أخر تحديث : الثلاثاء 10 يناير 2012 - 2:44 صباحًا

ربيع الديمقراطية الحزبية في المغرب

ذ. سعيد الحاجي | بتاريخ 10 يناير, 2012 | قراءة

 

منذ تأسيس حزب الاستقلال المغربي في أربعينيات القرن الماضي، وبعد انشقاق التيار الراديكالي الذي كان يمثله المهدي بن بركة وعبد الله ابراهيم والمحجوب بن الصديق مؤسسين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في الخمسينات، نتيجة انسداد الأفق أمام رفاق بن بركة في لعب أدوار أكثر قيادية في حزب الاستقلال بفعل سيطرة التيار المحافظ الذي كان يستمد مشروعيته من تأسيس الحزب. منذ هذه التطورات وحزب الاستقلال يعتبر من الأحزاب السياسية المغربية التي حافظت على نفسها من ظاهرة الانشقاقات المتتالية التي ضربت مكونات المشهد الحزبي المغربي بمختلف تلاوينه من اليمين إلى الوسط ( الذي يبقى حديث العهد في المغرب ) إلى اليسار سواء كان إصلاحيا أم جذريا.

 

هذا الثبات الاستقلالي في وجه ظاهرة الانشقاق مرده إلى بنية الحزب المغرقة في المحافظة، والتي  تفرض على كل منخرط فيه مجموعة من الشروط من أجل تسلق الهرم الحزبي والوصول إلى مواقع قيادية، حيث تختلط في ذلك الو لاءات والانتماءات العائلية ودرجة التضحية من أجل بعض الرموز وثباتها داخل مواقعها القيادية في الحزب، إضافة إلى كل هذا فإن مؤتمراتهم تعرف شبه توافق على الشخصيات التي ستقوده.
لكن كل هذا لم يمنع الحزب من أن يعرف اليوم ظاهرة تعتبر جديدة نوعا ما إن لم نقل حركة ثورية داخل الحزب بعدما أصبحت كلمة ( إرحل ) ترفع في وجه عباس الفاسي الذي يبدو أن تاريخ صلاحيته قد انتهى في الحزب، وبعد أن قاده لولاية ثالثة فرضها على الحزب بقوة استمراره في رئاسة الحكومة.
اليوم يبدو أن عباس لا يطلب شيئا آخر سوى الهبوط بسلام من غرفة القيادة في الحزب بعد أن أصبح يرى نفسه معرضا للتلويح به منها والانتهاء كاسم يعلوه الغبار في أرشيف الحزب بلا مجد، لكن هذا الحراك الذي يعرفه حزب الاستقلال له دلالات كثيرة، خصوصا وأنه حزب له مناعة ضد الانشقاق والنزاعات الداخلية الحادة منذ انشقاق 1956، فهل يمكن اعتبار ما يحدث مدخلا لربيع ديمقراطي حزبي في المغرب؟
إن الحراك الذي يعرفه المغرب اليوم على الصعيدين السياسي والاجتماعي فيما يتعلق بشق الحلول المطروحة من طرف الدولة وإن كان البعض يراها محدودة، فإن الكثيرين من جهة أخرى يرون أنه لا فائدة لكل ما يقال عن حلول وإجراءات للخروج بالمغرب من عنق الزجاجة، ما لم يرافق ذلك حراك داخل الأحزاب السياسية المغربية التي يعتبرها أغلب المغاربة الحجرة العثرة في وجه أي إصلاح والمفرغة لكل المحاولات الإصلاحية من محتواها، خاصة في ظل بنيات حزبية قائمة على الانتهازية وتحقيق المصالح الشخصية والتعميق من ظاهرة البلقنة الحزبية والحيلولة دون وجود أقطاب سياسية منسجمة قوية تخوض الاستحقاقات الانتخابية ببرامج واضحة، وفي غياب سياسات تأطيرية للمواطن تماشيا مع دور الحزب كمؤسسة سياسية في أي ديمقراطية حديثة.
إن الحركات الاحتجاجية على مستوى الشارع والمطالبة بالإصلاحات لا بد أن تواكبها حركات احتجاجية داخل الأحزاب السياسية المغربية من طرف الطاقات الحزبية التي تؤمن بالعمل الحزبي الجاد، بدل الوجوه الحزبية التي مل منها المواطن المغربي والتي تقود سفن الأحزاب حسب رياح تيار الفساد في المغرب، فلا يمكن بأي حال من الأحوال نجاح الإصلاح الديمقراطي بدون مؤسسات حزبية قوية ببرامج فاعلة وكوادر قادرة على قيادة سفينة المغرب وفق تلك البرامج.
لقد أظهرت المؤسسة الحزبية في المغرب قصورا فظيعا منذ انطلاق الحراك الاحتجاجي في المغرب، فبين من توجس من هذا الحراك ومن رفضه علانية ومن انتظر حتى خرج الملك بخطاب 9 مارس الذي شرعن المطالب الشعبية، ليخرج علينا بالتهليل لحركة 20 فبراير، بل وحتى بعد الخطاب أصبحت الأغلبية الساحقة من الأحزاب المغربية حائرة في أي خطاب تأويلي تتبناه للدستور خوفا من تجاوز الحدود المرسومة لها سلفا، ناهيك عن مشاورات تشكيل الحكومة التي أظهرت أيضا ضعف المؤسسات الحزبية ( إن صح هذا الوصف على بعضها ) وبينت أغلبها أنه لا آليات تنظيمية واضحة لديها لاختيار وزرائها اللهم آليات تقليدية تعتمد على منح الصلاحيات المطلقة للزعماء الدائمين في مظهر من مظاهر التخلف الحزبي القائم على التفويضات الكاملة النابعة من ثقافة رد الجميل نظير موقع في الحزب أو تزكية برلمانية سابقة.
إن الإصلاحات المحدودة التي عرفها المغرب كان لها أن تسير بسرعة مضاعفة لولا وجود كيانات حزبية تلعب دور الفرامل لكبح التطور نحو الديمقراطية الحقيقية لأن ذلك لا يخدم مصالحها التي بنتها أولا وأخيرا على استمرار وضع سياسي قائم على اللاوضوح، وها نحن اليوم نرى كيف أن المبادرة تعود إلى من كانت بيدهم وإلى رموز للفساد يرفضهم المغاربة، ولو أن هناك أحزابا قوية لفوتت الفرصة على من جثموا ولا زالوا على صدور المغاربة.
ما يحدث اليوم في حزب الاستقلال من دعوات لعباس الفاسي بالرحيل يجب أن يستمر، وينتقل إلى الأحزاب السياسية المغربية الأخرى للمطالبة ليس برحيل الزعماء السياسيين الذي يتشبثون عنوة بكراسي قد تنطق نفسها يوما لمطالبتهم بهذا الرحيل، لكن بثورة لتغيير بنيات هذه الحزبية وتحويلها إلى أداة فاعلة في التغيير، فلا بد من ربيع ديمقراطي حزبي في المغرب إذا أردنا المضي قدما نحو ديمقراطية حقيقية.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع