياسي فكراً متوازناً عن مجتمع الدولة الحرة. بل أنهم قمعيون بشكل لا يقل عن الإسلاميين المتردين في غياهب التاريخ بلا حرية ولا أخلاقيات حقيقة. العلمانيون لا يدركونها والإسلاميون لا يهتموا بها ولكن بالمظهر فقط. وترى ذلك جليا في أحاديث المايوه وساعات التليفزيون الضائعة فى حكم التلامس والتهامس، إن الحرية والأخلاق متلازمتان، فلا حضارة تستقيم بالحرية وحدها ولا تقدم يحث بالأخلاق وحدها”.
سيناريوهات
وإلى هنا يرى مجدي الشافعي إلى أن كلاً من العلمانيين والإسلام السياسي عليهم أن يتعلموا كيف يصدروا أفكارهم بمجهود مجتمعي لا فوقى ولا قمعي. ويضيف “سيكتشف الإسلام السياسي أن القوى التي مكنتهم من مواقعهم وفتحت أبواب سجونهم هي قوى الثورة الليبرالية والغير مسيسة ولا دينية..قوى آمنت بحرية وكرامة البني آدم..قوى قليلة العدد لكنها مؤثرة وفي الطليعة وأن أخذهم الإسلام السياسي بالصلف والكبر فلن يغفر لهم أصحاب الشرارة الثورة ذلك أبدا ساعتها تكون هناك أربع احتمالات: الأول الأصعب هو أن يتجاوز الثوريون المرحلة والمسؤولون بمصداقية مواقفهم وثقلهم الفكري وقدرتهم الأقوى على التواصل المحترم، ومن ثم يبدأ الدستور بعقد اجتماعي يضمن سلامة وكرامة كل من على ارض الوطن. الالتفات إلى الإصلاحات بعزيمة بدلا من تكتيف القوى الوطنية والعمل على الوقيعة بينها. عندها سيزيد التنافس السياسي والعلمي والاقتصادي وعلى المجتمع أن يحتوى جيشه سريعاً وأن نفرض سلاماً وتحضراً على الجميع”. ويتابع “ثانياً أن تتحول الدولة لدولة قمع يتحالف فيها العسكر مع الإسلام السياسي ـ ويغض البصر عن أي انتهاكات لمبادئ الثورة الأصيلة التي كرست لكرامة البني آدم ـ (كما حدث في قتلى مجلس الوزراء وفـتاة التحرير المسحولة) يظل هذا الحل مفضلا لدى الغرب. فكلاهما غير مشاغب والسعودية تجربة مرجعية مهمة وكلما زاد التطرف وانضم المتطرف للحكم استتب الوضع الديكتاتوري واستراحت السياسة الدولية”. ويستطرد “ثالثاً أن ينفرد الإسلام السياسي بسطوة قمعية ويزيحون فيها العسكر وقوى الثورة مدعومين بخطابات دينية حماسية ملتهبة ـ تم اختبار نجاحها في الشارع ـ وجاءت لهم بشرعية الاقتراع الشعبي المباشر شرعي لا يقدر مخلوق على المساس بها، حتى لو احترقت جميع العناصر الفعالة في البلد. ستسقط البلاد في عصور من الظلام لسنين وستقتصر الانتخابات على عناصر محددة وقد يأتي بعنصر فعال بعد سنين وعلى حساب الآلاف ولكنها ستأتي بطفرة تحفز الصناعة والتجارة. نهضة ستكلفنا آلاف أو ملايين الأرواح وعشرات من السنين وكثير من الثمن وبعض من الأمل”.ويضيف “رابعاً أن ينقلب العسكر فيعزل الإخوان أولا ويثيرون الشارع على الثوار ويهيجون السلفيون على أي من الطرفين..وبينما إعلام التخويف وجنود الإشاعات يمهدون الطريق تصبح سيطرة العسكر مطلباً شعبياً. وتبدأ المقاصل في قطع رقاب الثوار وبعض السلفيين والجهاديين ويبحث الإخوان عن دهاليز جديدة..سيناريو مكرر ووضيع، لكنه ممكن، والسياسة فقدت قلبها منذ زمن والضمير العالمي الذي انتفض وعاد للحياة مع الثورات العربية..سيسقط في سباته العميق. ولكن الثورة لا تنتهي جذوتها هكذا. الثورة حتى لو قمعت فإن نارها المكمورة تستعر وتفور في مكان آخر أو في زمان آخر..حينذاك، لا أحد يعرف إن كنا سنكون على قيد الحياة أو في غياهب السجون أو في احتفالات الحرية في ميدان التحرير”.

التصورات الجاهزة

 

 

العناز: الأمر في المغرب مختلف

ويؤكد الباحث والشاعر المغربي محمد العناز أن صعود تيارات الإسلام السياسي على رأس السلطة في مصر وتونس وليبيا والمغرب يمثل حدثاً جديراً بالتأمل، وتقديم قراءات انطلاقاً من الوضعية الاجتماعية والسياسية لهذه البلدان التي عانت من الإحباط السياسي نتيجة القبضة الحديدية لحكامها لفترات طويلة، مع الاحتفاظ بتحفظ خاص بالتجربة المغربية التي استطاعت التكيف مع أوضاع سياسية يهيمن عليها اليسار الإصلاحي، والانخراط في حركية سياسية يمثل النزول للشارع احد أهم تجلياتها كلما ارتبط الأمر برهان وطني أو حدث عربي مثل احتلال العراق، والجرائم الصهيونية على غزة.
ويضيف العناز “بطبيعة الحال فهذا الصعود سيترتب عليه تحول وركود في عدد من القطاعات خاصة منها السياحية والفنية، وهو ما يمثل تحديا فيما يرتبط بالصناعة السينمائية التونسية التي قطعت أشواطاً في (كسر الطابوهات-الدين-الساسية-الجنس)، والصناعة السينمائية المصرية المرتبطة بشباك التذاكر، وتحقيق (ما يطلبه الجمهور)، وبعيداً عن سؤال القيمة الفنية لهذه الأعمال السينمائية فإنها بلا شك تشغل عددا كبيرا من اليد العاملة وتساهم في الحركة الاقتصادية المصرية. أما في الجانب الثقافي، فغياب أطر بديلة لدى اليسار سيتيح لأشباه المفكرين البروز وتسييد شكل أحادي للثقافة، ومحاولة إقصاء التعدد والاختلاف. مع ضرورة التركيز على خصوصية الشعب المصري المتميز في انتمائه القومي، رغم الولاء الديني لشعبه (الإسلام والمسيحية).
أما بالنسبة للمغرب فالأمر يختلف فرأى العناز أن الشارع تستقطبه قوى سياسية متعددة أبرزها اليمين الإسلامي المتشدد الذي يرفض دخول الانتخابات، واليسار الراديكالي الذي ينادي بالمزيد من الحريات المدنية والسياسية. وهذه القطبية يضاف إليها أحزاب تنعت بالإدارية كانت تحاول أن يكون لها صدى قوي في مغرب الألفية الجديدة لكن الربيع العربي أطاح بكل التصورات الجاهزة.

الحلم العربي

خليل: مصر في عش الدبابير

ويرى الكاتب والأديب المصري محمد خليل أن هذا الصعود يأتي رغبة جارفة في تغيير أنظمة عاشت لنفسها ولم تنظر إلا لمصالحها فقط ولم تقم بأداء واجبها نحو السواد الأعظم من الأمة التي باتت تعانى فقراً مدقعاً وظلماً بالغاً وكبتاً للحريات، وقد أدخلت هذه التيارات ـ وخصوصاً في مصر ـ نفسها في عش الدبابير ووضعت أقدامها في مصيدة سياسية أكبر من خبراتها وتجاربها ونتمنى أن يحققوا النجاح المنشود من الجميع، نعلم أيضا أن هذه التيارات أو الجماعات شديدة التنظيم ولكن السياسة لها منطق آخر يختلف حسب الأهواء والحاجات والمصالح العليا للدول التي تعبث في المنطقة. ومن ثم فإن الشعوب تنتظر نتائج هذه الثقة التي منحتها لهذه التيارات التي ظلت تصرخ من الظلم طوال سنوات الحظر والقهر وتأكيدهم على امتلاك مفاتيح جنة الرخاء للجميع. وبهذه المناسبة لن ننسى المقولة الشهيرة للسادات “العام القادم عام الرخاء” وظل الناس ينتظرون هذا الرخاء عاما بعد الآخر دون أن يجئ، ومات السادات وتسلم مبارك السلطة ولكن الرخاء عندما أتى لم يدق غير أبواب سدنة وكهنة النظام الظالم الجائر، والشعوب لا تنسي أبدا لكنها تختزن، وعندما يأتي الحساب يكون يومه عسيراً كما رأينا، إذن فالناس علقوا على هذه الجماعات والتيارات آمالاً كبيرة في تحسين أحوالهم الاقتصادية والاجتماعية، وبالقطع لا ينتظرون من هذه التيارات تصحيح كيفيات الصلاة أو الصوم أو حسم القضايا الفرعية مثل النقاب أو الحجاب أو كباريهات شارع الهرم بقدر ما ينتظرون أولاً حلولاً سريعة وحاسمة لرغيف العيش والبطالة والصحة والتعليم ( الدروس الخصوصية) وغير ذلك من الحاجات الإنسانية الأساسية التي تشكل الأسباب الرئيسية لاندلاع كل الثورات فى العالم القديم والحديث..والله مطلع على عباده وهو الذي سيحاسب الجميع”. وفي ضوء ذلك يتوقع محمد خليل من هذه التيارات محاولات جادة للتغلب على هذه القضايا إذا اتفقت كل الجماعات والائتلافات فى الجلسات الأولى للبرلمان وبالاتفاق والتوافق على ضرورة عبور هذه المحنة وضرورة العمل بمنتهى الجدية والصدق، ولتأكيد وإثبات أن الشعوب العربية وقت الشدة تعرف طريقها جيداً نحو الاستقرار وتعرف أيضاً كيف تخرج وتسيطر على أزماتها عندما تشتد وتتشابك القضايا والمشاكل، والدليل الأكبر حرب أكتوبر المجيدة التي أظهرت المعدن الحقيقي للشعوب العربية والإسلامية.  ويضيف “ما يخيفني ويزعجني فى الثورة المصرية ما قد يحدث من خلافات وصراعات حادة بين مختلف التيارات والقوى السياسية في الجلسات الأولى للبرلمان، هذا البرلمان الذي نعقد عليه آمالاً كبيرة في توصيل رسالة المصري إلى كل القوى الداخلية والخارجية التي تحاول العبث بهذا الشعب الصبور وتكون النتيجة الحتمية هي شق الصفوف الوطنية داخل المجلس فينهار كل شيئ مرة أخرى وندخل في نفق معتم قد لا نرى في نهايته بصيص أمل أو طاقة نور جديدة إلا بعد سنوات طويلة”.  كما أذكر جميع أطياف التيارات السياسية بما يلي “كلما شعرتم أنكم على شفا التناحر والتنابذ تذكروا ولا تنسوا أن شعوب ثورات الربيع العربي ـ شعوبكم ـ دفعت ثمناً غالياً من المعاناة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية قبل الثورة وبعدها من دماء أبنائهم الذين دفعوا حياتهم من أجل ضمان حياة حرة وكريمة لهذه الشعوب التى ناضلت وصبرت طويلاَ، واحذروا أن تكون أحزابكم مثل الحزب الوطني أو البعث العراقي والسوري وغيرها من الأنظمة فى حالة التمكن السياسي أن تتجه نظرتكم إلى إخوانكم ومن ساندوكم فقط واعتبار باقي الناس مواطنين من الدرجة الثالثة، فهذه التصرفات والتمييزات التي ستكون مراقبة جيداً ستصبح أول مراحل ومقدمات السقوط المروع والمدوي”.  ورأى أنه “إذا فشل التيار السياسي في مصر أو تونس أو ليبيا التي ما تزال في البدايات واليمن وسوريا التي سيحكمها التيار الديني إن آجلاً أو عاجلاً في علاج المشكلات المشار إليها، تكون قد دخلت ـ كما قلنا ـ في نفق شديد الحلكة ولن تقوم لها بعد ذلك قائمة، لأن هذه الثقة والتصويت الكبير لهذه الجماعات أو التيارات يعنى الأمل الأخير للسواد الأعظم من هذه الشعوب للنجاة والهروب من اسر الفاقة والجوع والظلم والاستبداد، وسيكون الخروج عليهم ونسفهم خروج من يشعرون بالفشل وخيبة الأمل التي ستؤجج ثورة الجياع وتضرم النار فى كل شيء..كما لن تكون ثورة للحرية لأن الحرية الآن أصبحت مطلقة السراح وملكاً للجميع وفى أيدي الجميع ولن يستطيع أحد أخذها منهم مرة أخرى للتضحيات الكبيرة في سبيلها وفك أسرها”.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع