أخر تحديث : الأربعاء 18 أبريل 2018 - 11:46 مساءً

حدث ورأي : بمناسبة الذكرى 62 لزيارة السلطان محمد الخامس لمدينة القصر الكبير

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 18 أبريل, 2018 | قراءة

اسامة الجباري :

احتضنت دار الثقافة لمدينة القصر الكبير مساء يوم الاربعاء 18أبريل 2018  حفلا وطنيا بمناسبة الذكرى الثانية  والستين لزيارة الملك الراحل سيدي محمد الخامس لمدينة القصر الكبير في عاشر ابريل 1956 ، وهي سُنَّة حميدة دأبت على تنظيمها الجماعة الحضرية لمدينة القصر الكبير وعمالة إقليم العرائش،  بمشاركة المندوبية السامية لقدماء المحاربين وأعضاء جيش التحرير .

لقد أجمع المتدخلون على الأهمية التاريخية والوطنية لتلك الزيارة التي جاءت مباشرة بعد ذهاب الملك محمد الخامس إلى اسبانيا بتاريخ رابع ابريل 1956 لتفعيل المفاوضات التي جرت بمدريد وأسفرت عن تصريح مشترك يعلن عن رفع الحماية . فكانت مدينة القصر الكبير المجاهدة وهي تستقبل الملك تضع حداً للتقسيم الإستعماري ( الإسباني- الفرنسي) وتعلن للعالم الحر أن شمس الاستقلال التي سطعت في سماء المغرب غير معنية بكل الحواجز التي صنعها الاستعمار ، ومن هذا المنطلق الوحدوي كانت الأهمية التي اكتسبتها زيارة الملك الراحل لهذه المدينة المناضلة .

أراد جلالته طيب الله ثراه وهو يقيم بين أهالي هذه المدينة ويتناول غذاءه بها أن يشكر أهالي القصر الكبير الذين أبانوا خلال حقبة الحماية عن روح وطنية عالية ومقاومة مستميتة فريدة تليق بمدينة معركة الملوك الثلاثة ، كما أن موقعها الجغرافي الذي يشكل نقطة التماس بين المستعمرين الفرنسي والإسباني بوأها مكانة استراتيجية في العمل النضالي ، وهذا ما جعل المدينة طوال مراحل الاستعمار تحتضن اجتماعات سرية ضمت رجال المقاومة من الشمال والجنوب أمثال المجاهد العلامة الزعيم علال الفاسي وصديقه في الوطنية الزعيم الأستاذ الكبير عبد الخالق الطريس ، ومن كثرة ما كان يتردد المقاوم العالم علال الفاسي الى القصر الكبير حتى لُقِّب عند الكثير بِ علال القصري .

لقد تطرق السادة المشاركون في ندوة: ” الحركة الوطنية بشمال المغرب ودورها في الاستقلال والوحدة الوطنية”   وكذا المندوب السامي للمقاومة وجيش التحرير إلى اللقاء  الذي جرى بين الملك الراحل سيدي محمد الخامس والمجاهد الوطني الغيور سيدي أحمد الجباري على هامش الزيارة التي قام بها الملك للمدينة ، وحتى نفهم دواعي هذا اللقاء والظروف التي ساهمت في انعقاده كان من الضروري أن نتعرض إلى بعض المقتطفات من السيرة الذاتية لحياة المرحوم الأستاذ أحمد الجباري وإلى محطات وطنية بارزة من حياته قبل تاريخ الزيارة عاشر ابريل 1956 . من هو المرحوم الأستاذ أحمد الجباري ؟

هو السيد أحمد بن محمد بن الطاهر الجباري الحسني وُلِد بمدينة القصر الكبير من والده المذكور وأمه السيدة فطمة بنت المفضل الجباري الحسني سنة 1911 أي قبل عهد الحماية بسنة ، فأدخل الكتاب وسنه أربعة أو خمسة أعوام ، فتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن في سن مبكرة لا يتعدى معها إحدى عشر سنة وبعض المتون كالجرومية ومنظومة ابن عشير ولامية الأفعال ، وقد كانت مدينة القصر الكبير بلد علم ودراسة ، وبعد ذلك ومباشرة وهو في أواخر العقد الثاني من عمره انتقل إلى مدينة فاس وانتظم في سلك طلبة القرويين ، وكانت مدينة فاس إذ ذاك تعج بالوطنيين والمطالبين بالإصلاحات والاستقلال يتزعمهم الملك المفدى محمد الخامس طيب الله ثراه ، فتأثر السيد أحمد الجباري بهذا الجو الحماسي وأصبح مشربا بالغيرة الوطنية والاندفاع نحو نصرة الحق والوطن وطرد المستعمرين من البلاد . وبعد التدريس والتحصيل أجازه فقهاؤه ومدرسوه في 11 ربيع الثاني 1349 هجرية يوافق بالسنة الميلادية 1930 بالشهادة العالمية ، وهؤلاء الفقهاء هم الفقيه العلامة محمد ابن محمد ابراهيم والفقيه العلامة العباس العساوي المزكاري والفقيه العلامة محمد بن أقصبي جٓ عبد المجيد حيث أجازوه بالشهادة المذكورة ووصفوه بحسن سمة وديانة ومروءة ، وصلاح طوية وبالنجابة والنباهة في علومه كالعروض والنحو والبلاغة … وعاد إلى مسقط رأسه مدينة القصر الكبير حيث تولى منصب خطة العدالة من الدرجة الأولى ثم تم تكليفه بعد ذلك سنة 1945 بمهام نظارة الأحباس بالقصر الكبير بعد وفاة الناظر الفقيه السيد محمد المراكشي ولِيُعيَّن بصفة رسمية ناظرا على أوقاف المدينة المذكورة بموجب القرار رقم 10 الصادر عن وزير الأوقاف بتطوان بتاريخ خامس عشر صفر الخير 1366هجرية موافق 8/1/1947 وبعد الاستقلال عين بموجب الظهير الشريف الصادر بالأمر المولوي في فاتح جمادى الأولى 1376 والمسجل بوزارة عموم الأوقاف بعدد 86 وتاريخ منه الموافق عاشر دجنبر سنة 1956 ناظرا بالمنطقة الشمالية من أحباس العرائش وما أضيف إليها من أحباس القصر الكبير وأصيلا والقبائل المضافة لها ،

هذا الظهير سبقته بشائره الى السيد أحمد الجباري شفاهيا عند زيارة الملك المرحوم محمد الخامس لمدينة القصر الكبير كما ذكر ، وبجانب عمله هذا فقد قضى حياته رحمه الله في تدريس العلم وتكوين الناشئة بالمدرسة الأهلية الحسنية التي كان يديرها بالقصر الكبير هذه المدرسة التي أسست سنة 1936 وعُيِّن مديرا لها كانت لغاية تعليم أبناء المدينة المذكورة ، وكان حفل تأسيسها بحضور الزعيم المرحوم الأستاذ الكبير عبد الخالق الطريس الذي ألقى كلمته بهذه المناسبة بعد كلمة مديرها المرحوم الأستاذأحمد الجباري الذي قال:” إن العلم هو حياة الأخلاق والفضيلة وهو إدراك الذات واكتساب التجربة واكتشاف العالم في كل أشيائه والحصن الوحيد للأمة العربية وأن غياب العلم عن الأمة هو حضورها في غياهب الجهل ولا يعقب ذلك إلا الويل والخسران ” فقد كان ينادي الشباب ويدعوهم الى التمسك بالمبادئ الإسلامية والدعوة إلى العمل والتفاني في تحصيل العلم ونشره لا للركون والاقتصارعلى الهتافات والشعارات ، يقول المرحوم الأستاذ أحمد الجباري:” الدين والوطن شيئان متلازمان ، فاذا قام الدين وسقط الوطن سئلنا أمام الله وإذا سقط الدين وقام الوطن غضب علينا الله ” ثم يقول:” فالشعب – أيها الشباب – لا ينتظر منكم شيئا سوى العلم ، فالعلم به تدرك الأمة كل أمانيها وآمالها والعلم روح شريفة تبث الإيمان القوي في قلوب من يعتنقها فيصير بذلك لا يرضى بذل ولا إهانة . وقد ألقى رحمه الله أول خطبة في ميدان العمل عام 1355هجرية موافق لسنة 1936 ميلادية وكان همه وشغله الشاغل كما ذكر هو الاهتمام بالشبيبة وحضهم على العلم واكتسابه ، ففي كلمة ألقاها في الموضوع أبدى فيها حسرته على ما آلت إليه الأمة من وضعية حرجة من نبذ العلم واعتناق الجهل والتخبط في ميادين الخرافات والخنوع لهيمنة الاستعمار إلا أنه رأى من خلال تأليف البعثة المغربية للدراسة بالخارج نافذة يعلق عليها الآمال للخروج من بؤرة الجهل والأخذ من مناهل العلم والمعرفة وقد تعرض في هذه الكلمة إلى ذلك الترحيب من أهالي مدينة القصر الكبير لأفراد البعثة المغربية خاصة منهم مهاجرو المدينة وتعليق عليهم الآمال في بناء العلم والأدب مع عودة الأستاذ محمد بن زيدان بشهادة من كلية الزراعة وترقب عودة الأساتذة عبد السلام الديوري في الهندسة الميكانيكية والتليفونية والتلغرافية وعبد السلام الطود في الأدب والتاريخ وعبد القادر الساحلي في الأدب واللغة ، ويقول عنه الاستاذ الشاعرالشريف مصطفى الطريبق :” كان الأستاذ الفاضل المحترم السيد أحمد الجباري خطيبا بليغا ، لم يترك مناسبة من المناسبات تمر دون أن يلقي خطبة بليغة تحرك مشاعر الوطنيين وتؤجج عواطفهم وتحيي فيهم حب الوطن وتدفع للعمل والاندماج في الكفاح الوطني سواء كانت المناسبة دينية أو وطنية ، فقد كان يتوجه إلى المواطنين بخطبه البليغة الرنانة المؤثرة وفد عرف بذلك ، حتى سُمِّيَ بِ ” طريس القصر الكبير ” وقد سمي بذلك لأنه كان متأثرا بالزعيم عبد الخالق الطريس …

وقد كانت خطب الأستاذ أحمد الجباري مؤثرة للغاية كانت تدل على الجانب اللغوي المثين والرصيد الأدبي البليغ والملمح الأدبي البلاغي الناصع …” انتهت كلمة الأستاذ الشريف مصطفى الطريبق . والمرحوم الأستاذ أحمد الجباري في هذا الوقت لم يستكن ولم يهن بل كان من جهة أخرى في نشاطه السياسي وفي مواجهته الاستعمار شعلة متأججة في درب الكفاح والنضال ، فقد كان رحمه الله من خيرة الوطنيين الذين أبلوا البلاء الحسن في خدمة الوطن والحركة الوطنية باستمرار وبإخلاص إبان الحماية ، حيث سُجِن وهُدِّدَ بالقتل من طرف السلطات الاستعمارية وعُزِلَ من منصبه كناظر للأحباس ، فكان مفخرة لأبناء القصر الكبير ، فهو أبو الوطنية بهذه المدينة ، فكان مثال الوفاء والإخلاص والتضحية ، وله مواقف جليلة عرفها سكان الشمال خاصة والمغرب عامة في ميدان الوطنية وداخل صفوف حزب الإصلاح الوطني وبعده حزب الاستقلال مما أهله أن يحتل مكانا بارزا بين الوطنيين كسب به خالص التقدير ووافر الاحترام ، وأنه لا ينبغي أن يعزب عن أدهان أهل مدينة القصر الكبير أنه كان أحد الوطنيين الذين شاركوا في الإعداد لرحلة الملك محمد الخامس الى مدينة طنجة ، إذ كان من مؤسسي الكتلة الوطنية ، وبعد تأسيس حزب الإصلاح الوطني تولى عملية التنسيق بين تطوان والعرائش وأصيلا والقصر الكبير وكانت عَيْنُ الاستعمار لا تنام تترصده في كل حركاته ، حيث اعتقلته مرارا وكانت تعتبره الزاوية التي ينطلق منها شباب القصر الكبير للمناداة بالحرية والاستقلال وتنظيم المظاهرات . ففي هذا الجو العصيب يقول أحد أنجاله الكرام نقلا عن حديث السيدة والدته زوجة المرحوم أحمد الجباري :” في ليلة كئيبة لصباح أول أيام عيد الأضحى من عام 1373هجرية موافق لسنة 1954 وكانت الساعة تشير إلى الثالثة بعد منتصف الليل توقفت سيارة جيب عسكرية وبداخلها جنود إسبان بباب مسكن السيد أحمد الجباري وطلبوا منه بالقوة الخروج واقتادوه معتقلا إلى ثكنة عسكرية حيث مورست عليه رحمه الله أشكال مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي قبل أن يلتقي بالمقيم العام الإسباني والذي خاطب المرحوم بوقاحة وغلظة:” كأسك فاض أيها… لقد نفد صبرنا….” ثم خيره بين التوقف نهائيا عن أي نشاط وطني أو الطرد من وظيفته كناظر للأوقاف بمدينة القصر الكبير ، فاختار رحمه الله الانحياز لوطنه وعقيدته وتم فصله وطرده بالفعل من وظيفته ، وظل رحمه الله يدير المدرسة الأهلية الحسنية لنشأة الشباب على حب العلم والوطنية رفقة وطنيين أحرار كأمثال الأساتذة : أحمد اقدامة ، محمد المهدي الطود ، أحمد السفياني ، عبد السلام القيسي ، هذه المدرسة حرص الوطنيون أن تكون مدرسة أهلية عصرية في مناهجها التربوية تدرس فيها كل المواد الأدبية والعلمية والرياضيات والدينية بالاضافة الى التعبئة الوطنية وغرس بدور الوعي التحرري في نفوس تلاميذها وبدا هذا جليا من خلال احتفالات المدرسة حيث كانت تقام فيها مسرحيات من أدوار التلاميذ وأناشيد وطنية حماسية من تأليف نخبة الوطنيين تلهب مشاعر الحاضرين وتحثهم على المطالبة والتحرر ، وفي هذا الإطار قدم المرحوم الأستاذ محمد المهدي الطود رواية ” العامل ” التي قال عنها مدير المدرسة السيد أحمد الجباري :” هي رواية ، موهبة حسنة وخدمة لطيفة قدمها استاذ المدرسة أخونا السيد المهدي الطود لبنيه وثمرة جهاده … إنه أصاب الهدف المنشود في خياله وتصوره حيث ضمن روايته فصولا عملية شيقة تسر المدرسة أن ترى بنيها وزهرة أملها غادية رائحة في تحقيق تلك المُثُل العليا وإبرازها من عالم التمثيل إلى عالم التنفيذ والتحقيق ، رواية ” العامل ” نموذج لائق وتفسير صادق عن حقيقة الشباب الحي…وهنيئا للمدرسة الأهلية الحسنية برجالها الأبرار الخافقة قلوبهم بحب الخير لبنيهم ، والمجد والسمو للمغرب ” ومن محطة أخرى من المواقف الوطنية للأستاذ أحمد الجباري ، فقد كانت أخبار سارة تروج هنا وهناك عن زيارة الملك الراحل محمد الخامس لاسبانيا ومفاوضات الاستقلال ، فالتجأ الكثير من المواطنين إلى المذياع يبحثون عن ترددات الإذاعات العالمية عن انتهاء الحماية حين كانت تذيع الخبر الأبرز ” التصريح المشترك الاسباني المغربي الذي يعلن عن انتهاء عهد الحماية ” . في هذا الجو الملحمي خرج أهالي سكان مدينة العرائش محتفلين ومبتهجين بهذا اليوم الذي تشرق فيه شمس الحرية فوق سماء المغرب في غياب تام للسلطة ، وبدأ السكان بعفوية ينزلون للشوارع ويبالغون في التعبير عن كراهيتهم للمحتل ولمن كان يتعاون معه بالأمس القريب من المغاربة ، فأقام مجموعة من الشباب بإضرام النار في ساحة اسبانيا ، وكل من ثبت تعاونه مع الإسبان يقتاد إلى المحرقة ويرمى به في النار ، فانتشر هيجان الغضب في المدينة ، كان من الصعب جدا أن توقف تلك الأمواج البشرية الغاضبة وهي تحاكم من تعتبره خائنا للوطن والدين ، وأمام صعوبة هذا الوضع وضراوته تم الإتصال من دوائر عليا بالسيد أحمد الجباري من أجل الذهاب إلى مدينة العرائش لتهدئة الخواطر ، فكانت الدوائر المذكورة ترى فيه الوحيد القادر على رسم الطريق إلى استقرار الحال وإخماد نار الفتنة لِمَا عُرِف بقدرته على التأثير والإقناع بخطبه ذات الجانب اللغوي البليغ النافذ إلى أعماق القلوب والنفوس ، وعند وصوله رحمه الله إلى مدينة العرائش وفي ساحة اسبانيا اعتلى السيد أحمد الجباري شرفة من شرفات إحدى البنايات الموجودة بالساحة المذكورة ، فكبَّرَ وحمِدَ اللهَ وصلى على رسوله وبشر الجماهير المحتشدة بالقرب من إعلان الاستقلال وانقضاء عهد الحماية بفضل مجهودات الملك الراحل سيدي محمد الخامس ، وبكلماته البليغة ذات التأثيرالمقنع البليغ وببلاغة أسلوبه الناصع وبإشراقة الديباجة عمِلَ على تهدئة النفوس وتسكين الخواطر فعمت السكينة وخمدت نار الفتنة وانطفأت فأعطى بذلك للجماهير المتأججة غضبا للموالين للاستعمار درسا في التسامح والترفع عن سلبيات الغل والانتقام ، فكان مجيئه لمدينة العرائش خطوة حاسمة قلبت الموازين وخلقت تحركا وطنيا من أجل الاستقرار وضمان الطمأنينة في نفوس سكان المدينة . (1) ومن جهة أخرى ، فذكرى وادي المخازن لا تعزب عن ذهنه رحمه الله ، فكان ينظمها شخصيا وبنفسه ويرعى احتفالها في كل سنة بمدينة القصر الكبير حيث يحضرها الزعيم المرحوم علال الفاسي رئيس حزب الاستقلال ، فتُلْقى بهذه المناسبات خطب لتجديد الوطنية في البلاد وبث في الحاضرين من الجماهير من مختلف مدن المغرب الغيرة على وطنهم حتى لا تخبو مع إفادتهم عن تاريخ الشعب المغربي الحافل بالعزة والكرامة ، فكانت هذه الذكرى في الحقيقة تربية لسكان مدينة القصر الكبير وضواحيها على القيم الأخلاقية والوطنية وعلى الوعي السياسي والتاريخي . ولا ننسى ذلك اللقاء الجميل المهم الذي يجهله الكثير والذي شرَّفه به صاحب الجلالة المغفور له سيدي محمد الخامس بقصره العامر دام أكثر من نصف ساعة دار الحديث معه عن الأحوال بشمال المغرب ودور المدرسة الأهلية الحسنية بالقصر الكبير ونشر العلم والثقافة فيها وترسيخ الوعي وحب الوطن في قلوب ونفوس طلابها وطالباتها ،

وقدحدث ذلك اللقاء يوم الجمعة حتى أدى إلى تأخير مراسم ذهاب الملك لأداء صلاة الجمعة عن وقتها المعتاد ، فكان صاحب الجلالة على معرفة به منذ دراستهما معا بجامع القرويين وكان جلالته يناديه ” بالفقيه ” . فالمرحوم الأستاذ أحمد الجباري كان قلعة وطنية وأدبية لا تغيب عنها الشمس ، كان عالما جليلا ووطنيا بارا ومربيا للأجيال في إبان حياته على القيم الثقافية وعلى الصمود الوطني في مواجهة الاستعمار ، فدوره الثقافي والسياسي تَجَسَّد في هويته واعتبرها حصنا له عقيدةً وثقافةً وحضارةً ، هذه الهوية كان ينشرها باعتزاز وإخلاص على مساحة بلده ووطنه باعتبارها عنصرا من العناصر المكونة لشخصه وذاته ليجعلها قربانا وفداءً لوطنه وأمته . رحمه الله فقد بقي مشعلا لا يخبو، وجبلا لا يرتج ، وعلما لا يسكن ، بحيث يُعتبَر ذاكرة لاستجلاء قيم الماضي المشعة من أجل فهم واعٍ لهذا الحاضر واستشراق بانٍ للمستقبل الآتي . وإثر انتقاله إلى الرفيق الأعلى كتب ابن عمه الفقيه العلامة المرحوم سيدي عبد السلام بن الخضر الجباري الحسني كلمة جاء فيها:” توفي الفقيه العلامة ناظر الأوقاف سيدي أحمد بن محمد بن الطاهر الجباري يوم الثلاثاء تاسع شعبان 1386 هجرية موافق ثاني وعشرين نونبر 1966ودفن بكتاب للا عائشة الخضراء بمدينة القصر الكبير ، وكان رحمه الله مخلصا في عمله ووطنيته” ، وقد شيعت جنازته في محفل رهيب حضرته جماهير غفيرة من أبناء مدينة القصرالكبير ومن مختلف مدن المغرب كما حضر مندوبو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال واللجنة المركزية والمجلس الوطني وكذا المرحوم السيد أحمد بركاش وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية آنذاك ليلتحق في اليوم التالي الأستاذ الزعيم عبد الخالق الطريس بعائلة المرحوم لتقديم تعازيه في صديقه في الوطنيه وليقف على قبره قائلا: ” قليل هم من أمثالك “. رحمه الله الفقيه العالم الأجل والوطني الفذ الغيور مربي الأجيال الأستاذ سيدي أحمد الجباري .

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع